Chapter 3 of 6
Chapter 3: قناع ملك الشياطين
1.2k words
فتحت آثي عينيها ببطء، فوجدت نفسها في غرفة لم ترَ مثلها قط. كانت الجدران من حجر داكن، مصقول كزجاج أسود، تعكس ضوءًا خافتًا من نافذة طويلة ضيقة تكاد تصل إلى السقف. لم يكن ضوء شمس، بل وهجٌ أحمر غريب يلون الغرفة بصبغة قانية، كأنها مغمورة بدمٍّ سائل. شعرت ببرودة الهواء تلامس بشرتها، واخترقت صمت المكان رهبة عميقة. نهضت من الفراش الوثير الذي كانت ترقد عليه، شعرت بثقل في رأسها ودوخة خفيفة، كأنها استيقظت من حلم طويل ومضطرب. تفقدت جسدها، كانت ترتدي ثوبًا حريريًا ناعمًا لم تره من قبل، يلتصق بمنحنياتها بشكل غير مريح. لم تتذكر كيف وصلت إلى هنا، ولا ما حدث بعد أن التفتت إلى سيزار في قاعة الرقص. كل ما بقيت منه مجرد ومضات من نظرات غاضبة ويد قوية سحبتها بعيدًا.
تجولت عيناها في أرجاء الغرفة الواسعة. كانت هناك طاولة صغيرة من الخشب الداكن، عليها إبريق زجاجي وكوب فارغ. زحفت نحوها، فوجدت في الإبريق ماءً باردًا. ارتشفته ببطء، شعرت به يروي عطشًا لم تكن تدرك مدى شدته. بدأت ملامح الغرفة تتضح لها أكثر: أثاث ضخم منحوت بزخارف غريبة، تارة تبدو كأجنحة خفافيش، وتارة أخرى كأنياب حادة. كل شيء هنا يصرخ بملكيةٍ مظلمة، بقوة لا تعرف الرحمة. اقتربت من النافذة، نظرت إلى الخارج. رأَت سماءً حمراء ملتهبة، غيومًا كثيفة سوداء تسبح فيها، وجبالًا من الصخور الشائكة ترتفع شامخة. رائحة الكبريت والأرض المحترقة تملأ رئتيها، تذكرها بكلمات الإمبراطورة عن ملك الشياطين وعالمه.
تنهدت بعمق، شعرت بقبضة الخوف تشتد على قلبها. كانت وحيدة، في مكان غريب ومرعب، تحت رحمة رجل يُقال إنه ملك الشياطين. تذكرت لمسة يده وهي تسحبها، وقوته التي أخضعت بها الحراس. لم يكن هناك سبيل للهروب، على ما يبدو. يجب أن تفهم ما يريده منها. ربما كان هذا هو مصيرها، أن تصبح أسيرة لشيطان. دارت حول نفسها، تبحث عن شيء مألوف، عن بصيص أمل. لمحَت خزانة ملابس ضخمة من الخشب الأسود، واقفة كعملاق صامت في زاوية الغرفة. اقتربت منها ببطء، فتحت أبوابها الثقيلة لتكشف عن محتواها.
لم تجد داخل الخزانة فساتين حريرية فخمة أو أردية إمبراطورية. بل وجدت مجموعة من الملابس الداخلية المصنوعة من قماش أسود ناعم، بعضها من الدانتيل الشفاف، وجميعها تبدو صغيرة جدًا. شعرت بوجع في معدتها وهي تتفحصها. أدركت على الفور أنها لا تناسبها. جسدها، الذي لم ينل يومًا مدحًا في القصر، والذي اعتبرته ضعيفًا وهشًا، كان في الحقيقة يمتلك منحنيات أنثوية واضحة وممتلئة أكثر مما كان يُعتقد. هذه الملابس الداخلية لم تُصمم لجسدها الممتلئ بالأنوثة، بل لجسدٍ أكثر نحافة. كانت تبدو وكأنها ستعصرها وتكشف كل ما تحاول إخفاءه.
إلى جانب الملابس الداخلية، وجدت فستانًا أسود قصيرًا، يصل بالكاد إلى منتصف فخذيها. كان من قماش خفيف وشفاف قليلًا، يبرز القوام بوضوح. شعرت بالخجل من مجرد التفكير في ارتدائه. في القصر الإمبراطوري، كانت فساتينها دائمًا فضفاضة وطويلة، تخفي جسدها عن الأعين الفضولية. لكن هنا، لم يكن لديها خيار آخر. لم يكن هناك أي شيء آخر لترتديه. أمسكت قطعة من الملابس الداخلية السوداء، وتنهدت بيأس. يبدو أنها مجبرة على هذا الإذعان. خلعت الثوب الحريري الذي كانت ترتديه، وارتدت الملابس الداخلية التي وجدتها. شعرت بأنها ضيقة جدًا، تضغط على منحنياتها وتبرزها بشكل لافت. كان كل جزء من جسدها يصرخ بعدم الراحة، لكن لم يكن هناك بديل.
بعدها، ارتدت الفستان الأسود القصير. شعرت وكأنها عارية، وأن كل التفاصيل الأنثوية في جسدها باتت مكشوفة للعيان. كل خط في منحنياتها، كل امتلاء في صدرها ووركها، كان يبرز بوضوح مذهل تحت القماش الشفاف. نظرت إلى نفسها في مرآة عتيقة كانت معلقة على الحائط، وشعرت بالخجل يتملّكها. لم ترَ نفسها هكذا من قبل. كانت تبدو مختلفة تمامًا، أكثر نضجًا وجاذبية، ولكن أيضًا أكثر ضعفًا وعرضة للأنظار. لم تكن هذه هي آثي التي تعرفها، الفتاة البريئة الهادئة التي كانت تخفي نفسها دائمًا. لكن أين كانت هذه الفتاة الآن؟ لقد اختفت مع كل شيء مألوف في حياتها. لقد أصبح هذا الجسد، الذي كانت تعتبره عائقًا، الآن عبئًا جديدًا يثقل كاهلها.
بعد أن أنهت ارتداء ملابسها، شعرت بفضول قاهر يدفعها لاستكشاف المكان. لم يكن هناك باب آخر في الغرفة سوى الباب الذي دخلت منه. فتحته بحذر، وتسللت إلى ممر طويل مظلم. كان الهواء هنا أبرد، وصوت خطواتها يتردد في صمت مخيف. كانت الجدران مزينة بلفائف قماش داكنة عليها رسومات لمخلوقات غريبة بأجنحة وأنياب. كلما تقدمت، زادت الغرفة في الاتساع، وتعددت الممرات الجانبية. كان هذا المكان أشبه بمتاهة، قلعة ضخمة تلتهمها الظلال. شعرت بالوحدة تلتف حولها كوشاح بارد، وازداد قلقها مع كل خطوة. لم يكن هناك حراس، لم يكن هناك خدم، لا أحد. كانت وحيدة تمامًا في مملكة ملك الشياطين.
واصلت السير، مرت بأبواب مغلقة، وغرف مجهولة. لم تتجرأ على فتح أي منها. كانت تبحث عن أي مخرج، عن أي علامة على وجود بشر آخرين. فجأة، شعرت بقوة خفية تسحبها. لم تكن يدًا، بل تيارًا سحريًا قويًا لف جسدها بالكامل. شعرت وكأن الأرض تسحب من تحت قدميها، وأنها ترتفع في الهواء للحظة، ثم تنجذب بقوة لا تقاوم إلى الأمام. لم تكن هذه قوة بشرية، بل كانت قوة سحرية مظلمة، قوية جدًا لدرجة أنها لم تستطع مقاومتها. أغمضت عينيها من شدة المفاجأة، وشعرت بالدوار يلفها. كانت تتحرك بسرعة هائلة عبر الممرات، كأنها شبح يطير في الظلام.
عندما توقفت الحركة فجأة، فتحت آثي عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة ضخمة، أكبر بكثير من أي قاعة رأتها في القصر الإمبراطوري. كانت هذه الغرفة أكثر ظلمة من غيرها، ولكنها كانت مضاءة بأضواء خافتة من الشموع المتوهجة باللون الأرجواني، ونافذات ضخمة تطل على سماء الليل الحمراء. في نهاية القاعة، على منصة مرتفعة، كان هناك عرش ضخم منحوت من حجر أسود قاتم، مزين بزخارف حادة تذكر بقرون الشيطان. وعلى هذا العرش، جلس سيزار، ملك الشياطين. كان يرتدي رداءه الأسود الذي يغطي جسده بالكامل، وقناعه الأسود يخفي وجهه، لكن حضوره وحده كان يملأ المكان بقوة مرعبة. كانت عيناه الذهبيتان تلمعان في الظلام، تحدقان بها مباشرة. لم يتكلم، لكن نظراته كانت تخترقها. قبل أن تتمكن من النطق بكلمة واحدة، تحرك. في لمح البصر، كان أمامها. لم تسمع خطواته، ولا شعرت بقدومه، فقط ظهر كظل من الظلال.
مد يده القوية، أحاطت بخصرها النحيل بقبضة محكمة. لم تشعر بألم، بل بقوة هائلة تسري في جسدها. رفعت عينيها نحوه، وشعرت بقلبها يخفق بعنف. كان طويلاً جدًا، وضخم البنية، حتى وهي تقف أمامه، كانت بالكاد تصل إلى صدره. لم تنبس ببنت شفة، لم تكن تعرف ماذا تقول، أو كيف تتصرف. كان جسدها يرتعش تحت لمسته. رفعها بين ذراعيه بسهولة مذهلة، كأنها لا تزن شيئًا. حملها من خصرها، ثم عاد إلى عرشه بخطوات هادئة ورصينة. لم يجلسها بجانبه، بل جلس هو أولاً على العرش الضخم، ثم وضعها في حجره، ووجهها يقابل وجهه. كانت ساقاها تتدليان على جانب العرش، وذراعاه القويتان تحيطان بها، مثبتتين إياها بإحكام. كانت قريبة جدًا منه، قريبة لدرجة أنها شعرت بحرارة جسده تنبعث من خلال قماشه الأسود. رائحة غريبة، مزيج من الكبريت والمسك العميق، ملأت أنفاسها. رفعت رأسها، عيناها الزرقاوان تتسعان من الصدمة والخجل. كانت تشعر بوقع الفستان القصير على جسدها، وكيف أن الملابس الداخلية تبرز كل منحنياتها الأنثوية بوضوح تحت نظراته الذهبية. لمست يده خصرها، شعرت بها تمس الجلد المكشوف حيث ينتهي الفستان. نظرت إلى عينيه، شعرت بأنه يرى كل شيء. لم يكن بحاجة إلى كلمات. سحره المظلم، وقربه منها، ووضعية جسدها المكشوفة، كلها كانت كافية لتكشف له الحقيقة التي لم يلاحظها أحد من قبل. في تلك اللحظة، أدركت آثي أن سيزار كان يرى جسدها بمنحنياته الممتلئة، وبأنوثتها التي لم تكن تخطر ببال أحد في القصر، وربما كان يفهم أكثر مما كانت تتوقع.