Chapter 7 of 8

الفصل السابع: أتون النسيان

1.2k words

دفعت هند الباب الثقيل، فانفتح بصعوبة كأنه يئن، وكشف عن فضاء يعج بالضجيج والدخان. كانت حانة 'نهاية الطريق' كما يوحي اسمها، تقع في جزء مهمل من المدينة، حيث تتلاشى الأضواء وتتوارى الأرواح المتعبة. ضربتها رائحة كريهة ممزوجة بالبيرة الراكدة والسجائر الرخيصة والعطور الفجة التي لا تخفي شيئًا. التفتت حولها، فرأت الجدران المتقشرة، والطاولات الخشبية المتآكلة، والكراسي المكسوة بجلد باهت. الموسيقى الصاخبة كانت تخنق أي فرصة للتفكير، لكنها كانت بالضبط ما تبحث عنه. تزاحمت بين الأجساد المتمايلة في الممر الضيق، متجهة نحو المنضدة الطويلة. كان المكان يغص بالرواد؛ رجال بوجوه مرهقة يتبادلون النكات بصوت عالٍ، ونساء بضحكات مصطنعة يملأن الأجواء بالثرثرة. لم يلحظها أحد في البداية، لكن سرعان ما بدأت بعض العيون تتجه نحوها. كانت ترتدي معطفًا داكنًا فوق فستان بسيط، لكن جمالها الطبيعي كان يفرض نفسه حتى في هذا المكان المظلم. شعرت بثقل نظراتهم، لكنها تجاهلتها، فهدفها الوحيد كان الهروب من الواقع ولو لساعة واحدة. جلست على مقعد مرتفع، بالكاد وجدت مكانًا، ورفعت يدها لتلفت انتباه النادل. كان رجلاً ضخمًا ذا شارب كثيف، يمسح المنضدة بخرقة متسخة. "ماذا تريدين؟" سأل بصوت خشن، دون أن يرفع عينيه إليها. "زجاجة ويسكي. من النوع القوي." أجابت بهدوء، محاولة أن تبدو أكثر ثقة مما هي عليه. وضع الزجاجة وكأسًا أمامها دون كلمة إضافية، وعاد لخدمة زبون آخر. أمسكت هند الزجاجة الباردة، وشعرت ببعض الاطمئنان الكاذب. لم تعتد على شرب الكحول، لكنها في تلك اللحظة لم تهتم. صبت كمية كبيرة في الكأس، ورفعتها إلى شفتيها. كان الشراب ينزل ببطء، يحرق حلقها ثم معدتها، لكنها رحبت بهذا الألم الجديد. كان حريقًا يطهرها، يمحو الأفكار السوداء التي كانت تسيطر عليها. كأس بعد كأس، بدأت تشعر بالدوار الخفيف. كانت الحرارة تنتشر في جسدها، تخدر عقلها، وتجعل همومها تتلاشى تدريجيًا. كانت تلك هي اللحظات التي طالما حلمت بها، لحظات بلا أفكار، بلا قرارات، بلا ندم. لم يمض وقت طويل حتى حاول أحد الرجال الجالسين بالقرب منها الاقتراب. "ألا تجلسين وحيدة يا جميلة؟" قال بصوت حاول أن يكون جذابًا، لكنه بدا مبتذلاً. رفعت هند رأسها ببطء، ونظرت إليه بعينين بدأتا تلمعان بسبب الكحول. "أنا بخير هكذا." ردت ببرود، وعادت لتركز على كأسها. لم ييأس الرجل، وحاول مرة أخرى، لكنها تجاهلته تمامًا، ففهم الرسالة وتراجع مبتسمًا بسخرية. كانت هند قد فقدت إحساسها بالزمن. كانت الشفاه الحارقة تتبعها، لكنها كانت تدفعها بعيدًا بجرعات متتالية من الويسكي. شعرت بأنها تطفو، بأن كل شيء حولها أصبح ضبابيًا وغير واقعي. لم يعد هناك حمل، ولا مالك، ولا مستشفى، ولا نظرات لوم من المجتمع. كان هناك فقط هذا الشعور بالحرية المزيفة، والحرقة التي تعانق معدتها. لكن حتى في أتون النسيان هذا، لم تستطع الهروب تمامًا. بدأ إحساس خفيف بالغثيان يتسلل إليها، كأنه تذكير لعين بأن شيئًا ما بداخلها يرفض أن يُنسى. --- ازداد الغثيان شدة، وبدأ يتصاعد من عمق معدتها ليضرب بقوة في حلقها. جاهدت هند لمقاومته، لكن جسدها كان يخونها. كان الدوار يعصف برأسها، وكل شيء حولها يدور. أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتهما، فرأت الأضواء المتدلية من السقف تتراقص كأنها نجوم مضطربة. نهضت بصعوبة من مقعدها، تتمايل كشجرة في مهب الريح. كان الحمل اللعين يطاردها حتى في سكرها، كأنه شبح يرفض أن يتركها وشأنها. دفعت جسدها المترنح بين الطاولات المزدحمة، ويداها ترتكزان على الأكتاف العابرة للحفاظ على توازنها. التقطت بعض النظرات المستغربة، لكنها لم تبالِ. كان هدفها الوحيد هو الوصول إلى الحمام قبل أن تتقيأ في منتصف الحانة. كانت الخطوات ثقيلة، والرؤية مشوشة. شعرت بقطرات العرق تتجمع على جبينها البارد، رغم الحرارة التي كانت تشتعل داخلها. كلما اقتربت من الحمام، زادت حدة الغثيان، وكأن رائحة الكحول التي كانت تطفح بها تتضاعف. وصلت أخيرًا إلى باب الحمام المتهالك، ودفعته بقوة. كان المكان أصغر وأكثر قذارة مما توقعت. رائحة كريهة من المنظفات الرخيصة والبول كانت تملأ المكان. لم يكن هناك وقت للاشتمئزاز. انحنت هند بسرعة فوق المرحاض، وراحت تتقيأ بعنف. خرج كل ما في معدتها في دفعات قوية، الكحول الحارقة والأطعمة التي تناولتها في وقت سابق. كانت كل دفعة تهز جسدها بالكامل، وتجعل رأسها يضرب بجدار الحمام البارد. كان التقيؤ ينهكها، ويسحب منها آخر رمق من طاقتها. دموع لا إرادية انهمرت من عينيها، ممزوجة بالعرق. شعرت بضعف شديد، وبأنها أصبحت مجرد قشرة فارغة. رفعت رأسها بصعوبة، ونظرت إلى وجهها في المرآة المتصدعة فوق المغسلة. كان خدها أحمرين ملتهبين، وشعرها الأشعث يلتصق بجبهتها. عيناها كانتا حمراوين ومنتفختين، تعكسان مزيجًا من السكر والتعب واليأس. كانت امرأة محطمة، فقدت السيطرة على كل شيء في حياتها. لم يكن هذا هو النسيان الذي كانت تبحث عنه. كان هذا هو التذكير الأقوى. حتى الكحول، هذا السائل الخادع الذي وعدها بالراحة، لم يستطع أن يخفي الحقيقة. كان الحمل يصرخ بوجوده، يفرض نفسه عليها بقوة لا تقاوم. شعرت بمرارة لاذعة في فمها، وفي روحها. أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تستجمع قواها المتبقية. كان عليها أن تغادر هذا المكان. كان عليها أن تواجه ما ينتظرها، مهما كان مؤلمًا. --- غسلت هند وجهها بالماء البارد الذي خرج من الصنبور الصدئ، محاولة إزالة آثار الكحول والتقيؤ. شعرت ببعض الانتعاش، لكن الدوار لم يغادرها تمامًا. تأرجحت وهي تفتح الباب وتخرج من الحمام، لتعود إلى عالم الضجيج والدخان. كانت تدرك أن عليها المغادرة، وأن محاولة الهروب هذه كانت فاشلة. لم تكن الكحول هي الحل، ولم يكن النسيان ممكنًا. كانت تمشي ببطء، خطواتها لا تزال غير ثابتة، تتجنب الأجساد المتمايلة. كانت تبحث عن باب الخروج، عن نسمة هواء نقي. مرت بجوار مجموعة من الرجال يجلسون حول طاولة مربعة، يتحدثون بصوت خافت. لم تكن تنوي الاستماع، لكن كلمة واحدة اخترقت ضباب سكرها، كلمة جعلت جسدها يتصلب، ودمها يتجمد في عروقها. "... مالك." قال أحدهم، وضحكة خافتة تبعتها. توقفت هند تمامًا، وكأن أحدهم سكب عليها ماءً باردًا. لم يكن هناك خطأ في السمع. الاسم الذي حاولت دفنه بعيدًا، الاسم الذي كان سبب كل هذه الفوضى، قد نُطق في هذا المكان غير المتوقع. استدارت ببطء، محاولة رؤية وجوه المتحدثين من خلال الظلام والدخان. لم تستطع رؤيتهم بوضوح، لكن صوت أحدهم بدا مألوفًا بشكل غريب. تجاهلت الدوار، وتجاهلت الغثيان. كل حواسها كانت مركزة على تلك الطاولة. "سمعت أنه ألغى سفره الأسبوع الماضي." قال صوت آخر، يبدو أكثر جدية. "كان من المفترض أن يذهب إلى باريس للقاء خطيبته." أضاف ثالث. انقبض قلب هند. باريس، خطيبته... كانت تتذكر تفاصيل تلك الليلة اللعينة. كانت تتذكر حديث مالك عن خطيبته التي أجلت زواجها. لم تكن تتوقع أن تجد أي رابط بينه وبين هذا المكان البائس. بدأت تشعر بالخوف يزحف إلى داخلها، باردًا كالثلج. هل كان مجرد تشابه أسماء؟ أم أن هناك رابطًا ما؟ هل يمكن أن يكون هؤلاء الرجال يعرفونه؟ الأسئلة تجمعت في عقلها المخدّر. تقدمت خطوة غير محسوبة، كادت تسقط، فأمسك بها أحدهم من ذراعها. "هل أنت بخير يا آنسة؟" سأل رجل يبدو أكبر سنًا، بعينين حادتين تنظران إليها بتفحص. سحبت هند ذراعها بسرعة، لكن عينيها لم تفارقا الطاولة التي سمعت منها اسم "مالك". كانت تعلم أنها يجب أن ترحل، أن تبتعد عن هذا المكان وعن هذه المحادثة الخطيرة. لكن فضولها، أو ربما خوفها، قيد قدميها. كانت هناك رابطة ما بين هؤلاء الرجال ومالك، وهذا يعني أن سرها قد يكون في خطر أكبر مما تخيلت. بينما كانت تتصارع مع نفسها، لمح أحد الرجال الجالسين على تلك الطاولة، الذي لم يكن قد نطق بكلمة حتى الآن، ينظر إليها مباشرة. كانت عيناه ضيقتين، وتعبيره خالٍ من أي عاطفة. لم يكن وجهًا مألوفًا لها، لكن الطريقة التي نظر بها، كأنه يرى شيئًا غير عادي، جعلت عمودها الفقري يرتعش. من كان هذا الرجل؟ ولماذا ينظر إليها بهذه الطريقة التي لم تتغير حتى عندما التقت عيناهما ببعضهما؟

End of Chapter 7