Chapter 2 of 6

الفصل الثاني: قبلة في الظل

1.2k words

بعد أن ابتلعت عتمة البرج الضيق آثي وسيزار، وقفت الفتاة الصغيرة في صمت مطبق، يتخلله فقط صوت أنفاسها اللاهثة. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة الكبريت والأرض المحروقة التي اعتادت عليها في عالم ملك الشياطين، لكنها هنا كانت أشد تركيزاً، وكأنها محاصرة داخل رئتيها. لم يقل سيزار كلمة واحدة منذ أن دخلا، ظله العملاق يغطيها بالكامل، يخفي عنها حتى وميض الأمل الضئيل الذي كانت تتمسك به. ارتجفت أطرافها الباردة، وبدأت تخطو إلى الوراء، متلمسة الجدار الخشن بيديها، في محاولة يائسة للابتعاد عن هذا الكيان الصامت الذي لم تكن تفهم دوافعه. كان قلبها يخفق بعنف داخل صدرها، يقرع ضلوعها وكأنه يستنجد بالحرية. كل ما عرفته هو أن هذا البرج، معزولاً وصغيراً كان أم لا، كان سجنها الجديد. فجأة، اهتزت الأرض تحت قدميها اهتزازة خفيفة، ثم سمعت صوتاً غريباً. لم يكن صوتاً بشرياً، بل حفيفاً متواصلاً، يشبه جر الأثقال على أرض صلبة، يتصاعد منه خشخشة معدنية خفيفة. رفعت رأسها ببطء، عيناها الزرقاوان تتسعان في الظلام، تحاولان تمييز مصدر الصوت. لم ترَ شيئاً في البداية، فقط جدران سوداء باهتة تمتد إلى الأعلى في الظلام، لكن الصوت اقترب، أسرع، وأصبح أكثر وضوحاً. كان شيئاً كبيراً، ضخماً للغاية، يتحرك نحوهم. حبست آثي أنفاسها، التصقت بالجدار، وشعرت ببرد قارس يتسلل إلى عظامها، أشد من برد الحجر نفسه. لمحت عيناها لمعاناً ذهبياً في أقصى الظلام، كشعلتين معلقتين في الهواء. ثم تلتها كتلة سوداء ضخمة، تتلوى وتتكشف ببطء. لم يكن شبحاً، بل كياناً ملموساً من اللحم والقشور، يملأ الممر بضخامته. إنه الثعبان. لقد رأته من قبل، ذلك الكائن الهائل الذي يلف نفسه حول قلعة سيزار، لكن رؤيته عن قرب بهذا الشكل كانت مختلفة تماماً. كان رأسه بحجمها تقريباً، مغطى بقشور داكنة لامعة كحجر السبج، وعيناه الذهبيتان تحدقان فيها بفضول هادئ. فتح فمه قليلاً، وخرج منه هسهسة منخفضة، لم تكن عدوانية، بل أشبه بالتساؤل. شعرت آثي أن الرعب يتجمد في عروقها، عاجزة حتى عن الصراخ، لكن سيزار تحرك. مد ملك الشياطين يده الضخمة ببطء، لا تجاه آثي، بل نحو رأس الثعبان. لم تكن حركته قسرية أو آمرة، بل كانت ناعمة، لمسة حانية. انحنى الثعبان برأسه الضخم قليلاً، يفرك جانبه بقوة يد سيزار، وكأنه هر ضخم يبحث عن الملاطفة. أصدر الثعبان مرة أخرى تلك الهسهسة الخافتة، هذه المرة بدت وكأنها خوار رضى. نظرت آثي بين الثعبان وسيد الشياطين، ثم عادت تنظر إلى الكائن ذي القشور. لقد توقعت أن يمزقها إرباً، أن يلتهمها، لكنه كان ودوداً مع سيده، وودوداً بشكل غريب نحوها. لم يبدُ عليه أي أثر للعدوانية، بل مجرد فضول حيوان أليف. هذا التناقض صدمها بعمق. كيف يمكن لملك الشياطين، الذي أثار الرعب في القاعة بأكملها، أن يمتلك كائناً بهذه الوداعة؟ هذا البرج، هذا الثعبان، هذا الرجل، كل شيء كان لغزاً جديداً يضاف إلى كومة الألغاز التي تحيط بها. --- بعد لحظة، حرك سيزار يده بعيداً عن رأس الثعبان، الذي أومأ برأسه بلطف ثم انزلق بهدوء إلى زاوية من زوايا البرج، ملتفاً على نفسه ككومة من الحبال اللامعة. لم يرهبها الثعبان بعد الآن، لكن سيزار كان لا يزال يقف أمامها، جداراً من القوة الغامضة. مد يده مرة أخرى، هذه المرة نحو جدار البرج نفسه. لم يكن هناك مقبض أو شق، فقط حجر أسود صلب. لمس سيزار نقطة معينة، وفجأة انفتح جزء من الجدار ببطء وهدوء، كاشفاً عن ممر آخر. كان هذا الممر مختلفاً تماماً عن الظلام الذي خلفه. تدفق منه ضوء دافئ، أصفر وبرتقالي، يحمل معه رائحة زهور خفيفة، لم تكن تعرفها، لكنها كانت منعشة ومطمئنة. خطت آثي خطوة للأمام، مدفوعة بفضول لا إرادي، تتبع سيزار الذي دخل أولاً. كان الممر قصيراً، يقود إلى غرفة دائرية واسعة. وبمجرد أن دخلت، شهقت آثي في ذهول. لم تكن تلك الغرفة جزءاً من قلعة ملك الشياطين القاتمة، بل كانت عالماً آخر، عالماً من الألوان والضوء. كانت الجدران مغطاة بنسيج ناعم، مزينة برسومات لزهور برية، وأشجار مورقة، وسماء زرقاء صافية تعج بالغيوم البيضاء. كان السقف مقبباً، مرسوماً بنجوم لامعة وكوكبات تبدو وكأنها حقيقية، ونافذة ضخمة، وإن كانت لا تطل إلا على السحب الحمراء، كانت مزينة بستائر شفافة بلون ذهبي، تسمح لضوء غريب بالدخول. كانت هناك أريكة كبيرة مبطنة بقماش أرجواني عميق، ووسائد صغيرة بألوان قوس قزح، وطاولة خشبية منحوتة بعناية، عليها إبريق شاي من البورسلين وزهور طازجة في مزهرية بلورية. لم تكن تلك مجرد غرفة، بل كانت ملاذاً. لم ترَ آثي مثل هذه الألوان النابضة بالحياة منذ أن كانت طفلة صغيرة، قبل أن تغرق في وحل القصر الإمبراطوري البارد. لم تكن تتخيل أن سيزار، ملك الشياطين، يمكن أن يكون له ذوق كهذا. كانت الغرفة تعج بالتفاصيل الدقيقة: دمى صغيرة من القماش موضوعة بعناية على الرفوف، وكتب ذات أغلفة ملونة مكدسة بجوار الأريكة، وحتى مدفأة حجرية صغيرة، تشتعل فيها نار هادئة، تبعث دفئاً لطيفاً. كانت تلك الغرفة تناقضاً صارخاً لكل ما عرفته عن سيزار وعالمه. لماذا أعدّ مكاناً كهذا؟ لم يكن هذا المكان يصلح لملك الشياطين، بل لفتاة صغيرة، لفتاة مثلها. كان الأمر محيراً، يثير في قلبها مزيجاً من الارتباك والدهشة، ويوقظ في روحها سؤالاً لم تجرؤ على طرحه: هل هذا المكان... لي؟ تراجعت خطوة، عيناها تتنقلان بين الزوايا المبهجة للغرفة، ثم عادت لتثبتا على سيزار. كان يقف في منتصف الغرفة، ساكناً، يراقب تعابيرها. لم يقل شيئاً، لكنها شعرت بنظراته التي تخترقها، تحاول قراءة أفكارها. لم تستطع إدراك ما كان يفكر فيه، ولا سبب هذا التناقض الغريب. كان كل شيء فيه لغزاً لا يمكن فكه، من صمته إلى قوته، ومن وحشية عالمه إلى رقة هذا المكان. شعرت بتيار من الخوف ممزوج بالفضول يمر عبرها. كانت وحدها معه في هذا المكان البعيد، في مملكته، لا أحد يعرف بوجودها هنا، لا أحد يمكنه إنقاذها. ولكن، في هذه الغرفة الملونة، لم يعد الخوف قاتلاً كما كان، بل أصبح وهماً باهتاً يختبئ خلف ستار من الدهشة. --- بعد لحظة طويلة، تحرك سيزار. كانت حركته سلسة وهادئة، لكنها ملأت الغرفة بوجوده. مشى نحوها ببطء، خطوة بعد خطوة، وظله العملاق يمتد على الأرض، يبتلع الألوان الزاهية، ويغطيها بالكامل. لم تستطع آثي أن تتزحزح، فقد تجمدت قدماها في مكانهما. قلبها دق بعنف، متسارعا، وكأن طبلة حرب تقرع داخلها. كانت تتوقع أي شيء، أي فعل قاسي، أي أمر، لكنها لم تكن مستعدة لما فعله. توقف أمامها مباشرة، كانت تبدو ضئيلة تحت ظله. انحنى ببطء، جثا على ركبة واحدة، ليصبح في مستوى نظرها تماماً. كان وجهه المقنع على بعد شبر واحد من وجهها، وعيناه الداكنتان تحدقان فيها بعمق، وكأنها مرآة تعكس كل مخاوفها وأسئلتها. مد يده الضخمة، كانت أصابعه طويلة وقوية. لم يلمسها، بل رفعها ببطء نحو وجهها. شعرت ببرد جليدي ينتشر في جسدها، ثم غمرها الظلام. غطت يده عينيها بالكامل، حجبت عنها كل ضوء، كل لون، كل رؤية. لم تستطع أن ترى شيئاً، فقط ظلاماً دامساً. تزايدت دقات قلبها بجنون، شعرت بالخوف يسيطر عليها، لكنها لم تستطع أن تفعل شيئاً. بقيت ثابتة، تنتظر مصيرها في هذا الظلام المفاجئ. ثم شعرت بحركة خفيفة، لمسة رقيقة على شفاهها. لم تكن لمسة خشنة، بل ناعمة، دافئة، وكأنها قبلة خفيفة. لم تدرك ما حدث في البداية، لكن الإحساس تغلغل فيها، صدمة باردة. كانت قبلة. كانت قبلة من سيزار، ملك الشياطين. لقد قبلها. تحت ستر يده التي حجب بها عينيها، قبلها. شعرت بحرارة غريبة تنتشر في جسدها، ورعشة خفيفة تسرى في عمودها الفقري. كان الأمر مفاجئاً، غير متوقع، ومربكاً. لم ترَ وجهه، لم ترَ ما إذا كان قد أزال قناعه، لكنها شعرت بقبلته. عندما رفع يده عن عينيها، عادت الغرفة الملونة لتظهر أمامها، لكنها بدت الآن مختلفة، وكأنها مشوشة. كان سيزار قد ابتعد عنها قليلاً، وعاد ليقف شامخاً، وظله يغطيها مرة أخرى. لم يقل شيئاً. لم يفسر. استدار بهدوء ومشى نحو الممر الذي دخلا منه، ثم اختفى في الظلام الذي ابتلعه قبل قليل. تركها وحدها، في هذه الغرفة الملونة، مع إحساس القبلة الغريب، وحقيقة أنها لم ترَ وجهه على الإطلاق.

End of Chapter 2