Chapter 3 of 4

Chapter 3: لقاء في وكر الذئاب

1.3k words

ضربات المطر الباردة كانت تلسع وجه كيرا العاري وهي تخترق شوارع مدريد المظلمة، هاربة من ذلك القصر الشاهق الذي ظنت للحظة أنه سيكون موطنها الجديد. المياه كانت تغرق خصلات شعرها الأشقر الطويل، وتلتصق ملابسها المبتلة بجسدها النحيل، لكن حرارة الغضب والخوف في صدرها كانت كافية لإبقائها مستيقظة ومندفعة. قبضتها كانت تضغط بقوة على قطعة الورق الصغيرة التي انتشلتها من بين حطام صورة والدتها، تلك الرسالة التي حطمت أوهامها وجعلتها تدرك أن عائلتها المكتشفة حديثاً ليست سوى فخ كبير. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كالسحب البيضاء الصغيرة في الهواء البارد البائس، بينما كانت تجري دون وجهة محددة، هاربة من الحراس الذين لابد وأنهم اكتشفوا غيابها الآن. تفكيرها كان مشوشاً بالكامل، فكيف يمكن لوالدتها التي تخلت عنها وعن إخوتها وهم أطفال أن تترك مثل هذا التحذير الصادم؟ الأم غادرت لأنها كرهت والدهم وعالمه المظلم، تاركة أطفالها لمصيرهم، لكن رسالتها الأخيرة كانت واضحة كالشمس: "احذري إخوتكِ، فهم لا يريدون حمايتكِ، بل استخدامكِ كأداة سياسية". تذكرت تلك العجوز الطيبة التي عاشت معها في حي فقير بعد وفاة خالها، حيث كانت الحياة قاسية والمال شحيحاً للغاية. تلك السنوات الطويلة من الحرمان جعلت كيرا مهووسة بالمال والرفاهية، وهي لم تكن تكره فكرة البقاء في ذلك القصر الفاخر المحاط بالخدم والحشم. كانت تعشق الثراء وتريد تعويض كل لحظة فقر عاشتها، لكن كبرياءها وعنادها يمنعانها من قبول العبودية والوصاية من أربعة رجال قرروا فجأة أن يصبحوا أولياء أمرها. بينما كانت تسير تحت المطر الغزير، كانت صور إخوتها الأربعة تمر في مخيلتها ككوابيس وسيمة ومرعبة. إنهم أقوياء وجميلون، لكن قسوتهم لا تظهر إلا لمن يستحقها، والآن يبدو أنها أصبحت في نظرهم مجرد ورقة لعب في صراع النفوذ. أشقاؤها الأربعة يمثلون قمة السلطة والمال في إسبانيا، وكل منهم يملك جانباً مظلماً يخفيه عن العالم الخارجي. ليوناردو، الأخ الأكبر والوسيم بشكل قاتل، يشغل منصب رئيس شركة طيران كبرى، لكنه يستغل منصبه للتحكم في الأجواء وتهريب ما يشاء دون رقابة. ثم رولف، المحامي الداهية الذي لا يعرف الخسارة، والذي يستطيع التلاعب بأقوى القوانين وحماية العائلة من أي ملاحقة قضائية ببرود تام. أما أريان، نجم كرة القدم الشهير الذي تملأ صوره الشوارع، فهو يستخدم شعبيته الجارفة كواجهة مثالية لغسيل أموال العائلة وتحريك ثرواتهم. وحتى راك، ذلك الطالب الجامعي في سنته الأولى الذي بدا هادئاً ولطيفاً، يملك عيناً باردة تعشق الدماء ويتدرب ليصبح الساعد الأيمن في هذه الإمبراطورية. تباً لكل هذه العائلة وتباً لخططهم، فكيرا لن تكون مجرد دمية يحركونها كيفما شاؤوا في لعبة الشطرنج الخاصة بهم. انعطفت فجأة نحو زقاق ضيق ومظلم، مبتعدة عن الشوارع الرئيسية حيث يمكن لرجال إخوتها العثور عليها بسهولة في أي لحظة. البرد كان ينهش جسدها، وملابسها المبتلة جعلت حركتها أثقل، مما دفعها للبحث عن أي مأوى مؤقت يحميها من عاصفة مدريد الهوجاء ومن عيون الباحثين عنها. --- أضواء النيون البنفسجية المتأرجحة في نهاية الزقاق لفتت انتباهها، لتقترب ببطء وتكتشف مدخل ملهى ليلي يحمل اسماً غامضاً ومثيراً للريبة. المكان كان يفوح برائحة الخطر والغموض، والسيارات الفاخرة الاصطفاف أمام بوابته أكدت لها أن هذا المكان يرتاده صفوة المجتمع المظلم. علمت غريزياً أن الدخول إلى هنا يمثل مجازفة كبرى، لكن البقاء في الشارع تحت المطر والبرد والتهديد بالقبض عليها كان خياراً أسوأ بكثير. انزلقت بخفة تفوق رشاقتها المعتادة عبر الباب الخلفي المخصص للعاملين، مستغلة انشغال الحراس بتبادل أطراف الحديث وتدخين السجائر تحت المطر. وجدت نفسها فجأة وسط صخب هائل وموسيقى صاخبة تضرب طبول آذانها، ممتزجة بروائح التبغ الفاخر والخمور الغالية المعتقة. الإضاءة كانت خافتة ومتقطعة، مما سمح لها بالاختلاط بالحشود الكبيرة المتحركة على حلبة الرقص دون أن تثير الانتباه فوراً. داخل هذا الصخب، بدت كيرا كشخص غريب مبلل وخائف، عيناها الخضراوان تشتعلان بالتحدي والترقب وهي تراقب الأرجاء بحثاً عن مخرج طوارئ. لم تكن تعلم أنها دخلت للتو إلى وكر الذئب الأخطر في إسبانيا، ملهى يملكه كيليان ماندريا، العدو اللدود لعائلتها والزعيم الجديد للكوزا نوسترا. كانت النوايا المظلمة تحيط بها من كل جانب، ولم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة قبل أن تلاحظ عيوناً تراقبها باهتمام غير طبيعي. خطوات ثقيلة اقتربت منها من الخلف قبل أن تتمكن من التحرك، ليشير إليها رجلان ضخام الجثة ببدلات سوداء بضرورة مرافقتهما دون إثارة أي جلبة. حاولت المقاومة والهروب عبر الحشود، لكن قبضة أحدهما القوية على ذراعها منعتها من الحركة تماماً، هامساً في أذنها بتهديد صامت جعلها تتوقف. أدركت أن الصراخ هنا لن يفيدها بشيء، فقررت مجاراتهما لترى إلى أين ستقودها خطواتها في هذا المكان المشبوه. حاولت التراجع أو إيجاد ثغرة للهرب أثناء صعودهم الدرج المؤدي إلى الطوابق العلوية الفاخرة، لكن الحراسة كانت مشددة ومحكمة للغاية. الممرات كانت هادئة مقارنة بالفوضى في الأسفل، مغطاة بسجاد أحمر مخملي وجدران خشبية داكنة تنضح بالثراء الفاحش والسيطرة المطلقة. كل خطوة كانت تزيد من دقات قلبها، لكنها حافظت على تماسكها ورفعت رأسها بكبرياء يرفض الانكسار أمام أي تهديد. اقتادوها عبر ممر طويل حتى توقفوا أمام باب خشبي ضخم محفور عليه نقوش غريبة، ليفتحوه ويدفعوها إلى الداخل ببرود وقسوة زلزلا كبرياءها. الغرفة كانت شاسعة ودافئة، تفوح منها رائحة السيجار الكوبي الفاخر والجلد الطبيعي للأرائك الضخمة الموزعة بعناية. وسط الغرفة، كان هناك مكتب خشبي عتيق يجلس خلفه رجل بدا وكأنه يملك العالم بأسره بنظرته الواثقة والمهيمنة. فُتح الباب خلفها ليغلق بقوة، تاركاً إياها وحيدة في مواجهة ذلك الرجل الذي كان يراقبها بابتسامة ساخرة وباردة ارتسمت على شفتيه القاسيتين. كان كيليان ماندريا، الوريث الوحيد والزعيم الجديد لعشيرة الكوزا نوسترا، الرجل الذي يرتعد لذكر اسمه أعتى رجال العصابات في مدريد. جسده القوي كان يرتدي بدلة سوداء كالحلكة، وقميصه كان مفتوحاً عند الرقبة ليظهر جزءاً من تاتو التنين المعقد الذي يلتف حول عنقه. جلس هناك ببرود مذهل، يضع كأسه الزجاجي الفاخر على الطاولة ببطء شديد، وعيناه السوداوان الحادتان تخترقان ملامحها وتفحصان تفاصيل وجهها المبلل. النظرة في عينيه لم تكن نظرة خوف أو استغرب، بل كانت نظرة صياد ماهر وجد فريسته الثمينة تقع في شباكه دون أي مجهود يذكر. عرف هويتها على الفور؛ فالشعر الأشقر والعينان الخضراوان المشتعلتان بالتحدي لا يمكن أن ينتميا إلا لعائلة باتسي المكروهة. عيناه السوداوان كانتا تلمعان ببريق مرعب كأنه يرى فيها الجائزة الكبرى التي ستمكنه من تركيع أشقائها الأربعة وإخضاع عائلتهم بالكامل لشروطه. وقف من مقعده ببطء وهدوء، متقدماً نحوها بخطوات واثقة وثابتة جعلت الفضاء من حولها يضيق، وشعرت برغبة غريزية في التراجع لكنها رفضت إظهار ضعفها. وقفت بثبات، مثبتة نظراتها في عينيه، محاولة إخفاء الارتجاف الطفيف في جسدها بسبب البرد والخوف المتسلل إلى أعماقها. تصلب جسد كيرا عندما أصبح على بعد خطوتين منها، ورائحة عطره الرجولي الثقيل الممتزج بدخان التبغ الفاخر تغلغلت في حواسها لتزيد من توترها. تحدث بنبرة صوت عميقة وهادئة، لكنها كانت تحمل وزناً كبيراً من التهديد والوعيد، مرحباً بـ "الأميرة الصغيرة" في ممتلكاته الخاصة. السخرية في صوته أشعلت فتيل الغضب بداخلها، ولم تكن لتسمح لعدو عائلتها بأن يراها مكسورة أو عاجزة. ابتسم ببرود قاتل وهو يراقب الغضب المشتعل في عينيها الخضراوان، مدركاً أن هذه الفتاة تملك روحاً متمردة لا تشبه أحداً من أفراد عائلتها التقليديين. هذا التحدي غير المعتاد أثار فضوله وجعله يرى فيها صيداً ممتعاً يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد لترويضه وإخضاعه لسلطته. مد يده ببطء ليمسح قطرة ماء كانت تسيل على وجنتها، لكنها تراجعت بسرعة ووجهها يقطر غضباً من هذه اللمسة الجريئة. بسرعة البرق وبحركة متهورة نابعة من كبريائها الجريح، استلت كيرا خنجرها الصغير الذي كانت تخبئه بعناية فائقة في حذائها الطويل طوال رحلة هروبها. اندفعت نحوه بكل ما تملك من قوة، موجهة نصل الخنجر الحاد والمصقول مباشرة نحو عنقه، على أمل أن تجبره على التراجع وتثبت له أنها ليست صيداً سهلاً. كانت حركتها سريعة ومفاجئة، كافية لإخافة أي رجل عادي، لكنها كانت تواجه وحشاً حقيقياً مدرباً على أسوأ سيناريوهات القتل. تحرك كأنما يتوقع حركتها بدقة متناهية، وببرود مذهل لا يصدق، أطبقت قبضته الكبيرة والصلبة كالفولاذ على معصمها النحيل قبل أن يقترب النصل من جلده. الضغطة على معصمها كانت قوية للغاية، جعلت عظام يدها تصرخ ألماً وشعرت بأن ذراعها بالكامل قد شُلت حركتها بفعل قوته الغاشمة. حاولت سحب يدها أو ركله برجلها، لكنه ثبت جسدها بضغطة واحدة من يده الأخرى على كتفها، جاعلاً إياها ملتصقة به تماماً. سقط الخنجر الصغير من يدها المرتجفة ليرتطم بالسجاد الصوفي الثقيل دون إحداث صوت، ومعه سقط كبرياؤها الذي حاولت جاهدة الحفاظ عليه طوال حياتها. هذه كانت المرة الأولى التي تشعر فيها كيرا بالعجز المطلق والضعف الشديد أمام شخص آخر، وشعرت بدموع الغيظ والقهد تكاد تقفز من عينيها. نظرت إليه بغضب عارم، لكنها لم تجد في عينيه سوى البرود والسيطرة المطلقة التي هزت ثقتها بنفسها بعنف. يقترب كيليان من أذنها ويهمس برائحة سيجاره الفاخر ونبرته السامة: "مرحباً بكِ في جحيمي، أميرة باتسي الصغيرة. إخوتكِ يبحثون عن جثتكِ الآن، فما رأيكِ أن نلعب لعبة؟"

End of Chapter 3

Chapter 3: Chapter 3: لقاء في وكر الذئاب - اميرة المافيا | Novel AI Studio