Chapter 4 of 4

Chapter 4: شروط اللعبة المميتة

1.2k words

برودة حارقة سرت في عروقي وأنا أقف في منتصف مكتبه الواسع، حيث كانت رائحة السيجار الكوبي والجلد الفاخر تملأ المكان وتضغط على أنفاسي بعنف. تحديتُ نظراته الثابتة برأس مرفوع، رافضة أن يرى ارتعاش يدي الصغيرتين اللتين أخفيتهما خلف ظهري بعناية. خطا كيليان ماندريا خطوة بطيئة نحوي، كأنه نمر يحاصر فريسته في زاوية ضيقة لا مخرج منها. عيناه الرماديتان كانتا تحملان بريقًا غامضًا، مزيجًا من القسوة والتسلية التي تجعل الدماء تتجمد في عروق أي شخص يجرؤ على مواجهته. تراجعتُ خطوة إلى الوراء لأحافظ على مسافة الأمان، لكن ظهري اصطدم بالحافة الخشبية الباردة للمكتب الضخم. أكره هذا الشعور بالضعف، وأكره أكثر كيف يظن أنه يملك القوة المطلقة لترويضي وإخضاعي لقوانينه. صوته الهادئ كان أشبه بنصل حاد يمر على البشرة برفق عندما تحدث قائلاً: "أنتِ عنيدة جدًا يا كيرا، والعناد في عالمي لا يجلب سوى الموت السريع لمن لا يملكون القوة." أمسكتُ بمسند الكرسي القريب بقوة لتثبيت جسدي، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون أن أرمش. "عالمك لا يعنيني يا كيليان، وأنا لست لعبة في يدك ولا في يد إخوتي الذين يظنون أنهم يملكون حياتي لمجرد أننا نتشارك الدم نفسه." ضحكتُ بسخرية مصطنعة لأخفي الرعب الذي بدأ يتسلل إلى أعماقي من نبرته الواثقة. تذكرتُ كيف هربتُ من قصر إخوتي بالأمس، وكيف ظننتُ أنني سأجد حريتي في شوارع مدريد، لأجد نفسي مجددًا في عرين ذئب أكثر خطورة. دار كيليان حول مكتبه ببطء شديد، كأنه يدرس كل حركة أقوم بها، وكل رفة عين تبدي توتري. توقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على أضواء مدريد المتلألئة في الظلام كجواهر منثورة على مخمل أسود. وضع كفيه على السطح الزجاجي والتفت إليّ بنصف ابتسامة تحمل كل معاني التهديد المبطن. "إخوتكِ يريدون حبسكِ في قفص ذهبي، حماية مشددة تحرمكِ من تنفس الهواء بحرية، فهل هذا ما تريدينه لشبابكِ؟" عقلي كان يعمل بأقصى سرعته وأنا أحاول قراءة ملامحه الغامضة ومعرفة ما يخطط له. "وما البديل الذي تقدمه أنت؟" سألته بصوت حاولتُ جاهدة أن يكون ثابتاً وقوياً. أريد حريتي، نعم، لكنني أعلم تماماً أن الشيطان لا يقدم هدايا مجانية دون مقابل يدمر الروح. اقترب مني مجدداً حتى شعرتُ بحرارة أنفاسه تلفح وجهي، مما جعلني أشد جسدي غريزياً للوراء. بصوت منخفض كهمس الأفاعي، قال: "أقدم لكِ الاستقلال التام عن عائلة باتسي، حماية مطلقة مني تضمن لكِ العيش كما تشائين بعيداً عن سيطرتهم وقوانينهم الصارمة التي تكرهينها." صمتتُ للحظات أستوعب الكلمات، والنبضات في صدري تكاد تخترق ضلوعي من شدة الصراع الداخلي. سألته ببرود متسرب من بين أسناني المتلاحمة: "وما هو الثمن يا وريث الكوزا نوسترا؟" التفتَ بالكامل نحوي، وعيناه تلمعان ببريق بارد كالفولاذ. "المقابل بسيط للغاية؛ أريدكِ أن تكوني عينيّ وأذنيّ داخل قصر إخوتكِ، تخبرينني بكل صفقاتهم وتحركاتهم القادمة." شعرتُ بصفعة قوية تضرب كبريائي؛ يريدني أن أكون خائنة، جاسوسة رخيصة لحسابه ضد عائلتي. ورغم كرهي لتحكم إخوتي بي ورغبتي في الهروب منهم، إلا أن فكرة بيع دمي لعدوهم اللدود جعلت معدتي تتقلب بقرف. رفعتُ ذقني متحدية، ونظرتُ إليه بنظرة ملتهبة بالاحتقار. "أنا لست خائنة يا كيليان، ولن أكون البيدق الذي تستخدمه لتدمير عائلتي وتحقيق نفوذك القذر على حسابنا." خطوتُ خطوة للأمام لتقليص المسافة بيننا، محاولةً إظهار قوة لا أملكها في هذه اللحظة الحرجة. "إذا كنت تريد صفقة معي، فعلينا أن نتفاوض بشروطي أنا، وليس بشروطك التي تمليها بغطرسة." ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة لثوانٍ قبل أن تتحول إلى ابتسامة ساخرة وباردة للغاية. "شروطكِ أنتِ؟ فتاة متمردة لا تملك سوى كبريائها تحاول فرض شروط على كيليان ماندريا؟" تجاهلتُ سخريته وركزتُ على هدفي الوحيد الذي قد ينقذ الشخص الوحيد الذي يهمني في هذا العالم. "أريد حماية كاملة لإيلينا، صديقتي المقربة من الملجأ، ونقلها إلى مكان آمن بعيداً عن صراعات المافيا وقذارتها." أردتُ إثبات أنني أستطيع المناورة، وأنني لست مجرد فتاة ساذجة يمكن التلاعب بها بسهولة. اعتقدتُ أنني أملك ورقة ضغط، أو على الأقل أنني أظهرتُ له أنني لا أهتم بحريتي الشخصية فقط. تشابكت أصابعه أمام وجهه وهو يراقبني بنظرات باردة خالية من أي مشاعر إنسانية. "أنتِ تظنين أنكِ ذكية يا كيرا، وتظنين أنكِ تملكين خيار الرفض أو القبول في هذه اللعبة المميتة." تحرك ببطء نحو الجدار الجانبي للمكتب، حيث كانت تعلق لوحة فنية قديمة ضخمة تخفي وراءها أسراراً كثيرة. امتدت يده الطويلة لتضغط على زر معدني صغير مخفي بدقة خلف الإطار الخشبي للوحة الفنية. انزلقت اللوحة ببطء إلى الجانب، لتكشف عن شاشة مراقبة ضخمة عالية الدقة تعرض بثاً مباشراً لغرفة خرسانية مظلمة. تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ بأن أنفاسي قد قُطعت تماماً وجسدي تيبس كأنني تحولتُ إلى تمثال من جليد. ظهرت على الشاشة صديقتي المقربة إيلينا، مقيدة بإحكام بحبال غليظة إلى كرسي معدني في وسط تلك الغرفة الكئيبة. كان رأسها متدلياً بتعب، ووجهها يحمل آثار كدمات خفيفة تنبئ بالرعب الذي عاشته في الساعات الماضية. شهقتُ بصدمة، ودموع القهر والضعف بدأت تتجمع في عينيّ وأنا أرى الفتاة الوحيدة التي أحبتني بصدق في هذا الوضع. التفتُ إلى كيليان بملامح مشوهة من الغضب والغل، مستعدة لتمزيقه بيديّ العاريتين. يبتسم كيليان بسخرية ثم يفتح شاشة مراقبة ضخمة تظهر صديقتها المقربة مقيدة على كرسي في الغرفة المجاورة، وتحت قدميها قنبلة موقوتة لم يتبقَ على انفجارها سوى ستين ثانية.

End of Chapter 4