Chapter 2

Chapter 2 of 3

Chapter 2: نظرة خالة

1.3k words

حمزة! صوت أية كان واطي، بس مليان لوم. إيدها لمست دراعه اللي كان مشدود زي الحبل. حمزة كان لسه باصص ناحية الشارع اللي خالته مشيت فيه بالعربية القديمة بتاعتها. وشه كان أحمر من الغضب أو الإحراج، يمكن الاتنين. إيه اللي جابها دلوقتي؟ هي بتظهر من تحت الأرض؟ أية سحبت إيدها ونفخت بضيق. مش وقتها يا حمزة. هي خلاص مشيت. لف ناحيتها، عينه كانت بتدور في وشها كأنها بتدور على إجابة لأسئلة كتير مالية دماغه. مش وقتها إيه؟ هي ما بتسيبنيش أتنفس. كل مرة أحاول أقول حاجة، تطلع لي زي العفريت. كانت الشمس بدأت تميل للغروب، رامية ضلها طويل على الأرضية اللي قدام البيت. البيت اللي كان شاهد على طفولتهم سوا، وعلى كل حاجة في حياتهم بعد ما أهلهم مشيوا. أية مدت إيدها تاني، بس المرة دي حطتها على كتفه بحنان. خلاص يا حمزة. هي قلقانة عليك. هز راسه باستهزاء. قلقانة عليا ولا قلقانة عليا أنا وأنتِ يا أية؟ هي بتشوفك زي الخطر اللي بيهدد وجودي. ضحكة خفيفة طلعت من أية. ضحكة كانت بترن في ودانه زي أحلى مزيكا. هي عارفة إنك غالي عليها. وأنا كمان غالية عليها، بس هي بتخاف عليك زيادة عن اللزوم. بص في عينيها. كانت عينيها بتلمع بلون القهوة الداكنة، بتعكس صورة السما اللي بدأت تلون بالبرتقالي والأحمر. كان نفسه يقولها كل اللي حاسس بيه. كل الكلمات اللي كانت واقفة على طرف لسانه من ساعة ما كانوا في المدرسة، ومن قبلها بكتير. يا أية... قاطعته. يلا ندخل، الجو بدا يسقع. حس إن الكلمات رجعت تاني لزوره، سدت طريقه. تنهد وهو بيفتح باب البيت الخشبي القديم. ريحة أكل خفيفة كانت مالية المكان، ريحة كانت دايماً بتريحه وتفكره إن ده بيتهم. بيتهم هما الاتنين. دخلت أية قبله، حركتها كانت خفيفة زي نسمة هوا. حطت شنطتها على الكنبة القديمة اللي في الصالة. هو دخل وراها، لسه ماسك شنطتها. حطها جنب شنطتها. هي قالتلك حاجة؟ سألها وهو بيقلع الجزمة الكاوتش بتاعته. لفت وشها ليه، ابتسامة خفيفة على شفايفها. لا، بس نظراتها كانت كفيلة. كانت بتقولي إيه اللي بيحصل هنا؟ قعد على الكنبة، سند راسه لورا، بص للسقف اللي كان فيه لمبة واحدة بتنور الصالة. أنا تعبت من خنقتها. عايز أعيش حياتي زي أي حد طبيعي. أية قعدت جنبه، مسافة صغيرة كانت بينهم، مسافة كانت بتختفي كتير أوي بين كل حركة وتانية. هتعدي يا حمزة. كل حاجة بتعدي. وإيه اللي هيعدي؟ بص لها تاني. إيه اللي هيعدي لما تبقى كل مرة عايز أقولك فيها حاجة تطلعلي عقبة؟ صمت خيم للحظة. الصمت اللي كان بيجمع بين التوتر والرغبة. كان دايماً فيه صمت كده ما بينهم. صمت مليان كلام مش بيتقال. أية مالت ناحيته شوية، خصلة من شعرها وقعت على كتفه. ريحة شامبو الفاكهة اللي كانت بتستخدمه ضربت في أنفه. ريحة كانت مميزة ليها، ريحة بتفكروا بيها في كل وقت. ايه اللي عايز تقوله يا حمزة؟ صوتها كان هامس، كأنها بتدعوه للكلام. مد إيده، وحس بكهربا خفيفة لما صوابعه لمست دراعها. كان عايز يمسك إيدها، عايز يحط كف إيده على وشها، عايز يعمل أي حاجة تقلل المسافة اللي بينهم. أنا... فجأة، رن جرس الباب. رنته كانت قوية ومفاجئة، قطعت اللحظة اللي كانت بتحصل بين إيديهم وعينيهم. حمزة فزع، سحب إيده بسرعة كأنها اتلسعت. مين ده دلوقتي؟ أية اتعدلت، عينيها بتوسع من الدهشة. مش عارفة. أنا ما كنتش مستنية حد. --- قام حمزة بسرعة ناحية الباب، وهو بيحس بخنقة تانية. هو مفيش يوم هيعدي طبيعي؟ مفيش لحظة هدوء يعرف فيها يجمع أفكاره؟ بص في فتحة الباب الضيقة، شاف ظل غريب واقف بره. الظل كان أطول من أي حد يعرفه، وبشكل غريب كان باين عليه إنه مش غريب عن البيت. لدرجة إن حمزة حس إن ده ممكن يكون حد يعرفه كويس. قلبه دق بسرعة وهو بيفتح الباب ببطء. كان بيستعد لأي مفاجأة، بس اللي شافه ما كانش متوقعه خالص. وقف على عتبة الباب راجل طويل، لابس بدلة كحلي غامقة. وشه كان مألوف بطريقة غريبة، بس حمزة ماقدرش يفتكر شافه فين. الراجل كان شايل شنطة جلد كبيرة في إيده، وباصص لحمزة بنظرة هادئة بس فيها حزم. السلام عليكم. صوته كان عميق ورخم، بيحرك هوا الصالة. حمزة ماقدرش يرد، الكلمات كانت واقفة في زوره. مين حضرتك؟ طلع الكلام بصعوبة. الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، بس ما وصلتش لعينيه. أنا كنت مستني دعوتك. أنا وكيل أعمال والدك الله يرحمه. ممكن أدخل؟ حمزة حس إن الأرض بتلف بيه. وكيل أعمال والده؟ إيه اللي جابه دلوقتي؟ وليه ما سمعش عنه قبل كده؟ بص لأية اللي كانت واقفة وراه، عينيها بتسأل زي عينه بالظبط. أية، الراجل ده بيقول إنه... أية خطت خطوتين لقدام، بصت للراجل بتفحص. وكيل أعمال والدي؟ ليه مكنش فيه أي تواصل بينا قبل كده؟ الراجل اتنهد، كأنه متوقع الأسئلة دي. كان فيه ظروف. ظروف خاصة جداً. أنا هنا بناءً على وصية والدك. فيه حاجات مهمة لازم أبلغكم بيها. نظرة حمزة وأية اتلاقت، نظرة مليانة دهشة وخوف. وصية؟ إيه الوصية دي؟ أية شارت بإيدها للراجل يدخل. اتفضل. الراجل دخل البيت، ريحته كانت غريبة شوية، ريحة برفان رجالي فخم ممزوج بريحة ورق قديم. بص حواليه في الصالة، نظرة عابرة لكل ركن، كأنه بيقارن الصورة اللي في دماغه بالواقع. حمزة قفل الباب وراه، لسه عقله بيحاول يستوعب اللي بيحصل. كل كلمة قالها الراجل كانت بترن في ودانه زي صدى كابوس. ليه دلوقتي؟ ليه بعد كل السنين دي؟ الراجل قعد على الكنبة القديمة اللي في الصالة، حط الشنطة الجلد جنبه. بص لحمزة وأية اللي كانوا واقفين قدامه، كل واحد فيهم بيحاول يلقط أي إجابة من ملامحه الهادية. أنا آسف إني جيت فجأة كده. بس الظروف فرضت عليا كده. حمزة كان عايز يسأله عن الظروف دي، عن كل حاجة. بس صوته كان خانقه. أية كانت اللي أقوى منه في اللحظة دي. إيه الوصية يا أستاذ؟ الراجل فتح شنطته بهدوء، طلع منها ظرف بني سميك. ده فيه وصية والدكم. وفيه كمان تفاصيل عن ممتلكات، وأسهم، وحاجات تانية كتير. ممتلكات؟ أسهم؟ الكلمات دي كانت غريبة على ودن حمزة وأية. كانوا عايشين على معاش والدهم البسيط، وعلى الشغل اللي حمزة كان بيعمله بعد المدرسة. مفيش أي حاجة في حياتهم كانت بتدل إنهم ممكن يكون عندهم ممتلكات أو أسهم. الراجل كمل كلامه، وكأنه بيقرأ أفكارهم. والدكم كان بيخطط لحاجات كتير في صمت. كان عايز يأمن مستقبلكم بشكل كامل. لكن... قطع كلامه فجأة، وبص لحمزة بنظرة غريبة. نظرة حمزة حس إنها بتخفي وراها حاجات كتير. لكن إيه؟ صوت أية كان متلهف. الراجل رجع بضهره على الكنبة، بص للسقف للحظة كأنه بيجمع أفكاره. لكن فيه شرط. --- شرط؟ حمزة حس إن دي كلمة ممكن تقلب حياتهم كلها. إيه هو الشرط ده؟ الراجل بص لهم بنظرة ثاقبة. الشرط بسيط. بس ممكن يكون صعب عليكم. والدكم في وصيته، حدد إن كل ممتلكاته دي، مش هتكون ملككم غير لما تتجوزوا. الكلام نزل على حمزة وأية زي الصاعقة. حمزة حس إن ودنه بتصفر. يتجوزوا؟ هما الاتنين؟ إزاي؟ وليه؟ أية كانت بتفتح بقها وتقفله من غير ما يطلع أي صوت. وشها كان ابيض، وعينيها كانت بتلمع بالدهشة. حمزة حاول يستجمع قوته. يتجوز مين بالظبط يا أستاذ؟ الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، بس المرة دي كانت فيها لمحة تحدي. تتجوزوا بعض. أية اتصدمت. بعض؟ يعني إيه بعض؟ إيه الكلام ده؟ حمزة كان حاسس إن دماغه هتنفجر. إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ أنا وأية؟ احنا إخوات. الراجل رفع حاجبه. وصية والدكم بتقول غير كده. بتقول إنه كان مخطط لكل ده من زمان. كان شايف إنكم أنسب اتنين لبعض. كان بيحبكم أنتوا الاتنين أكتر من حياته. وكان عارف إن لو كل واحد فيكم راح في طريق، ممكن كل اللي بناه يضيع. وصية والدنا؟ حمزة ماقدرش يستوعب. ليه يعمل كده؟ ليه ميتكلمش معانا؟ أية كانت ساكتة خالص، كأنها في عالم تاني. الكلام كان أكبر من إنها تستوعبه. تتجوز حمزة؟ حمزة اللي كانت بتشوفه أخوها، سندها، رفيقها في الوحدة. حمزة اللي كانت بتحس ناحيته بمشاعر مش مفهومة، مشاعر كانت بتحاول دايماً تدفنها. الراجل كمل كلامه بهدوء. هو كان عارف إنكم هتحسوا بكده. عشان كده ساب لي رسالة خاصة ليكم. رسالة يشرح فيها كل حاجة. الرسالة كانت في نفس الظرف البني. حمزة مد إيده وهو متردد، سحب الظرف. إيده كانت بتترعش. قلبه كان بيدق زي الطبول. فتح الظرف ببطء، وطلع منه ورقة مكتوبة بخط أبوه اللي كان بيعرفه كويس. خط كانت بتملى كل حرف فيه حنان وحكمة. أية قربت منه، عينيها بتتابع كل حركة. كانت عايزة تقرا زي ما هو بيقرا بالظبط. كلمات الأب كانت بتظهر على الورقة، بتغير كل حاجة كانوا فاكرينها عن حياتهم.

End of Chapter 2