Chapter 10 of 14
Chapter 10: وداعًا للسر
1.8k words
قلبي بيوجعني أوي، حاسة إن كل حاجة بتنهار فوق راسي. صوت بابا حمزة بيرن في وداني وهو بيقولي 'روحي بيتك يا آية'. كأني عملت جريمة، كأني مش مراته. جسمي كله بيرتعش، لسه واقفة في نص الصالة، مش عارفة أتحرك. حمزة دخل الأوضة مع أبوه، والباب اتقفل وراهم بقوة. نفسي أبكي بصوت عالي، أصرخ بكل اللي جوايا، بس كل اللي بقدر أعمله إني أقف مكاني، إيدي على بوقي، عشان مكتومة. الخوف بيشلني. سنين من الكدب والتمثيل، سنين من إننا بنعيش حياة تانية خالص بعيد عن عيون الناس، كل ده عشان يضيع في لحظة؟
دقايق بتعدي كأنها ساعات. بسمع أصواتهم من ورا الباب، مش واضحة، بس في نبرة عالية، صوت حمزة وأبوه بيتخانقوا. كل نبرة غضب بتخليني أتكمش على نفسي أكتر. يا ترى بيقولوا إيه؟ يا ترى أبوه هيعمل فيه إيه؟ طب أنا، أنا ذنبي إيه في كل ده؟ أنا اللي كنت عايزة نعلن جوازنا من زمان، بس هو اللي كان بيطمني وبيقولي 'شويه يا حبيبتي، لحد ما نكبر ونخلص جامعة'. وده حصل، كبرنا وخلصنا جامعة، بس السر كبر معانا، وكبر لحد ما بقى وحش بياكل فينا.
فجأة، الباب بيتفتح بقوة. حمزة بيخرج، وشه أحمر، عينه فيها شرار بس في نفس الوقت مكسور. أبوه وراه، ملامحه قاسية، نظراته لينا كلها خيبة أمل وغضب. مبيتكلمش، بس نظراته بتقول كل حاجة. حمزة بيقرب مني، بيشدني من دراعي بلطف بس بحسم. 'اكتبي الشنطة يا آية'، بيقولها بصوت واطي ومبحوح. 'اكتبي إيه؟' بسأله وأنا حاسة إني في حلم. 'شنطتك، حاجتك. إحنا مسافرين'. كلمة 'مسافرين' بتخليني أفوق شوية. 'مسافرين فين يا حمزة؟'
أبوه بيتكلم لأول مرة، صوته كله غضب مكتوم: 'مسافرين فين؟ رايحين فين يا حمزة؟ هتخبيها فين تاني؟' حمزة مبيردش عليه، عينه عليا بس. 'هفهمك كل حاجة يا آية، بس دلوقتي جهزي نفسك. هنقول لأصحابنا كل حاجة، وهنقول لأهلنا إننا رايحين نقضي شهر عسل متأخر'. عقلي مش مستوعب. 'شهر عسل؟ دلوقتي؟ بعد كل ده؟' أبوه بيقرب منه خطوة، بيبدأ صوته يعلى: 'أنا مش فاهم حاجة من اللي بتعمله ده يا حمزة! هتضحك على مين تاني؟' حمزة بيرد لأبوه: 'مش هنضحك على حد يا بابا. كل حاجة هتتعرف. بس مش بالطريقة دي. مش تحت ضغطك'.
باباه بيزعق: 'يعني إيه مش تحت ضغطي؟ يعني هتكمل في لعب العيال ده؟' حمزة بيشدني ناحية الأوضة، صوته بيكتسب قوة غريبة: 'ده مش لعب عيال يا بابا. دي حياتي. وده جوازي. آية مراتي، وليها كل الحق تعيش حياتها معايا من غير خوف'. الكلمة دي، 'مراتي'، بتخرج منه قدام أبوه، كأنها قنبلة. أبوه بيتراجع خطوة، الصدمة على وشه واضحة. أنا نفسي مش مصدقة اللي حمزة بيعمله. كأنه اتحول لشخص تاني خالص. حاسة بخوف بس في نفس الوقت، فيه بصيص أمل بيلمع جوايا. يمكن دي النهاية للسر ده كله. يمكن أخيراً هنرتاح.
---.
حمزة بيتحرك بسرعة، كأنه بيطارد حاجة أو بيهرب من حاجة. بيقولي نكلم أصحابنا دلوقتي ونقابلهم. 'دلوقتي يا حمزة؟' أنا لسه مصدومة من اللي حصل مع أبوه. 'مفيش وقت تاني يا آية. لازم نقولهم بنفسنا، قبل ما أي حاجة تانية تحصل'. رنة تليفونه ورا رنة، بيكلم مريم وعبدالله وأروى ويوسف وعمر ونور ولجين. كلهم مستغربين. 'متجمعين ليه فجأة؟ في إيه؟'. حمزة بيصر إنهم يجوا دلوقتي، لمقهى الجامعة اللي بنقعد فيه دايماً. قلبي بيدق بسرعة، حاسة إن دي اللحظة اللي حلمت بيها وخفت منها في نفس الوقت. كل نظراتهم هتكون علينا، كل أسئلتهم هتنهال، وأروى، أروى اللي كانت شاكة فينا طول السنين دي. هتكون هي المنتصرة.
وصلنا المقهى. كلهم موجودين، نظراتهم كلها ترقب وقلق. مريم بتبصلي بقلق، بتيجي تحضني. 'إيه يا آية، مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟' مقدرتش أرد عليها، بس ببص لحمزة. هو اللي لازم يتكلم. حمزة بياخد نفس عميق، بيبص في وشوش صحابنا واحد واحد، كأنه بيودعهم، أو كأنه بيستعد لحاجة كبيرة. 'بصوا يا جماعة، إحنا جمعناكم النهاردة عشان في حاجة مهمة أوي، لازم تعرفوها'. صوته واطي بس ثابت. أروى بتتدخل على طول، نظرتها كلها شك. 'يا ترى إيه الحكاية اللي مستخبية بقالها سنين، وهتطلع فجأة دلوقتي؟'
كلمة أروى خلت الكل يبصلها وبعدين يرجعوا يبصوا لحمزة. حمزة بيبص لأروى نظرة تحدي وبعدين يرجع يبص للكل. بيشد إيدي، بيشبك صوابعنا في بعض قدامهم كلهم. 'إحنا... إحنا متجوزين'. الصمت نزل على الترابيزة. صمت تقيل، كأن صوت حمزة ده كان قنبلة فعلاً. مريم فاتحة بوقها، عينيها بتدمع. عبدالله وشه اتغير للأصفر. يوسف وعمر ونور ولجين كلهم في حالة صدمة. أروى بس هي اللي بتضحك بسخرية. 'أنا كنت عارفة. كنت عارفة إن في حاجة بتحصل. فاكر يا حمزة لما أم عبدالله كانت بتجيلك الشقة وتقول إن في واحدة عندك؟ فاكر يا آية لما قلتلنا لسعة نحلة؟'
حمزة مكملش كلامه لأروى. 'أيوة يا أروى، كنتي عارفة. وإحنا كنا بنخبي. مش عشان بنلعب أو بنضحك عليكم. بس عشان ده كان اتفاق بينا وبين أهلنا. إحنا كتبنا كتابنا وإحنا لسه في إعدادي، وأهلنا اتفقوا على كده من زمان. بس طلبوا مننا نخبي لحد ما نكبر ونقدر نتحمل مسؤولية القرار ده'. مريم بتعيط دلوقتي، بس عياطها فرحة. بتقوم تحضني بقوة. 'مبروك يا آية! كل السنين دي وإنتي مخبية عليا؟ أنا زعلانة منك بس فرحانة أوي'. عبدالله بيبص لحمزة بنظرة عتاب: 'يعني كل ده كدب؟ الشقة اللي بتقولي عليها مذاكرة، والبنت اللي بتقولي عليها أخت صاحبك؟' حمزة بيبص لعبدالله بحزن: 'غصب عني يا عبدالله. عارف إن ده كان صعب. بس كان لازم. دلوقتي مفيش حاجة مستخبية'. كل واحد منهم بيبدأ يتقبل الموضوع بطريقته. حمزة بيبصلهم: 'وإحنا دلوقتي مسافرين اسبانيا. شهر عسل متأخر، وهنكمل حياتنا هناك'. نظرات صدمة جديدة، بس في نفس الوقت، كان فيه قبول للواقع الجديد. حاسة إيدي بتترعش بس في نفس الوقت، فيه هدوء غريب بينتشر جوايا. السر انتهى. أخيراً.
---.
ريحة البحر المتوسط بتضرب في وشي، هواء منعش بيرقص على شعري. الشمس الذهبية بتغمر كل حاجة حوالينا. ده مش واقع. ده حلم. إسبانيا. إحنا فعلاً هنا. حمزة جنبي، ماسك إيدي طول الطريق من المطار. وصلنا لفيلا كأنها قطعة من الجنة. على البحر مباشرة، لونها أبيض ناصع، شبابيك واسعة بتطل على زرقة البحر اللانهائية. بستان صغير مليان أزهار ألوانها زاهية. 'إيه ده يا حمزة؟' بسأله وصوتي كأنه مش بتاعي. 'ده بيتنا يا حبيبتي. ده بيتك. اللي كنت بحلم بيه ليكي'. عيني بتدمع من الفرحة، مش مصدقة. كل السنين اللي فاتت، كل الخوف، كل الدموع، كأنها بتدوب مع نسيم البحر ده.
دخلنا الفيلا. التصميم الداخلي بسيط بس شيك أوي، ألوان فاتحة ومريحة للعين. أول ما دخلنا، حمزة بيشدني ناحيته بقوة، مفيش أي حاجة بتفصلنا عن بعض. عينه بتلمع بنار العشق اللي بقالي سنين بشوفها بس مبنقدرش نطلقها براحتنا. 'أخيراً يا آية. أخيراً إحنا لوحدنا، في مكان مفيش فيه عيون تراقبنا، مفيش فيه خوف. تقدري تكوني آية بتاعتي بكل حواسك'. بيقرب وشه مني، شفايفه بتلمس شفايفي بلطف، كأنها بتحسسني إن ده مش حلم. ريحة البرفان بتاعه بتملاني، ريحة حمزة اللي بعشقها.
بيشيلني من على الأرض فجأة. بلف دراعاتي حوالين رقبته تلقائياً. 'حمزة!' بقولها وأنا بضحك. 'مفيش حمزة دلوقتي غير حمزة اللي هيخليكي أسعد واحدة في الكون'. بيطلع بيا السلم اللي كله رخام، كل خطوة بيحسسني إني ملكة. بيوصل لأوضة النوم اللي بتطل على البحر مباشرة. السرير كبير أوي، مفرش حرير أبيض، وستائر شفافة بتلعب مع الهوا. بينزلني على الأرض بالراحة، بس ايديه لسه حوالين وسطي. بيبص في عيني بنظرة تخلي قلبي يدوب. 'مش عايز أكدب عليكي تاني. مش عايزك تخافي مني تاني. عايزك بس تكوني ليا، ليا أنا وبس'.
إيديه بتتحرك على خدي، بتنزل على رقبتي، بتتبع خط الفستان الخفيف اللي كنت لابساه. 'فاكرة لسعة النحلة يا آية؟' بيقولها بصوت واطي ومثير. 'دلوقتي مفيش حاجة هتتدارى. كل لسعة وكل علامة هتبقى دليل على حبنا، على جنوننا'. بيبعد الفستان من على كتفي ببطء، كأنه بيعذبني بلذة. 'جسمك ده يا آية... كل حتة فيه قصة. قصة أنا الوحيد اللي يعرف يقراها'. الفستان بيقع على الأرض. أنا دلوقتي بين إيديه، معرفش إيه اللي بيحصلي. حاسة بحرية مطلقة، شهوة بتحرك كل ذرة في جسمي. 'بحبك يا حمزة'. بقولها بصوت مبحوح. 'وأنا بعشقك يا روح حمزة. بعشقك وبستنى اللحظة دي من سنين'. بيضم جسمي لجسده، حرارة قوية بتنتشر بيننا، كأننا قطعة واحدة. كل لمسة وكل همسة بتطرد السنين اللي فاتت من الخوف، وبتزرع مكانها بذور حب جديد، حب بدون قيود، حب بيعلن عن نفسه بكل جرأة. بيقرب مني تاني، أنفاسه حامية على رقبتي. 'الفيلا دي ملكك، والي فيها كله ملكك، ومفيش حد هيقدر يحرمك من اي حاجة، انتي ليا انا وبس'. بحس بكل كلمة بيقولها. بتسيب جوايا علاماتها. بيحملني تاني ويحطني على السرير، عينه بتلمع. 'العيون اللي كانت بتراقبنا، دلوقتي هتشوف بعنيها إنك ملكي. إحنا هنعيش هنا ملك وملكة، مفيش حاجة هتفرقنا'.
---.
الأيام اللي فاتت كانت كأنها حلم. كل يوم بنكتشف بعض من جديد، بنعيش لحظات مكناش نعرف إنها موجودة. بنتمشى على شاطئ البحر وقت الغروب، ايدينا متشابكة، بنضحك بصوت عالي، مش فارق معانا أي حد حوالينا. حمزة بيوريني أماكن حلوة في المدينة، مطاعم صغيرة أكلها تحفة. كل لحظة بنعيشها كانها آخر لحظة. العلاقة بينا بقت أقوى وأعمق. كل يوم كان بيكشف جزء جديد من حمزة مكنتش أعرفه، جزء كله حنان وعشق. لكن فيه حاجة فضلت تاكل فيا. غيرة غريبة بدأت تظهر. حمزة وسيم أوي، وكل ما بنخرج، بشوف نظرات البنات عليه. نظرات إعجاب واضحة. أنا عارفة إنه بيحبني، بس قلبي مش بيطاوعني. بحس بخوف غريب، خوف إني أخسره بعد كل اللي حصل. بعد ما كشفنا كل حاجة، بعد ما سبنا كل حاجة ورا ظهرنا.
مرة كنا قاعدين في مطعم صغير، بنتغدى. حمزة كان بيحكيلي عن الجامعة في إسبانيا، عن خططه المستقبلية. فجأة، بنت بتعدي من جنب الترابيزة بتاعتنا، بتضحك وبتقول 'Hola, Hamza'. بنت جميلة أوي، شعرها أسود طويل وعينيها واسعة. حمزة بيرد عليها بابتسامة سريعة 'Hola, Sofia'. مكناش نعرفها، دي أول مرة أشوفها. هي مشيت على طول، بس الابتسامة اللي رد بيها حمزة، والكلمة، خلوني أتسمر مكاني. 'مين دي يا حمزة؟' بسأله بصوت كان أهدى مما كنت عايزاه. حمزة بصلي باستغراب: 'دي صوفيا، زميلة قديمة في الجامعة، كانت معايا في مشروع قبل كده'.
'زميلة قديمة؟' بكرر الكلمة وأنا حاسة بلسعة جوايا. هو حس بالنبرة بتاعتي، ابتسامته اختفت. 'إيه يا آية؟ في إيه؟' بيسألني بهدوء. 'مفيش'. بس معرفتش أكمل. هو بيمسك إيدي، نظرة استفسار في عينه. 'آية، إنتي بتغيري؟' سؤاله ده خلى وشي يحمر. 'أنا؟ أغير ليه؟ أنا بس بسأل مين دي؟' بحاول أبان طبيعية بس صوتي خانني. بيضحك بهدوء، ضحكة كلها حنان. 'دي مجرد زميلة يا حبيبتي. إنتي عارفة إني عمري ما شوفت حد غيرك. إنتي الوحيدة اللي ملكت قلبي من وإحنا أطفال'.
كلامه طمني شوية، بس لسه فيه حاجة جوايا بتقولي لا. بيسحبني من إيدي، بيقعدني جنبه على الكنبة اللي في المطعم. 'بصيلي يا آية'. بيبص في عيني مباشرة، نظراته كلها صدق. 'إنتي مش مجرد مراتي، إنتي روحي. إنتي الجزء اللي ميتجزأش مني. لو لفيت الدنيا كلها، عمري ما هلاقي واحدة زيك. مش هخون الثقة اللي بيننا أبداً'. كلامه ده بيوصل لقلبي. يمكن أنا بس محتاجة أثق أكتر. محتاجة أطمئن إن كل اللي فات ده، مش هيتكرر بأي شكل تاني. بيقرب مني، بيحضني بقوة. 'إنتي الأمان بتاعي يا آية، إنتي البيت'. بحس بدفاه، بحس إني فعلاً في مكاني الطبيعي. لكن لما ببص من الشباك على الشارع، بشوف صوفيا دي واقفة على الرصيف المقابل، بصة علينا. نظرتها مكنتش بريئة خالص. نظرتها كانت... زي ما أروى كانت بتبصلي زمان. وبحس بقلق جديد بيزحف لقلبي، كأن الأمان اللي كنت لسه حاسة بيه، بدأ يتهدد من تاني، كأن السر اللي دفناه في مصر، هيطلع يطاردنا هنا في إسبانيا.