كانت يداها ترتجفان وهي تمسك بتقرير التحليل، الكلمات المطبوعة تتراقص أمام عينيها، "حامل". لم يكن مجرد خبر، بل كان إعصارًا يجتاح كل ما بنته في حياتها. سقطت على ركبتيها في وسط صالة شقتها، لا الدموع تجد طريقًا للخروج، بل صرخة صامتة تمزق دواخلها. كيف؟ كيف حدث هذا؟ ليلة واحدة، ليلة واحدة كانت كفيلة بتدمير عالمها المستقر.
تذكرت مالك، وجهه البارد، كلماته القاسية، خطيبته لينا. لم يكن له مكان في هذه الفوضى، ولا هي كانت تنوي أن تكون جزءًا من عالمه. لقد كان ذلك خطأ، غلطة فادحة، فليلة ماجنة على متن سفينة أبحرت بحياتها إلى المجهول. لا يمكنها أن تخبره. كيف يمكنها أن تواجه ذلك الرجل المتغطرس بهذه الحقيقة؟ رجل كان على وشك الزواج، رجل نظر إليها كصفقة تُنهى ببعض المال. لن يتقبلها، ولن يتقبل طفلها.
ارتفعت من الأرض كمن لدغتها أفعى، نظرت حولها إلى شقتها التي كانت بالأمس ملاذها الآمن، والآن أصبحت سجنًا يضيق عليها. غضبٌ عارم بدأ يتكون في صدرها، يغلي كالحمم البركانية. لم يكن غضبًا على مالك بقدر ما كان غضبًا على نفسها، على تهورها، على ضعفها في تلك الليلة المشؤومة. كيف سمحت لنفسها بالانجراف؟ كيف خسرت كل شيء بهذه السهولة؟
توسعت عيناها المليئتان بالدموع والغضب، التقطت أقرب شيء إليها، مزهرية كريستالية كانت هدية من والدتها، رمتها بقوة على الجدار المقابل. تحطمت الزهرية إلى آلاف الشظايا، دوي صوتها الرنان اخترق صمت الشقة. تبعتها لوحة فنية صغيرة، ثم وسادة زينة مزقتها بأظافرها. شعرت وكأن نارًا حارقة تشتعل داخلها، تحرق كل ذرة هدوء أو عقلانية.
كانت كل قطعة تتحطم تعكس جزءًا من حطام حياتها. لا، لن تسمح لهذا بالحدوث. لن تسمح لهذا الحمل اللعين بتدمير مستقبلها. دراستها، وظيفتها كطبيبة، أحلامها التي بنتها بعناية. كلها ستتبخر في الهواء إذا عرف أي أحد. وخاصة عائلتها المحافظة. لن يغفروا لها هذا الخطأ أبدًا. لا، لم يكن هناك خيار آخر. الإجهاض كان قرارها الوحيد.
لكن الوخزة الخفيفة التي شعرت بها في بطنها قبل أيام، عادت لتؤرقها. هل كان ذلك الجنين؟ جزء منها؟ شعرت بقبضة باردة تعصر قلبها. كيف يمكنها أن تتخلى عن جزء منها؟ عن كائن لم ير النور بعد؟ تنازع بين العقل والقلب، صراعٌ شرس كانت هي ضحيته الوحيدة. لكن العقل انتصر بقسوة، لا مكان للعاطفة الآن.
---
ارتدت معطفها الأسود بسرعة، مفاتيح سيارتها في يدها، واندفعت خارج الشقة كمن يهرب من شبح يطارده. لم تكن تعرف إلى أين تتجه، فقط أرادت الابتعاد عن هذه الجدران التي تشهد على انهيارها. ركبت سيارتها السوداء الفاخرة، محركها يدور بهدير خافت، لكن الضجيج داخل رأسها كان أعلى من أي صوت آخر. قادت بلا وعي، تتجاوز إشارات المرور والشوارع المزدحمة، كل ما تراه من حولها يبدو باهتًا، غريبًا.
كانت الأضواء تتراقص أمام عينيها كأشباح ليلية، والناس يسيرون في الشوارع وكأنهم مجرد ظلال لا معنى لها. كل منهم لديه حياته، مشاكله، سعادته، وهي وحدها من تحمل هذا الحمل الثقيل، هذا السر الذي يمزقها من الداخل. وصلت إلى شاطئ البحر، توقفت السيارة بعيدًا عن الأضواء، في مكان خالٍ لا يرتاده أحد في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل. خرجت من السيارة، تركت الباب مفتوحًا خلفها، رياح باردة صفعت وجهها، لكنها لم تشعر بها. كانت الخدر قد تملك كل حواسها.
مشيت نحو الأمواج المتلاطمة، صوتها الهادر كان كصوت صراخها الداخلي الذي لم يخرج بعد. وقفت على حافة الماء، والأمواج تلامس أطراف حذائها. نظرت إلى السماء المظلمة، لا نجوم تضيء عتمتها، فقط سحابة كثيفة تحجب كل بصيص أمل. رفعت يديها إلى السماء، ثم أطلقت العنان لما حبسته طوال هذه الساعات.
صرخة خرجت من أعماق صدرها، حادة، مؤلمة، ممزقة. لم تكن مجرد صرخة، بل كانت صرخة روح تتمزق، صرخة ألم وغضب ويأس. "لااااااااا!"، دوى صوتها في فراغ الليل، ممزوجًا بصوت الأمواج. انحنت على ركبتيها، ودفنت وجهها في راحتيها، وبدأت بالبكاء بصوت عالٍ، شهقاتها تختلط بزئير البحر. شعرت وكأن كل خلية في جسدها تتألم، وكأن هذا الألم سيمزقها إلى أشلاء.
لا يمكن أن تصبح أمًا. هذه الفكرة كانت تتردد في رأسها كصدى صوت أجوف. لا يمكنها أن تتحمل المسؤولية، لا يمكنها أن تضحي بكل شيء. لم تكن مستعدة، لم تكن ترغب في هذا. كانت حياتها مرتبة، مستقبلها مرسومًا بدقة، وهذا الخطأ الوحيد قلب كل الموازين. شعرت بالغضب يتقد فيها من جديد، غضبًا على القدر، على الظروف، على تلك الليلة اللعينة.
---
بعد أن استنفدت كل قواها في البكاء والصراخ، شعرت بالخدر يتسلل إلى أطرافها. لم يعد هناك دموع تذرفها، فقط فراغ مؤلم في صدرها. استقامت ببطء، خطواتها متثاقلة، كأنها تحمل أطنانًا من الحجر فوق كتفيها. كان وجهها شاحبًا، عيناها حمراوان ومنتفختان، لكن نظرتها تغيرت. لم تعد نظرة اليأس المطلق، بل نظرة تصميم بارد، تصميم على الهروب، على النسيان.
لم تعد تفكر في الإجهاض، ولا في مالك، ولا في المستقبل. كل ما أرادته هو أن تشعر بالخفة، أن تنسى ولو للحظة واحدة هذا الكابوس الذي تعيشه. عادت إلى سيارتها، لكن هذه المرة لم تقم بتشغيلها فورًا. جلست خلف المقود، يدها ترتفع إلى راديو السيارة، ثم تتوقف. الموسيقى لن تخمد هذا الضجيج الداخلي. ولا الصمت.
تذكرت فجأة مكانًا سمعت عنه، حانة صغيرة في أطراف المدينة، غالبًا ما تكون هادئة، يرتادها قلة من الناس. مكان يمكن أن يجد فيه المرء العزلة، والنسيان في قاع كأس. كانت فكرة غريبة، لم تكن من النوع الذي يرتاد الحانات، خاصة بمفردها. لكن الآن، لم يكن هناك قواعد، لم يعد هناك شيء يهم. كانت تبحث عن أي شيء يوقف هذا الألم، ولو مؤقتًا.
شغلت المحرك، ووجهت السيارة نحو ذلك المكان الغريب عنها، الذي لم تتخيل يومًا أنها ستطأه قدمها بهذه الطريقة. كانت تقود وكأنها تقاد بقوة خفية، بقوة اليأس والضياع. كل منعطف في الطريق كان يبعدها أكثر عن حياتها القديمة، ويدفعها نحو المجهول. وصلت إلى الشارع الذي توجد فيه الحانة، كان شارعًا جانبيًا، أضواؤه خافتة، والمباني تبدو قديمة ومهملة. لم تكن تتوقع مكانًا فخمًا، لكن هذا كان أكثر كآبة مما تخيلت.
توقفت السيارة أمام واجهة زجاجية صغيرة مضاءة بخفوت، لافتة خشبية قديمة تحمل اسمًا شبه ممحي "نهاية الطريق". أطفأت المحرك، جلست للحظة، ترقب المكان. لم يكن هناك الكثير من الحركة في الخارج. تنفست بعمق، ثم فتحت باب السيارة. نزلت منها، وصوت كعب حذائها يكسر صمت الليل. نظرت إلى باب الحانة الخشبي الثقيل، ثم رفعت يدها لتفتحه، وعقلها يدور في دوامة من التساؤلات، ما الذي تفعله؟ ما الذي ستجده في الداخل؟