Chapter 2 of 4
Chapter 2: رماد الماضي الجميل
1.3M words
تجمد الهواء في صدري كأنه زجاج مكسور يمزق رئتي.
تصوب الفوهة الفولاذية الباردة نحو صدغي مباشرة، تنبئ بنهاية وشيكة لم تبدأ بعد.
نبضات قلبي لم تكن خائفة، بل كانت تضرب أضلعي بغضب جامح يطالب بالانتقام والتحرر.
تصلب فك ليو، وبرزت العروق في رقبته الغليظة كحبال مشدودة تحت جلده الشاحب الغاضب.
بصوت هادئ يحمل تهديدًا كافيًا لقطع الأنفاس، نطق بكلمة واحدة هزت أرجاء القبو المظلم: "أنزل سلاحك".
تراجع الحارس على الفور، مخفيًا مسدسه بآلية صامتة وسريعة تعكس مدى تدريبه الصارم والقاسي.
شعرت بالإهانة تسري في عروقي كالسم، تحرق كل خلية في جسدي المنهك.
عاملوني كحيوان شارد يحتاج للترويض، كلعبة دخيلة على عالمهم المظلم المليء بالدماء والبارود والقتل.
خطا رولف خطوة نحو الأمام، مرخيًا كتفيه المتصلبين بينما انطفأت الحدة في عينيه الرماديتين لتتحول إلى أسف.
"كيرا، نحن عائلتكِ،" قال رولف بنبرة حاول جعلها هادئة، "هذا القصر هو مكانكِ الآمن الآن".
ضحك أريان بسخرية جافة، واضعًا يديه في جيبي بنطاله الإيطالي الفاخر وهو يهز رأسه بيأس شديد.
"القطة الصغيرة تملك مخالب إذن،" تمتم بنبرة لعوبة لم تنجح تمامًا في إخفاء التوتر السائد.
أما راك، الأصغر بينهم، فقد كان ينظر إليّ بعينين واسعتين يملؤهما قلق حقيقي دافئ.
شفتيه كانت مشدودتين برغبة مكبوتة في التقدم والدفاع عني ضد قسوة أخيه الأكبر المستبد.
رفضت نظراتهم جميعًا، وشعرت برغبة عارمة في تحطيم كل شيء يربطني بهذا المكان الملعون.
بصقت على الأرض تحت أقدامهم الفاخرة، معلنة احتقاري لقوانينهم وعالمهم المزيف المبني على الجماجم.
"لست أختًا لأحد،" صرخت، وصوتي يرتجف بالغضب بينما قاومت بضراوة تلك الدموع الحارقة.
استدرت وركضت نحو السلالم الضخمة بسرعة، تاركة خلفي صمتهم الثقيل الذي خيم على القبو كغيمة سوداء.
---
دفعت باب غرفتي بقوة، وأغلقته ورائي بمفتاح حديدي قديم وجدته معلقًا خلف الباب الخشبي.
ارتطمت بجدار الغرفة الفاخرة، وسقطت ببطء على الأرض الباردة واضعة رأسي المصدع بين ركبتي.
بدت الجدران المذهبة والستائر المخملية الثقيلة كقضبان سجن أنيق صُمم خصيصًا لإنهاء حريتي المتمردة.
قبضت على كفي بقوة حتى غرزت أظافري الحادة في راحتي، تاركة علامات حمراء تنزف ببطء.
ظنوا أنني فتاة ضعيفة وساذجة يمكن إخافتها بفوهة مسدس أو نبرة صوت حادة من زعيمهم.
أغبياء، لا يعرفون شيئًا عن الشوارع التي صقلت مخالبي وجعلتني قاسية لا تهاب الموت أبدًا.
تذكرت تلك الليلة المظلمة قبل عامين في أزقة مدريد الخلفية، حيث تفوح رائحة القذارة والتشرد.
حاول رجلان قذران الاعتداء علي، معتقدين أنني مجرد فريسة سهلة في ليلة شتوية ممطرة ومظلمة.
لم أتردد لحظة واحدة عندما التقطت قضيبًا حديديًا مدببًا وغرزته في عنق الأول بلا رحمة.
استوليت بسرعة على مسدس الآخر، وأفرغت رصاصتين في صدره قبل أن يدرك ما يحدث حوله.
دماؤهم المنسكبة على الإسفلت لم تجعلني أبكي، بل علمتني كيف أتنفس الخوف وأحوله إلى قوة قاتلة.
تعلمت فك وتركيب المسدسات، وعرفت كيف أقرأ نوايا الرجال من حركة أيديهم نحو جيوبهم المخفية.
لكن فكرة المافيا، تلك المنظمة التي تقتل بدم بارد وتبرر جرائمها بالنفوذ، كانت تثير اشمئزازي بشدة.
نهضت من الأرض ببطء، متجهة نحو النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخلفية الواسعة المظلمة.
هطل المطر بغزارة في الخارج، يضرب زجاج النافذة بقسوة كأنه يطالبني بالرحيل والعودة إلى الشوارع.
نظرت إلى الأسفل؛ الحراس كانوا ينتشرون في كل زاوية، ومصابيحهم اليدوية تقطع الظلام بحذر شديد.
اعتقد ليو وإخوته أن الأسلاك الشائكة والكلاب البوليسية والرجال المسلحين سيبقونني محتجزة كطير أسير.
سأثبت لهم هذا المساء أن جدرانهم ليست سوى وهم تافه أمام إرادتي الحرة المستقلة.
مشيت بخطوات صامتة نحو الطاولة الخشبية الصغيرة القابعة في زاوية الغرفة المظلمة الباردة.
امتدت يدي المرتعشة لتلتقط الإطار الفضي القديم، الذي يحمل الصورة الوحيدة التي أملكها لوالدتي الراحلة.
كانت تبتسم برقة بالغة في الصورة، وعيناها الخضراوان اللتان ورثتهما عنها تشعان بهدوء مفقود.
ضممت الإطار إلى صدري بقوة، مستشعرة دفئًا وهميًا ينبعث من خلف الزجاج البارد والذكريات القديمة.
كانت هذه الصورة هي درعي العاطفي الأخير، ورابطي الوحيد بحياة لم تلوثها دماء عائلة باتسي القاسية.
فتحت حقيبتي الجلدية الصغيرة التي أحتفظ بها دائمًا، ووضعت الصورة بحذر بين طيات ملابسي القليلة.
ربطت الحقيبة بإحكام حول خصري، متأكدة من أنها لن تعيق حركتي أثناء القفز والتسلق الليلة.
---
استبدلت ثوبي الفاخر بملابس سوداء ضيقة، بنطال جلدي مرن وسترة داكنة تخفيني في عتمة الليل.
أطفأت جميع أنوار الغرفة حتى اعتادت عيناي على الظلام الدامس المحيط بي في هذه الزاوية.
فتحت النافذة ببطء شديد، حريصة على ألا تصدر المفاصل المعدنية أي صرير يثير ريبة الحراس.
تسللت نبرة الهواء الباردة والمبللة إلى وجهي، حاملة معها رذاذ المطر الذي غسل توتري وقلقي.
خرجت إلى الشرفة الضيقة، ملتسقة بالجدار الحجري الخشن لأتجنب مصابيح الحراسة التي تمسح الفناء بانتظام.
لمحت أنبوب التصريف الحديدي السميك الذي يمتد على جانب القصر حتى يصل إلى الحديقة الخلفية.
أمسكت بالأنبوب البارد، ولففت ساقي حوله مستغلة رشاقتي وخفتي اللتين أنقذتاني في الماضي مرارًا.
نزلت ببطء، منزلقة بحذر مليمترًا تلو الآخر، بينما كان المطر يبلل ملابسي ويزيد صعوبة التشبث.
تشنجت عضلات ذراعي من المجهود الشاق، لكنني رفضت الاستسلام أو التوقف حتى لامست قدماي العشب.
انحنيت على الفور خلف شجيرة ضخمة، كاتمة أنفاسي المتسارعة بينما كان حارسان يمران بالقرب مني.
تحدث أحدهما بصوت منخفض تعلوه نبرة الملل: "هل تعتقد أن الفتاة الجديدة ستبقى هنا طويلاً؟"
أجابه الآخر بسخرية: "ليو سيقوم بترويضها سريعًا، لا أحد يجرؤ على عصيان أوامره في هذه العائلة".
ابتسمت باحتقار خلف الشجيرة المظلمة، هامسة لنفسي بأن ليو وقوانينه لا يعنون لي شيئًا أبدًا.
تحركت بحذر شديد بين الظلال الممتدة في الحديقة، مستغلة لحظات انشغال الحراس بالحديث وتدخين السجائر.
وصلت في النهاية إلى السور الخلفي للقصر، الذي كان مبنيًا من الحجارة القديمة المرتفعة الشاهقة.
تسلقت العروق الخشبية القوية للبلاب، متجاهلة الأشواك الصغيرة التي كانت تغرس في جلدي العاري.
وصلت إلى قمة السور، حيث كانت الأسلاك الشائكة تلمع تحت ضوء القمر الخافت المنعكس الحزين.
دفعت جسدي بمرونة فائقة بين فتحات الأسلاك، متجنبة أن تمزق ملابسي أو تكشف أمري للحراس الصاخبين.
قفزت إلى الجانب الآخر بلا تردد، هابطة على الرصيف الخارجي المظلم لشارع مدريد الجانبي الموحش.
---
هبطت على قدمي بمرونة، لكن الصدمة جعلت ركبتي ترتطمان بالإسفلت البارد بعنف وألم شديد.
تأوهت بصوت مكتوم، واضعة يدي على الأرض الرطبة لأتوازن بسرعة قبل أن يلاحظ أحد غيابي.
نهضت بسرعة، وبدأت في الركض مستسلمة لبرودة المطر التي بدأت تتغلغل تحت سترة جلدي الرطبة.
شوارع مدريد في هذا الوقت من الليل كانت خالية تمامًا، غارقة في برودة الشتاء والصمت المريب.
أضواء المصابيح الشارعية الصفراء كانت تنعكس على الأرض المبللة، صانعة مظهرًا يشبه الدماء الذهبية السائلة.
ركضت دون توقف، وكل خطوة تبتعد عن ذلك القصر اللعين كانت تمنحني شعورًا رائعًا بالحرية.
أنا كيرا باتسي، الفتاة التي لا تنحني لأحد، ولن أكون أداة في أيدي رجال المافيا القساة.
تذكرت كيف كان ليو ينظر إليّ، بعينين باردتين كالموت، كأنه يملك روحي وجسدي بقراراته السياسية.
رولف، بابتسامته الحزينة ونظراته الهادئة، ربما كان الوحيد الذي تمنيت لو كان بإمكاني الوثوق به للأسف.
أما راك اللطيف، فقد بدا ضحية لعالمهم القاسي أكثر مني، فكيف يمكنني الاعتماد عليه لحمايتي؟
أسرعت من خطواتي، متجهة نحو الأحياء الفقيرة حيث أجد ملاذي الآمن وسط الفقراء والمشردين.
البرد القارس بدأ يتسلل إلى عظامي المتعبة، وأطرافي تخدرت بفعل الرياح الشمالية الشديدة القاسية.
تنهدت بعمق، وضغطت بيدي على الحقيبة الجلدية عند خصري للتأكد من وجود صورة أمي بأمان.
كانت أمي هي الشيء الوحيد الحقيقي والجميل في ذكرياتي المشوشة، ووجهها الهادئ كان يمنحني القوة.
لطالما تساءلت لماذا تركتني وحيدة في ذلك الملجأ البارد، ولماذا لم تخبرني عن عائلة باتسي.
ربما كانت تحاول حمايتي من هذا المصير المظلم، ربما كانت تعلم أن المافيا ستدمر براءتي وطهارتي.
اسمه يتردد في كل زاوية من زوايا مدريد المظلمة؛ كيليان ماندريا، الوريث القاسي لعشيرة الكوزا نوسترا.
سمعت عنه شائعات مرعبة في الشوارع، رجل لا يعرف الرحمة، يملك نفوذًا يمتد كشرايين سامة في المدينة.
أخشى أن يتقاطع طريقي معه، خاصة وأن عائلة باتسي تخوض حربًا خفية ضد عشيرته للسيطرة المطلقة.
لكني لن أكون ورقة ضغط في ألعابهم القذرة، سأختفي تمامًا حيث لا يمكن لأحد العثور علي.
تسارعت دقات قلبي مع تزايد حدة المطر البري الذي بدأ يجلد جسدي بلا هوادة أو شفقة.
أنفاسي تخرج ساخنة في الهواء البارد، صانعة غيمات صغيرة متلاشية تعكس ضعفي البشري الحالي.
تراجعت قوتي تدريجيًا، وشعرت بثقل حقيبتي الجلدية التي تضرب خصري مع كل خطوة متعبة أخطوها.
الظلام كان دامسًا، والأنوار الصفراء البعيدة لم تكن كافية لإضاءة الحفر والمطبات على هذا الرصيف.
تعثرت بخطوة مباغتة، وحاولت استعادة توازني بمد ذراعي في الهواء البارد بيأس.
لكن البلاط المغطى بطبقة من الطين الزلق لم يمنحني أي فرصة للنجاة من السقوط المروع.
تنزلق قدم كيرا وتتحطم الصورة الزجاجية على الرصيف، لتكشف عن رسالة سرية مخبأة خلف إطار الصورة مكتوب فيها بخط والدتها الراحلة: 'لا تثقي بأشقائكِ، هم من سمموا حياتي'.