كانت آثي بالكاد تستطيع التقاط أنفاسها. ارتجف جسدها النحيل في قبضة ملك الشياطين، سيزار، الذي سحبها من بهو القصر الإمبراطوري الصاخب إلى ليلٍ باردٍ وقاتم. كل خطوة كانت تزلزل كيانها، ليس فقط بسبب الخوف الذي تملكها، بل لأنها كانت لا تزال تستوعب هول ما حدث. لحظاتٌ قليلةٌ مضت على اتهام الإمبراطورة الباطل لها بتسميم الإمبراطور، ولحظاتٌ أخرى قليلة مرت حين ظنت أن الجميع سيتخلى عنها. لم تكن تتوقع أن يأتي خلاصها من هذا الكيان المخيف، ملك الشياطين نفسه.
رياحٌ باردةٌ صفعت وجهها حين خرجوا من الباب الخلفي للقصر. لم تكن قد غادرت أسوار القصر بهذه الطريقة من قبل، أبداً. كانت تشعر بأنها دمية قماشية تُسحب بعيدًا، وعيناها الواسعتان تتلفتان في الظلام، باحثتين عن أي بصيص أمل، أو حتى عن وجه مألوف. لكن لا شيء سوى الجنود الإمبراطوريين المتجمدين في أماكنهم، عاجزين عن التحرك، كأن سحراً ما قيّدهم.
لم يتحدث سيزار بكلمة واحدة. كان صمته أثقل من أي تهديد. يده القوية، التي كانت تحيط بخصرها، شعرت بها كحلقة من الفولاذ البارد. كانت قناعته المطلقة بالسيطرة واضحة في كل حركة من حركاته، في الطريقة التي عبر بها الحدائق الشاسعة دون أن تعيقه أي عوائق، في تجاهله التام للأنظار المذهولة التي تبعتهم. لم يكن يركض، بل كان يمشي بخطوات ثابتة ومحسوبة، لكنها كانت سريعة بما يكفي لتجعلها تلهث.
تغير الهواء من حولهم. لم يعد يحمل رائحة الزهور المتفتحة في حدائق القصر، بل أصبح يكتنفه عبيرٌ غريبٌ، ثقيلٌ، يذكرها بالمعادن المحترقة والتراب الرطب. انخفضت درجة الحرارة بشكل ملحوظ، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها رغم دفء عباءتها الخفيفة. أيقنت أنها لم تعد في محيط العاصمة. لقد تجاوزوا السور، تجاوزوا كل ما هو مألوف.
أغمضت عينيها للحظة، محاولة استجماع شتات نفسها. لم تكن سوى آثي، الابنة غير الشرعية التي لا يذكرها أحد، ولا يرغب أحد في رؤيتها. قضاياها الصغيرة كانت تدور حول محاولة التخفي عن أعين الإمبراطورة الحاقدة، أو البحث عن زاوية هادئة لقراءة كتاب. لم تكن أبدًا جزءًا من صراعٍ كهذا، صراعٍ مع ملك الشياطين، أو ضد الإمبراطورية. كانت حياتها هامشية، باهتة، والآن انقلبت رأساً على عقب في ليلة واحدة.
فتحتهما لتجد نفسها أمام منظر لم تره قط. لقد وصلوا إلى قمة تل، حيث تلاشت الأضواء الخافتة للمدينة خلفهم. أمامهم، امتدت سهولٌ جرداء تحت سماءٍ خالية من النجوم. كان القمر محجوبًا خلف غيوم رمادية ثقيلة، لكن ضوءًا خافتًا، محمرًا، كان يتسلل من الأفق البعيد، كأنه انعكاس لنارٍ عظيمة.
فجأة، توقف سيزار. أنزلت قدميها بصعوبة على الأرض الباردة، وشعرت بأن ساقيها لا تقويان على حملها. نظرت إلى الأعلى نحو سيزار، قناعه الأسود يخفي تعابير وجهه بالكامل. كانت عيناه، أو ما كانت تتخيله عيناه، بقعتين من الظلام العميق تحت حافة القناع. هل كان ينظر إليها؟ هل كان يراها؟ لم تكن تدري. كان وجوده نفسه سؤالاً بلا إجابة.
ارتجفت شفتها، وجمعت بعض الشجاعة المتبقية. "سيدي... إلى أين...؟" خرج صوتها بالكاد همساً، وكأنه يخشى أن ينتهك الصمت المقدس الذي فرضه. لم يتغير شيء في هيئته. لم يجب. فقط ظل واقفاً، كجبلٍ من الصمت والسلطة. شعرت بقلبها ينبض بعنفٍ في صدرها، وكأنه يريد أن يشق طريقه خارج قفصها الصدري.
ثم رفع يده. لم يلمسها، بل أشار نحو الأفق. تبعت عيناها إشارته، ورأت شيئاً لم تستطع فهمه في البداية. كان هناك ضبابٌ كثيفٌ يتحرك ببطءٍ، كأنه جدارٌ من الدخان الأسود. لكنه لم يكن ضباباً عادياً. كان يتوهج بخفوتٍ، بلونٍ أرجواني داكن، وكانت تتخلله شرارات كهربائية صغيرة.
تقدم سيزار خطوة واحدة نحو ذلك الضباب، فسحبها معه. كادت أن تسقط، لكن يده استقرت على ظهرها تدفعها برفق وثبات. كان جسده يشع بنوع من الطاقة الباردة، طاقة لم تكن تعرفها، لكنها كانت قوية بما يكفي لتجعل شعر ذراعيها يقف. "لا تخافي،" قال أخيرًا، صوته عميقٌ وهادئ، لكنه لم يحمل أي نبرة طمأنينة. "هذا هو الطريق."
لم تكن هذه كلماتٍ تطمئنها بقدر ما كانت أمراً لا يمكن مخالفته. كان طريقاً نحو المجهول، نحو ما بدا كبوابةٍ إلى عالمٍ آخر. بدأت الغيوم الأرجوانية تلتف حولهم، وشعرت بلسعةٍ باردةٍ على جلدها، كأنها تخترق ثيابها. كان الهواء يصبح أثقل، وأنفاسها أقصر. استولت عليها دوخة غريبة، ورأت الألوان تتشابك أمام عينيها.
كان الأمر أشبه بالانزلاق إلى حلمٍ داكن. لم تعد ترى الأفق، ولا التل الذي كانوا يقفون عليه. لم تعد ترى شيئاً سوى الأمواج المتدفقة من السحر الأرجواني الداكن، الذي ابتلعهم بالكامل. شعرت بأنها تتسرب من واقعها، وأن كل ما عرفته يتلاشى خلفها. تمسكت بذراع سيزار بقوة، ليس بحثاً عن الأمان، بل لأنها كانت تخشى أن تتبخر وتختفي.
عندما استقرت قدمها أخيراً على أرضٍ ثابتة، كادت تسقط. لم تكن الأرض التي تعرفها. كانت صلبة، خشنة، وتحمل رائحة الكبريت. فتحت عينيها ببطء، وتلفتت حولها بذهول. لم تعد في عالم البشر. لقد اختفت النجوم والغيوم، واختفى ضوء القمر تماماً.
كانت السماء فوقها تتوهج بلون أحمر قاتم، كأنها نارٌ مشتعلة لا نهاية لها. كانت الأرض تحت قدميها صخوراً بركانية سوداء، متشققة بفعل الحرارة. في كل مكان، كانت ترى أبراجاً سوداء شاهقة، ذات أشكال حادة وغريبة، ترتفع نحو السماء الحارقة. لم تكن أبراجاً بشرية، ولا تحمل أي أثر للهندسة المعمارية الملكية التي اعتادت عليها. كانت تبدو وكأنها نمت من الأرض نفسها، كأشواكٍ عملاقةٍ من الحمم المتجمدة.
لم تسمع صوت طيور، ولا حفيف أشجار. فقط صمتٌ ثقيلٌ، يقطعه أحياناً صوتٌ خافتٌ، كأن شيئاً يئن في الأعماق. لم تكن تشعر بالبرد بعد الآن، بل بحرارةٍ خفيفةٍ، خانقة، تجعل الهواء يرتجف. كانت تشعر بالضيق في صدرها، وكأن رئتيها لم تعد قادرتين على استيعاب هذا الهواء الغريب.
التفتت إلى سيزار، الذي كان يقف بهدوءٍ، كأنه جزءٌ من هذا المشهد الكابوسي. قناعه الأسود كان يبدو أكثر قتامة تحت السماء الحمراء. لم يستدر إليها. كان ينظر إلى الأفق البعيد، حيث كانت أبراجٌ أكثر ضخامةً تلوح في الأفق، محاطة بسحبٍ من الدخان الأسود المتصاعد. كانت هذه مملكة الشياطين، عالمٌ لم يُسمع عنه إلا في قصص الجدات المخيفة.
بلعت ريقها بصعوبة. كانت تتمنى أن يكون هذا مجرد كابوس، وأن تستيقظ لترى سقف غرفتها الباهت. لكن رائحة الكبريت في أنفها، والحرارة على جلدها، والصمت المطبق، كل ذلك كان حقيقياً بشكل مؤلم. شعرت بأنها تقف على حافة الهاوية، ليس هاوية مادية، بل هاوية وجودية. لقد تم سحبها من عالمها الهامشي الباهت إلى عالمٍ لا ينتمي إليها، عالمٍ مليءٍ بالخطر والرعب.
تقدم سيزار خطوة أخرى، ثم أخرى. لم يتكلم. بدأت آثي تتبعه دون وعي، كأن خيطاً غير مرئي يربطها به. كانت عيناها تتسعان بذهول مع كل منظر جديد تقع عليه. تماثيل حجرية ضخمة، منحوتة على شكل مخلوقات غريبة ذات أجنحة، تصطف على جانبي الطريق. أحواضٌ من السوائل المظلمة تتوهج بضوء خافت، تطلق أبخرة غريبة. لم يكن هناك أي شيء جميل، أي شيء لطيف، أي شيء يذكرها بالحياة.
شعرت باليأس يتسرب إلى عظامها. ماذا سيكون مصيرها هنا؟ هل سيقتلها؟ هل سيسجنها؟ ولماذا أنقذها من الإمبراطورة إذا كان سيأتي بها إلى مكان كهذا؟ هذه التساؤلات كانت تدور في رأسها بلا توقف، بلا إجابة. كانت تعلم أنها مجرد بيدقٍ في لعبةٍ لا تفهم قواعدها، وأن هذا الملك الغامض هو سيد اللعبة الوحيد.
أشار سيزار نحو أحد الأبراج البعيدة. كان أضخمها وأكثرها قتامة. "هناك،" قال صوته، وكأن كل كلمة منه كانت حجراً يلقى في بركة ساكنة. "سيكون مقرك."
لم تكن تلك دعوة، بل أمراً. نظرت آثي إلى البرج الأسود الشاهق، ثم إلى سيزار، ثم إلى العالم المشتعل من حولها. لقد كانت محصورة في عالم هذا الرجل، ولا سبيل للعودة. كانت تعلم أن حياتها قد انتهت، وأن حياةً أخرى، مظلمة ومجهولة، قد بدأت للتو. شعرت ببرودة الخوف تتسلل إلى عمق روحها وهي تدرك أنها تحت رحمة ملك الشياطين تمامًا، ولا تعرف ما ينتظرها في تلك القلعة المظلمة، ولا ما هي نواياه الحقيقية. رفعت عينيها نحو السماء الحمراء المستعرة، ثم عادت لتركز على قناعه الأسود، وشعرت بأنها مجرد أسيرة في عالمه، غير قادرة على الهرب، أو حتى على الفهم. ما الذي كان يريده منها؟ وماذا ستفعل الآن؟
توقف سيزار عند قاعدة البرج الضخم. لم يكن هناك باب واضح، بل شقٌّ عميقٌ في الصخر الأسود، يختفي في ظلامٍ دامس. كانت تشعر بأنها على وشك دخول قلب الظلام. نظرت إلى سيزار، وارتجفت قليلاً. "ماذا تريد مني؟" سألت، صوتها خفيضٌ بالكاد يسمع، وكأنها أخيراً تجرأت على طرح السؤال الأهم. استدار سيزار ببطء، وتوقفت آثي عن التنفس. كان قناعه لا يزال يخفي وجهه، لكنها شعرت بنظراته تخترقها. لم ينطق بكلمة، بل مد يده نحو الشق المظلم. وعندما خطت آثي خطوتها الأولى نحو ذلك الفراغ المظلم، شعرت بوجودٍ آخر يقترب من خلفهم، ظلٍّ يتحرك بسرعةٍ بين الصخور البركانية، يتجه نحوهم مباشرةً.