Chapter 1

Chapter 1 of 3

Chapter 1: أول لمسة

1.2k words

كانت الشمس بتودع اليوم، بترمي ضلها الطويل على سور المدرسة اللي لونها باهت. حمزة كان ساند على السور، شنطته على كتفه، عينه بتلف على الزحمة اللي طالعة من البوابة. صوت الضحك والكلام كان مالي الجو، بس هو كان بيدور على صوت واحد بس. قلبة كان بينبض أسرع كل ما زحمة البنات تطلع، وكأنه بيستنى إشارة. لمحها وهي بتطلع من البوابة مع مريم وأروى. أية. كانت لابسة طرحة بيضا بتطير مع الهوا، عيونها بتلمع زي نجمتين. ضحكتها كانت بتنور الدنيا حواليها، وهو حس إن كل حاجة سكتت في لحظة. بقى شايفها هي بس، كأنها بتتحرك في فيلم بالأبيض والأسود، وهي الوحيدة اللي متلونة. "أيوة يا عم حمزة، سرحان في إيه؟" صوت عبد الله خبط ودنه، قطّع اللحظة اللي كان عايشها. حمزة اتنفض بخفة، بيبص لعبد الله اللي كان واقف جنبه وشه بيضحك. "ولا حاجة يا عبده، بفكر في امتحان الكيميا اللي جاي." قالها حمزة وهو بيحاول يبان طبيعي، مع إن الكيميا كانت آخر حاجة في باله. عبد الله ضحك وهو بيخبطه على كتفه. "يا عم سيبك من الكيميا دلوقتي، البنات أهم. شوفت أياد وعمر راحوا فين؟" حمزة لف وشه تاني ناحية أية، لقاها بصت ناحيته في نفس اللحظة. عينيهم اتقابلت ثواني معدودة، بس كانت كفيلة إنها تعمل جواه زلزال صغير. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وهو رد عليها بنفس الابتسامة اللي حس إنها وصلت لقلبه قبل شفايفه. كأنهم بيتكلموا بلغة محدش غيرهم بيفهمها. مريم كانت بتشد في كم أية، "يالا يا أية، عايزين نلحق درس الرياضة." أية هزت راسها وودعت مريم وأروى، وشاورتلهم إنها هتلحقهم. حمزة حس إن دي فرصته. "حمزة، أنا هشوف عمر فين وأجيلك." قال عبد الله وهو بيمشي. حمزة هز راسه وسابه، عينه لسه متابعة أية وهي بتقرب منه. قلبه كان بيدق طبول حرب، إيه اللي هيقوله؟ ولا حاجة، هو بس عايز يمشي جنبها. "يا حمزة، إزيك؟" صوتها وصل لودنه، كان ناعم زي النسمة. "الحمد لله يا أية، انتي عاملة إيه؟" حاول صوته يطلع ثابت، بس حس إن فيه رعشة صغيرة. "تمام. رايح درس الرياضة؟" سألته وهي بتعدي من جنبه، بس ما كملتش مشي، كأنها مستنياه يمشي معاها. "آه، لسه شوية على ميعاده بس ماشي في الطريق." قالها وهو بيبدأ يمشي جنبها، المسافة بينهم كانت قليلة، بس حس إنها أكبر مسافة قطعها في حياته. كانت ريحة البرفان بتاعها بتوصل لأنفه، ريحة هادية بس بتثبت في الذاكرة. "الكيميا كانت رخمة النهاردة، مش كده؟" قالت أية وهي بتبص في الأرض. "الصراحة اه. بس متقلقيش، أنا متأكد إنك حليتي كويس." قال حمزة، وهو بيبص عليها من طرف عينه. كانت خدودها احمرت شوية. "يعني إزاي، ما أنا كنت معاك في نفس الحصة!" قالت وهي بتضحك، ضحكتها اللي بتخليه يتوه. "أيوة بس انتي شاطرة يا أية، دايماً." قالها حمزة بصوت خفيف. حس إن الكلمة طلعت منه بصراحة زيادة عن اللزوم. سكتوا ثواني، بس السكوت ده كان مريح، مش محرج. حمزة كان بيتمنى الطريق ميتنتهيش أبداً، وإن اللحظة دي تفضل مستمرة. كان بيتمنى يقولها اللي جواه، بس كان خايف. خايف يخسر اللحظات الهادية دي، وخايف يخسرها هي كمان. --- كملوا مشي في الشارع اللي كان بدا يتملي ناس أكتر بعد ما الشمس غابت. نور أعمدة الشارع بدأت تنور، وترسم دوائر صفرا على الأسفلت. حمزة كان حاسس بكتفها بيلمس كتفه كل كام خطوة، لمسة عابرة بس كانت بتسيب أثر كهربا في جسمه كله. كانت شايلة شنطة كتبها على كتفها، شكلها كان تقيل. "الشنطة شكلها هتقطع كتفك." قال حمزة وهو بيبص عليها. "مش عايزاني أساعدك؟" أية بصت على الشنطة وابتسمت. "لا عادي يا حمزة، متعودة." بس كان في صوت خفيف في نبرتها بيدل على إنها كانت تعبانة. "لا بجد، هاتها." قال حمزة وهو بيمد إيده ناحية الشنطة. قبل ما تعترض، كان سحبها من على كتفها وحطها على كتفه هو. كانت الشنطة أتقل مما توقع، بس هو كان مبسوط إنها معاه. "متشكرة أوي يا حمزة." قالت أية، صوتها كان فيه امتنان حقيقي. كانت بتبص عليه، وحمزة حس إن في عينيها حاجة غير الشكر. حاجة دافية، بتخليه ينسى أي تعب. "ولا يهمك. مفيش تعب بين الصحاب." قال حمزة، الكلمة الأخيرة 'الصحاب' كانت بتخبط جواه، عايز يقولها حاجة تانية غير صحاب. مشوا شوية في صمت مريح تاني. الشارع كان فيه محلات فاتحة وأنوارها بتلعب على وشوش الناس. ريحة الفول والطعمية كانت بتيجي من عربية على ناصية الشارع، وريحة الورد من محل زرع كان معديين من جنبه. كانت أية بتبص على المحلات، ومرة واحدة وقفت عند محل فيه فساتين عرض. "بص الفستان ده حلو أوي." قالت وهي بتشاور على فستان أزرق هادي. حمزة وقف جنبها، وبص على الفستان. "حلو أه، بس مش أحلى منك." الكلمة طلعت منه من غير تفكير. أول ما قالها، حس إنه عايز يخبط نفسه. إيه اللي قاله ده؟ أية بصت عليه، وعينيها كانت بتلمع أكتر. ضحكت بخفة، وحمزة حس إن قلبه ممكن يقع من مكانه. "إيه يا حمزة؟" قالت وهي بتبتسم. "ها؟ ولا حاجة، قصدي يعني الفستان حلو عليكي أكتر. لا أقصد إنه هيبقى حلو عليكي." حمزة كان بيحاول يصلح كلامه، بس كان بيتورط أكتر. أية ضحكت تاني، بس المرة دي ضحكتها كانت فيها دفا أكتر. "ميرسي يا حمزة." قالتها بصوت واطي. كملوا مشي، والجو بينهم كان بقى أدفى. كانت أول مرة يحسوا بالدفا ده وهما لوحدهم. حمزة حس إن دي اللحظة الصح. عايز يقولها إنه بيحبها، إنه بيحلم بيها كل يوم، إنه نفسه تبقى جمبه طول العمر. بس الكلمات كانت بتقف في زوره. "أية..." قالها حمزة بصوت خفيف. "نعم؟" ردت أية وهي بترفع وشها تبصله. "أنا..." حمزة غمض عينيه ثانية، بيجمع شجاعته. "أنا كنت عايز أقولك على حاجة." أية فضلت باصة عليه، من غير ما تتكلم، كأنها بتستنى. حمزة حس إن دي اللحظة الحاسمة. يا إما يقولها، يا إما الفرصة دي هتضيع منه للأبد. "أية، أنا بحب..." --- قبل ما يكمل حمزة كلامه، رن تليفون أية. اتفزع حمزة من الصوت المفاجئ. أية بصت على شاشة التليفون، وابتسامتها اختفت شوية. "دي ماما." قالت أية وهي بتفتح الخط. "أيوة يا ماما... اه أنا في الطريق... لا يا ماما مفيش حاجة... طيب ماشي... نص ساعة وهكون عندك." قفلت أية التليفون وبصت لحمزة بأسف. "ماما مستعجلاني. الظاهر فيه ضيوف جايين." حمزة حس بخيبة أمل حادة. الكلمات اللي كانت على طرف لسانه رجعت تاني واستقرت في زوره، أتقل من الرصاص. الفرصة ضاعت. "تمام." قال حمزة بصوت مجهد، بيحاول يداري إحباطه. "هتسيبني أمشي لوحدي دلوقتي؟" سألته أية وهي بتبص على الشنطة اللي على كتفه. حمزة فاق لنفسه بسرعة. "لا طبعاً. أنا هوصلك لحد البيت." مشوا باقي الطريق في صمت، الصمت المرة دي كان مختلف. كان مليان بكلام ملقالهاش فرصة تطلع. حمزة كان بيحاول يجمع أفكاره، هو ليه متكلمش من بدري؟ ليه دايماً بيستنى اللحظة الأخيرة؟ وصلوا لحد البيت بتاع أية. كانت عمارة قديمة شوية، بس شكلها لطيف. وقفوا قصاد الباب. "متشكرة أوي يا حمزة، على الشنطة وعلى توصيلك." قالت أية وهي بتبص عليه. كان في عينيها سؤال، وكأنها بتسأله إيه اللي كان عايز يقوله. حمزة مد إيده بالشنطة، بس قبل ما تسحبها، إيده لمست إيدها. لمسة خفيفة، بس حس بيها كأنها حجر وقع في بحيرة راكدة. عينيهم اتقابلت تاني، والمرة دي كانت النظرة أطول وأعمق. حمزة حس إنه غرقان في عينيها، وإن كل المشاكل اللي في الدنيا بتختفي لما بيبص عليها. "أية..." قالها بصوت خافت. "نعم؟" ردت أية وهي بترفع وشها تبصله. كانت نظرتها كلها ترقب. حمزة أخد نفس عميق، بيحاول يجمع شجاعته مرة أخيرة. "كنت عايز أقولك..." هو لسه مكملش كلامه، لحد ما سمع صوت من وراهم. "حمزة! إيه اللي موقفك هنا؟" الصوت كان صوت ست، نبرتها حادة ومليانة استغراب. حمزة لف وشه بسرعة، لقى ست كبيرة في السن، وشها مكشر، وعينيها بتفحص أية من فوق لتحت. كانت دي خالته، الست الوحيدة اللي فضلت له من أهله، واللي كانت بتعتبره ملكها الخاص. الصدمة خلت الكلمات تتجمد في زوره تاني، ونظرة خالته كانت بتطالبه بتفسير، كأن وجود أية جنبه كان جريمة.

End of Chapter 1

Previous
Next Chapter