Chapter 9

Chapter 9 of 14

الفصل التاسع: وشوشة الحقيقة

1.3k words

وقفت آية مكانها، متجمدة زي تمثال مرمر، الكلمة الوحيدة اللي بتتردد في ودانها هي صوت حمزة وهو بيقول "بابا!". فتحت بوقها عشان تتكلم، بس مفيش صوت طلع، حلقها نشف لدرجة إنها حست كإنها بلعت رمل. عينيها متعلقة بحمزة وهو بيحاول يقفل الباب نص قفلة، لكن أبوه كان أسرع، زق الباب برجله ودخل.<br><br>ملامح أبوه كانت صارمة، عضلات وشه مشدودة، وعينه بتدور في الشقة كإنها بتفتش عن دليل. لمح آية اللي كانت واقفة ورا حمزة، لابسة ترنج بيت خفيف، شعرها كإنها لسه صحيانة من النوم، ووشها مخطوف من الرعب. حمزة حاول يداريها بجسمه بس أبوه شافه. "مين دي يا حمزة؟" صوته كان هادي بشكل مخيف، أهدى من أي غضب صريح.<br><br>حمزة بلع ريقه بصعوبة. "دي... دي آية يا بابا. زميلتي." الكلمة طلعت منه مهزوزة، وحس حمزة إن كذبته واهية زي ورقة في مهب الريح. أبوه رفع حاجبه، بصة واحدة منه كانت كفيلة تخلي أي كدبة تتكشف. "زميلتك؟ وفي شقتك؟ وبالمنظر ده؟" صوته بدأ يعلى، والهدوء اللي كان فيه من شوية اتبدل بنبرة استجواب.<br><br>آية حست الأرض بتلف بيها، كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها. سنين من الخوف، سنين من الكدب، سنين من إنها بتحاول تمشي على خيط رفيع بين حياتين، كل ده كان بيتهد قدام عينيها في لحظة واحدة. شافت حمزة وهو بيحاول يفكر في كدبة جديدة، بس المرة دي كان محشور في الزاوية، مفيش مفر.<br><br>"دي... دي كانت بتذاكر معايا يا بابا. كنا بنعمل بحث." حمزة حاول يرقع الكدبة، بس أبوه هز رأسه ببطء، نظراته ثبتت على آية اللي كانت بتحاول تصغر نفسها قدر الإمكان. "بحث؟ وساعة بالليل بالشكل ده؟" قرب خطوتين، وعينيه كانت بتفحص كل ركن في الشقة، كإنه بيفتش عن دليل إدانة. "أنا عارف إنك كبرت وعايز تستقل، بس مش بالطريقة دي يا حمزة."<br><br>حمزة حس بإهانة في كلام أبوه، إهانة أكبر من الغضب نفسه. "يا بابا، الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم." حاول يدافع عن نفسه، بس أبوه قاطعه بحسم. "أنا فاهم كويس يا حمزة. وأنا اللي لازم أتحمل نتيجة غلطك." بص لآية تاني بنظرة خلتها ترتعش، نظرة كلها اتهام وحكم. "روحي بيتك يا بنت الناس. وبعدين نتكلم."<br><br>آية حست بدموع سخنة بتتحجر في عينيها. نظرة أبوه كانت بتلسع، كأنها بتتحول من بنت صالحة لبنت مش كويسة في لحظة. بصت لحمزة برجاء، عينيه كانت بتقولها آسف، بس مفيش حاجة يقدر يعملها. من غير كلمة واحدة، لفت نفسها وشها مخطوف، وطلعت من الباب كإنها بتهرب من نار. سمعت صوت الباب بيتقفل وراها، وساب حمزة وأبوه لوحدهم يواجهوا مصيرهم.<br><br>---<br><br>جريت آية طول الطريق لبيت أهلها، دموعها نازلة زي الشلال، الدنيا حواليها كانت ضبابية. مفاتيح بيتها طلعتها إيديها بترتعش، ودخلت وقفلت الباب وراها وكأنها بتحتمي من عاصفة. رمت الشنطة على الأرض، ورجليها مكانتش قادرة تشيلها. وقعت على أقرب كرسي، وانهارت في عياط هستيري، جسمها كله بيرتعش.<br><br>"كله راح يا رب! كله راح!" الكلمات طلعت منها متقطعة بين الشهقات. سنين من الخوف، سنين من القلق، كانت على طول متوقعة اللحظة دي. اللحظة اللي فيها السر هيتكشف، والكدبة هتبان، وكل حاجة هتبوظ. كانت فاكرة إن خلاص، ممكن يكونوا نجحوا، ممكن يقدروا يكملوا حياتهم بالسر ده لحد ما يكبروا ويعلنوا جوازهم. بس أبوه حمزة كشف كل حاجة.<br><br>موبايلها رن، شافت اسم حمزة. مترددة ترد، كانت حاسة بزعل وغضب كبير ناحيته، ناحية وعوده اللي طلعت مش حقيقية، ناحية خوفها اللي مكنش له نهاية. رنت تاني وتالت، وفي الآخر ردت وهي بتحاول تتحكم في صوتها المبحوح. "إيه يا حمزة؟"<br><br>"آية، إنتي كويسة؟ وصلتي البيت؟" صوته كان باين عليه الخوف والقلق. "بابا عامل إيه دلوقتي؟ إيه اللي حصل؟" سألته بمرارة، مش قادرة تنسى نظرة أبوه ليها. "آية، أنا آسف. أنا معرفتش أتصرف." صوته كان مكسور. "حاولت أقوله الحقيقة، بس هو مصمم يسمع الكدبة اللي هو عايزها."<br><br>"كدبة؟ إحنا اللي بنكدب يا حمزة! سنين بنكدب على كل الناس، وادينا بنتحاسب دلوقتي." الدموع رجعت تتدفق تاني. "نظرة أبوه ليا! حاسة إني ارتكبت جريمة."<br><br>"إنتي معملتيش أي جريمة يا روحي. إنتي مراتي، وحلالي. الجريمة إن إحنا خبينا ده كله." كلامه كان فيه حنان، لكن ده مكنش كافي يطمنها. "أنا هكلمه تاني، وهقوله كل حاجة. مش هقدر أعيش كده تاني، ولا إنتي كمان."<br><br>"حمزة، أنا خايفة." صوتها كان ضعيف. "خايفة من رد فعلهم، خايفة من الناس، خايفة إن كل حاجة تتقلب ضدنا."<br><br>"مفيش حاجة هتتقلب ضدنا يا عمري. إحنا مع بعض. فاكرة لما قلتلك إن جسمك ده كله ملكي؟ كل لمسة، كل نفس، إنتي بتاعتي أنا وبس. محدش له حكم علينا غير ربنا." صوته اتحول لهمس دافي، بيحاول يسحبها من دوامة الخوف لأمانه. "فاكرة لما كنا بنصحى الصبح وأنا بشوف التفاصيل الصغيرة اللي في وشك، في رقبتك، في كل حتة؟ كنت بتوه في جمالك، حاسس إني بكتشف كنز كل يوم."<br><br>"جسمك ده مصمم عشاني أنا. كل انحناءة، كل خط، كل حتة فيكي بتنادي باسمي." همس، وصوته بيحاول يخترق حواجز خوفها. "المهبل بتاعك ده، اللي بيحتويني، اللي بيخليني أحس إني كامل لما بكون جواكي، ده ملكي أنا وبس. محدش يقربله غيري، ومحدش يقدر يحس بيه زيي."<br><br>آية حست بحرارة بتدب في عروقها رغم كل خوفها. حمزة كان دايماً عنده القدرة دي، إنه بس بكلمة واحدة يخليها تنسى كل حاجة حواليها، ويشدها لعالمه الخاص بيهم هما الاتنين. بس المرادي، كان الخوف أكبر، وكان الواقع أقسى. "بس يا حمزة..." حاولت تتكلم، بس صوته قاطعها بحزم. "مبسش. أنا جاي دلوقتي. هكلمك تاني لما أوصل تحت البيت. متفتحيش لأي حد غيري."<br><br>---<br><br>تاني يوم في الجامعة، آية كانت ماشية كأنها شبح. عينيها كانت حمرا ومنفوخة من العياط، وحاسة إن كل واحد بيبصلها عارف سرها. كانت بتتحاشى أي احتكاك مع أي حد، خصوصاً أروى اللي كانت نظراتها ليها فيها شيء غريب، مزيج من الفضول والشماتة. حمزة كان جنبها، إيده كانت بتلمس ضهرها من وقت للتاني، بيحاول يطمنها، بس هي كانت حاسة إنها خلاص، مبقاش فيه أمان.<br><br>في الكافيتريا، قعدت آية مع مريم وعبد الله ولجين. حمزة كان واقف بيجيب قهوة. نظرات أروى كانت لسه بتلاحقها. آية حاولت تتجاهلها، بس مقدرتش. مريم لاحظت توتر آية. "مالك يا آية؟ وشك مخطوف كده ليه؟" سألتها مريم بقلق. آية حاولت تبتسم. "مفيش، بس مذاكرة كتير."<br><br>لجين ضحكت. "يا بنتي إحنا لسه في أول الترم. مذاكرة إيه؟" في اللحظة دي، دخلت أروى ومعاها يوسف. أروى بصت لآية بابتسامة مصطنعة. "إيه يا آية، مختفية فين اليومين دول؟ حمزة كمان شكله سرحان. ولا بيكونوا بيذاكروا سوا؟" الكلمة الأخيرة قالتها بنبرة استفزازية، وبصت لحمزة اللي كان راجع ناحيتهم بالقهوة.<br><br>حمزة حس بنظرات أروى، وقبل ما آية ترد، ابتسم ببرود. "بذاكر، أمال إيه؟ الامتحانات قربت." عبد الله كشر. "يا عم حمزة، أنا عارف إنك بتذاكر، بس بلاش تخلي آية مسخسخة كده. ده وشها عامل زي اللي شاف عفريت."<br><br>آية حست بالغضب، بس مبينتش. بصت لحمزة، وحست بقلبها بيوجعها. كانت خايفة إن كدبة حمزة عن الشقة كدراسة مع زميل تكبر وتوصل لعبد الله، وهو اللي كان صاحبه المقرب. حمزة بص لأروى بنظرة تحذير، بس أروى تجاهلته. "بس اللي أعرفه إن حمزة كان بيذاكر مع واحد صاحبه في شقة لوحدهم. مش كده يا حمزة؟" سألت أروى بصوت عالي، كأنها عايزة تسمع كل اللي في الكافيتريا.<br><br>حمزة كان هيرد، بس مريم قاطعته. "يا جماعة، خلاص بقى. سيبوا آية في حالها. وشها باين عليه التعب بجد." لكن أروى مكنتش عايزة تسكت. "أنا سمعت إن أم عبد الله راحت الشقة دي كذا مرة، ومكنتش بتلاقي إلا حمزة لوحده. يا ترى كانت بتعمل إيه هناك؟"<br><br>آية حست بدم بارد بيجري في عروقها. أم عبد الله. دي نفس الست اللي شافت الفستان الفوشيا. أروى عرفت منين؟ هل ممكن تكون أم عبد الله هي اللي قالت لأبوه حمزة؟ ولا الموضوع أكبر من كده؟ بصت لحمزة، كان وشه باين عليه الصدمة والغضب. عبد الله كان باين عليه الحيرة، مش فاهم أروى بتقول إيه بالظبط.<br><br>حمزة حط القهوة على الترابيزة بغضب. "أروى، كلامك ده ملوش أي أساس من الصحة، ومينفعش يتقال." صوته كان حاد. "واللي بيذاكر معايا ده، راجل محترم، ومفيش أي حاجة من اللي بتقوليها دي حقيقية."<br><br>أروى ابتسمت ببرود. "أنا مبقولش غير اللي سمعته يا حمزة. والناس بتتكلم." نظراتها كانت بتتحرك بين حمزة وآية، كأنها بتستمتع بالدراما اللي بتخلقها. "على العموم، كل واحد بيعمل اللي يريحه. بس أنا كنت فاكرة إنك هتكون صريح مع صحابك. أو على الأقل... مع مراتك." الكلمة الأخيرة قالتها بصوت واطي جداً، يكاد يكون همس، بس آية سمعتها بوضوح، وحست إن قلبها هيقف. أروى كانت بتبصلها في عينيها مباشرة، كأنها بتقولها:

End of Chapter 9