Chapter 8 of 14
Chapter 8: همس الخوف
1.5k words
الرنة القوية لجرس الباب قطعت الصمت اللي كان مالِك الأوضة. آية اتنفضت من مكانها، قلبها بيدق زي الطبول، بصت لحمزة بعيون واسعة كلها رعب. هو كمان اتوتر بس حاول يمسك أعصابه. "مين ده في الوقت ده؟" همس بصوت مكتوم وهو بيقوم بسرعة من السرير، بيلم هدومه اللي كانت مرمية على الأرض.
"متقومش.. خليك!" آية كانت بترجف وهي بتتسحب بسرعة تحت الغطا، بتشد الملاية عليها كأنها بتحاول تختفي. "أنا خايفة أوي يا حمزة."
حمزة مسك إيدها بسرعة وطمنها. "اهدي يا آية، مفيش حاجة هتحصل. إنتي هتفضلي هنا ومش هتطلعي." لبس بنطلونه وتيشيرته في ثواني، وراح ناحية الباب الخارجي اللي كان الجرس بيرن عليه بإلحاح أكتر. نبضات قلب آية كانت بتخبط في ودنها، كانت حاسة إن أي لحظة ممكن العالم كله يكتشف سرهم. لفت نفسها أكتر في الملاية، عينيها مثبتة على باب الأوضة، مستنية أي خبر.
حمزة فتح الباب نص فتحة، وحاول يبان طبيعي. "مين؟" سأل بصوت هادي، بس آية حست بالتوتر اللي فيه من نبرته.
"أنا يا حمزة، أم عبدالله." الصوت جيه حاد وعارفاه كويس، صوت أم عبدالله. آية كتمت نفسها بصعوبة. مش معقول، رجعت تاني؟ ده كابوس بيتكرر. غمضت عينيها بقوة وهي بتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها.
"يا أهلاً يا طنط." حمزة فتح الباب أكتر وهو بيحاول يرسم ابتسامة على وشه، بيحاول يبان مرحب. "خير في حاجة؟"
أم عبدالله دخلت من غير دعوة، عينيها بتلف في الشقة الصغيرة اللي كانت باينة مرتبة، بس نظرة أم عبدالله كانت بتفتش ورا كل تفصيلة. "كنت معدية في الشارع وقولت أسلم عليك وأشوفك عامل إيه. عبدالله قلقان عليك من ساعة ما حكيتله عن الشقة دي."
حمزة بلع ريقه بصعوبة. "والله يا طنط الشقة دي زي ما قولتلك، مكان هادي عشان أذاكر فيه مع صاحبي. إحنا خلاص قربنا على الامتحانات." حاول يبان مقنع، بس وش أم عبدالله كان معليهوش أي تعابير بتدل على اقتناعها. عينيها وقفت على الأوضة المقفولة، المكان اللي آية كانت مستخبية فيه.
"وأوضة النوم دي؟ بتاعت صاحبه برضه؟" سألت أم عبدالله ببرود وهي بتشاور على باب الأوضة المقفول. "هو صاحبك معاه سرير إضافي في أوضتك ولا إيه؟"
"لأ يا طنط، دي.. دي أوضة ضيوف!" حمزة قالها بسرعة، ووشه احمر. "يعني لو في حد من قرايبي حابب يزورني ويقعد كام يوم، بتكون جاهزة. بس غالبًا بتكون مقفولة زي كده." كلامه كان بيطلع متقطع، وكل كلمة بتطلع منه كانت كدبة بتضيف لحبل الكذب اللي بيلفه حوالين رقبته. آية سمعت كل كلمة من جوه الأوضة، قلبها بيتقطع على حمزة وعلى نفسها. هي السبب في كل ده.
أم عبدالله كانت لسه بتنظر بتفحص، كأنها بتحاول تخترق الحيطان بنظراتها. "طب أنا كنت شايفة فستان لونه فوشيا مرمي على الكنبة المرة اللي فاتت، ده بتاع مين؟" سألتها تاني، بتعيد نفس السؤال اللي سألته قبل كده، كأنها بتختبر ذاكرته أو بتشوف إذا كان هيفضل على نفس كذبته.
حمزة كان مستعد. "آه ده فستان أختي الصغيرة يا طنط. جابتهولي هدية عشان أديها لأي حد من صحباتها يوم عيد ميلادها." قالها بثقة مصطنعة. "بس أنا لسه مروحتلهاش. كانت هنا معايا من كام يوم عشان تساعدني أرتب الشقة." حاول يضحك بس الضحكة مكنتش طالعة طبيعية.
أم عبدالله هزت راسها ببطء، من غير ما تبين إنها مصدقة أو لأ. "ربنا يكرمك يا ابني. بس خلي بالك من نفسك. السن ده سن طيش." قالتها بنبرة تحذيرية، كأنها بتوصل رسالة مبطنة. "يلا أنا همشي دلوقتي، ولو عوزت أي حاجة ناديلي." وخرجت أم عبدالله من الشقة، وسابت وراها جو متوتر وخوف أكبر. حمزة قفل الباب وراه بسرعة، وسند عليه وهو بياخد نفس طويل.
---
بعد ما أم عبدالله مشيت، حمزة دخل الأوضة لقى آية قاعدة بتعيط بصمت، وشها مدفون في المخدة. قرب منها وقعد جنبها على السرير، قلبه واجعه على خوفها. "خلاص يا روحي، هي مشيت. مفيش حاجة حصلت." حاول يطمنها وهو بيحاوطها بدراعيه.
آية رفعت وشها اللي كان كله دموع، عينيها حمرة ومنتفخة. "إحنا كده هنتفضح يا حمزة. أنا تعبت من الكذب والخوف ده. كل مرة بتيجي أم عبدالله دي بتفتش في الشقة كأنها مفتش مباحث. كلامها بيرعبني. أنا خلاص مش قادرة أستحمل." صوتها كان بيطلع متقطع، وجسمها كله بيرتعش.
حمزة مسح دموعها بإيديه. "اهدي بس، متخافيش. طول ما إحنا مع بعض محدش هيقدر يعملنا حاجة. هي بس بتحاول تتأكد من اللي في دماغها، بس إحنا أذكى منها." حاول يبان قوي ومسيطر، بس آية حست بالتوتر اللي في صوته.
"أذكى منها إيه؟" آية صرخت فيه فجأة، صوتها عالي ومخنوق. "إحنا بنكدب كل يوم، بنكدب على أصحابنا، على أهالينا، على كل الناس. أنا حاسة إن الحبل بيضيق حوالينا. لو أهلنا عرفوا إن أم عبدالله شاكة فينا كل ده هيعملوا إيه؟" قعدت تضرب على صدره وهي بتعيط. "أنا خايفة أوي يا حمزة، خايفة إنك تتخنق مني ومن الوضع ده وتسيبني في الآخر." دي كانت أول خناقة حقيقية بينهم، نابعة من خوفها المتراكم.
حمزة بعد إيديها الاتنين عن صدره ومسك وشها بين كفوف إيديه، عينيها في عينيها. "عمري ما هسيبك يا آية. إنتي مراتي وحبيبتي. إنتي كل حاجة ليا." صوته كان حنين بس باين عليه الإرهاق. "أنا عارف إن الموقف صعب وإن الكذب ده مرهق، بس ده كان الاتفاق. إحنا اللي قررنا نحافظ على سر جوازنا لحد ما الوقت المناسب ييجي. دي الفترة اللي لازم نكون فيها أقوى عشان نقدر نعديها. أنا جنبك ومش هسيبك أبدًا."
الكلام كان مريح، بس الخوف كان لسه مالك قلبها. حست إنها بتدفع تمن قرارهم ده لوحدها. حست إنها أضعف منه، وإنها هي الطرف اللي هيخسر أكتر لو السر ده اتفضح. مسكت إيديه وهي بتعيط بهدوء. "بس أنا بتوجع يا حمزة. كل يوم بيعدي عليا بخوف جديد. نظرات أروى في المدرسة، كلام أم عبدالله. كل حاجة بتخليني حاسة إني على وشك الانهيار. أنا مكنتش متخيلة إن الموضوع هيبقى بالصعوبة دي."
حمزة سحبها لحضنه بقوة، ودفن وشه في شعرها. "معلش يا روحي. كله هيعدي. إحنا هنبني حياتنا مع بعض، وهنكون أقوى من أي حاجة. بس محتاجين نصبر شوية." فضل يطبطب على ضهرها لحد ما هدت دموعها، واستسلمت لحضنه الدافي اللي كان الملجأ الوحيد ليها من كل الخوف اللي جواها.
---
عدت شهور طويلة على الموقف ده. شهور مليانة بالتخفي والخوف والقلق، بس في نفس الوقت مليانة حب وتقارب. حياة آية وحمزة بقت بتتشكل حوالين سرهم الكبير. في المدرسة، كانوا طلاب عاديين، بيقعدوا جنب بعض في الحصص، بيضحكوا مع أصحابهم، بيعملوا الواجبات مع بعض. أروى فضلت ترمي تعليقاتها اللاذعة ونظراتها الشكاكة كل فترة، بس آية وحمزة بقوا أشطر في إخفاء أي تفاصيل ممكن تكشفهم. حمزة كان دايماً بيطمن آية وبيفهمها إن أروى بتغير منها بس. مريم كانت بتلاحظ اللمعة اللي في عيون آية والهدوء اللي بقى يسيطر عليها، بس كانت بتنسبه إن آية بقت أكبر وناضجة.
أما في بيتهم الصغير، كان العالم كله بيختفي. أول ما يرجعوا من المدرسة، الشنط بتترمي على الأرض، والكتب بتترمى على الكنبة، وقبل أي كلمة تتقال، حمزة كان بيحضن آية بقوة، بيسحبها لقلبه، كأنه بيعوضها عن كل لحظة كذب وتخفي عاشتها في اليوم. كانت اللحظات دي هي شحن طاقتهم، وهي اللي بتخليهم قادرين يكملوا. التقارب الجسدي بينهم أصبح روتين يومي، مش مجرد فعل، بل كان تعبير عن عمق العلاقة اللي بتربطهم، عن الأمان اللي آية بتلاقيه في أحضانه، عن الحب اللي مالهوش حدود.
كانت بتنسى الألم وبتستسلم لحضنه، بتحس إنها ملكة، وإن ده المكان الوحيد اللي تقدر تكون فيه على طبيعتها. بعد لحظات التقارب دي، كانوا بيقوموا يذاكروا، يحضروا أكلهم اللي بيطلبوه من بره غالبًا، يتكلموا عن يومهم، يخططوا لمستقبلهم. الأوضة الصغيرة شهدت أحلامهم وطموحاتهم، وشهدت خوفهم برضه. حمزة كان بيحكي لأهله إنه بيذاكر مع أصحابه، وإن عنده امتحانات كتير، ووالدته كانت بتصدقه وبتدعيله.
مرت سنة كاملة، وبعدها سنة تانية. آية وحمزة دخلوا الجامعة، ولسه سرهم موجود. الضغط زاد عليهم أكتر. في الجامعة، كانوا بيحاولوا يتجنبوا أي تجمعات ممكن تفضحهم. حمزة كان دايماً بيوصل آية للمحاضرات وبيروح يستناها، بس كانوا بيحاولوا يبانوا كأصحاب قريبين. لكن مع مرور الوقت، بقت نظرات أصحابهم، والهمسات اللي بتطلع حواليهم، بتبين إن الموضوع مبقاش سري زي الأول. أم عبدالله كانت لسه بتظهر من وقت للتاني، بس نظراتها بقت مليانة يأس، كأنها استسلمت إنها مش هتوصل لحاجة.
في ليلة من ليالي الشتا، كانوا قاعدين في شقتهم، المطر كان بينزل بغزارة على الشباك. آية كانت ساندة راسها على كتف حمزة وهو بيذاكر على اللابتوب. "يا حمزة.. أنا تعبت." قالتها بصوت واطي، "أنا عايزة أصحى في يوم وأكون حرة، عايزة أقول لكل الناس إنك جوزي. تعبت من إننا نخبي كل حاجة حلوة في حياتنا."
حمزة قفل اللابتوب وبصلها، حاسس بوجعها. "أنا كمان تعبت يا آية. بس إحنا اتفقنا نستنى لحد ما نخلص الكلية عشان نكون مستقلين تمامًا. متخافيش، فاضل القليل." حاول يطمنها، بس هو كمان كان باين عليه الإرهاق.
"لحد أمتى هنفضل كده؟" آية رفعت وشها وبصت في عيونه. "أنا حاسة إن لو استنينا أكتر من كده، السر ده هيطولنا وهيدمرنا. أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده، يا إما نعلن جوازنا دلوقتي، يا إما..."
قبل ما تكمل كلامها، جرس الباب رن. رنة طويلة ومستمرة، أقوى من أي رنة قبل كده. آية وحمزة بصوا لبعض بصدمة، عيونهم بتقول نفس الكلمة: "مين؟" الصوت ده كان مختلف، مكنش رنة أم عبدالله المترددة. الصوت ده كان مليان إصرار، كأن اللي ورا الباب كان عارف كل حاجة، وجاي عشان ينهي السر ده للأبد. حمزة قام من مكانه وهو قلبه بيدق بعنف، متوقع أسوأ الاحتمالات. آية مسكت إيديه برجفة، وشها مخطوف، بس حمزة ساب إيدها وراح ناحية الباب، وهو عارف إن اللحظة اللي خافوا منها طول عمرهم خلاص جت. مد إيده ناحية المقبض، بيفتحه ببطء، وفي اللحظة اللي فتح فيها الباب على مصراعيه، سمع صوت مفاجئ قطع الصمت المليء بالمطر، صوت والده وهو بيقولها بوضوح:
"إيه اللي بتعمله هنا يا حمزة؟ ومين اللي معاك؟"