Chapter 8 of 8
الفصل الثامن: أشباح السكر
1.6k words
عادت هند تترنح من حمام البار إلى طاولتها المهجورة تقريباً، وكأن جسدها يرفض أن يستقيم. ارتطمت ركبتها بحافة الكرسي المعدني، فأطلقت شهقة خافتة ابتلعتها فوراً. كانت دقات قلبها تتسارع، ليس فقط من الجهد، بل من الخوف الذي بدأ يتسلل إلى أطراف وعيها المشوش. جلست بانحدار مفاجئ، فارتجف الكأس الأخير على الطاولة، وكاد ينسكب. أمسكته يدها المرتعشة، وكأنها تتمسك بآخر خيط يربطها بهذا الواقع المائع. كان السائل الكهرماني يتلألأ تحت الإضاءة الخافتة للبار، وتبعث منه رائحة حادة، لكنها لم تعد تشعر بالغثيان الذي اعترى حلقها قبل دقائق. ربما تخدير الكحول أصبح أقوى من أي شعور آخر. جففت فمها بظهر كفها، وشعرت بحرارة غريبة في خديها، وكأنهما يشتعلان. رفعت الكأس ببطء، وكأنها تؤدي طقساً أخيراً، وأفرغته في حلقها بجرأة لم تكن لتجدها لو كانت يقظة تماماً. شعرت بالحرقة تنتشر في صدرها، ثم بدفء غريب، وكأنها تبتلع لهيباً بارداً. أغشقت عيناها للحظة، ورأت الأضواء تتراقص حولها، تتحول إلى بقع ملونة ضبابية. لم تعد تميز الوجوه حولها، تحولت الأصوات إلى همهمات بعيدة، وكأنها محاصرة في فقاعة من السكون الصاخب. لم يتبق لها سوى طعم المرارة في فمها، وحرارة الكحول التي تغلغلت في كل خلية من جسدها. رفعت بصرها، أو ما ظنت أنه بصرها، باتجاه المجموعة التي كانت تتحدث عن مالك. بدت أصواتهم قريبة وبعيدة في آن واحد، كلمات تتشابك، تتسرب من بين الضجيج العام للبار. “...ألغى رحلة باريس... تأجيل الخطوبة ليس بالهين...” التقطت أذناها كلمات متقطعة، لكنها كانت كافية لتثير موجة من التساؤلات في عقلها المعتل. ماذا يعني تأجيل الخطوبة؟ ولماذا ألغى رحلته؟ هل له علاقة بما حدث؟ وهل يلاحقه شعور بالذنب؟ لا، مالك لا يعرف الذنب، هكذا أقنعت نفسها. كان وجهه البارد، وتهديده القاسي، يتردد صداهما في ذهنها. أغمضت عينيها بقوة، محاولة طرد الصورة، لكنها عادت أقوى وأكثر وضوحاً: مالك يحدق بها ببرود، يرمي الأوراق النقدية على الطاولة. شعرت بلسعة في قلبها، وكأن يدًا خفية تمسك به وتعتصره. فتحت عينيها، فوجدت الرجل الذي كان يحدق بها طوال الوقت لا يزال هناك، عيناه مثبتتان عليها في صمت مقلق. لم يكن يرتشف من كأسه، ولم يتحدث مع رفاقه. كان يراقبها هي فقط. شعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، وكأنها فريسة تحت مراقبة مفترس. حاولت أن تبدو غير مبالية، أن ترسم ابتسامة على شفتيها، لكنها خرجت مهتزة ومشوّهة. أدارت وجهها عنه ببطء، وتظاهرت بالانشغال بلمس شعرها. كانت تشعر بأن أنفاسه تخترق الستار الواهي للحشد، وتصل إليها مباشرة. هل كان يراقبها قبل أن تدخل الحمام؟ هل لاحظ شيئاً؟ أفكار مشتتة تتصارع في رأسها، لكنها كانت أضعف من أن تسيطر عليها. بدأت الصور تتماوج أمام عينيها، ملامح مالك تتداخل مع صور للجنين في رحمها، ثم تتحول إلى وجهها في المرآة بعد أن مزقت شقتها، كل ذلك في خضم ضباب كحولي كثيف. كان البار يضيق عليها، الجدران تقترب، والسقف ينخفض. اختنقت أنفاسها، وشعرت بحاجة ماسة للهروب من هذا المكان، من هذه الأجواء، من هذه الأفكار.
---
نهضت هند من مقعدها ببطء، وكأنها ترفع أطنانًا من الرصاص. تمايل جسدها الهزيل، وكادت تفقد توازنها. التقطت حقيبتها التي كانت ملقاة على الأرض، وكأنها جسم غريب. كانت خطواتها غير متناسقة، تتحرك إلى الأمام وإلى الجانب، وكأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن ترى طريقها بوضوح، فقط بقع ضوئية وأشخاص يتحركون ببطء شديد، كأنهم أشباح. شعرت بيد قوية تلمس مرفقها للحظة. انتفضت بذعر، استدارت بسرعة، لكنها لم تجد أحداً. هل كان وهماً؟ هل لمسها الرجل الغريب؟ التفتت خلفها، فلم ترَ الرجل الذي كان يحدق بها. مكانه فارغ. شعرت براحة غريبة ممزوجة بقلق أشد. من كان؟ وماذا يريد؟ لم تستطع التفكير بوضوح. كل ما أدركته هو ضرورة الخروج. اندفعت نحو الباب بصعوبة بالغة. كان الهواء البارد في الخارج بمثابة صفعة قوية على وجهها المحموم. انتعشت قليلاً، لكن سرعان ما عاد الدوار ليغشي عينيها. كانت الأضواء الخافتة للمصابيح في الشارع تزداد وهجاً ثم تنطفئ، كأنها تومض في عينيها. شمّت رائحة الصدأ والمطر العتيق من أزقة المدينة المهملة، مزيجاً من القرف والواقعية. أخرجت مفاتيح سيارتها من حقيبتها، لكن يدها ارتجفت بشدة، فأسقطتها على الرصيف القذر. انحنت لالتقاطها، لكن جسدها لم يطاوعها. سقطت على ركبتيها، وشعرت بألم حاد في مفصلها، لكن الألم الجسدي كان شيئاً تافهاً مقارنة بالألم الذي كان يمزق روحها. التقطت المفاتيح بصعوبة، ورفعت رأسها، فوجدت نفسها تواجه عيني رجل مسن يرتدي معطفاً بالياً، كان يمر بجانبها، فنظر إليها نظرة تحمل شفقة وازدراء في آن واحد. أحنت رأسها بخجل، وارتفعت حرارة الخزي في وجهها. شعرت وكأنها تسقط في هاوية عميقة من اليأس. وصلت إلى سيارتها بصعوبة بالغة. كانت سيارتها البي إم دبليو الفئة الثالثة، التي طالما أحبتها، تبدو الآن وكأنها تابوت معدني ضخم. فتحت الباب، وألقت بجسدها المنهك داخل المقعد. كان رأسها يدور، وقلبها يخفق بقوة، وكأنها ركضت لمسافة طويلة. حاولت تشغيل المحرك، لكن يدها كانت ترتعش. استغرقت عدة محاولات حتى استجابت السيارة. انطلق المحرك بصدور صوت عالٍ، وكأنه يصرخ اعتراضاً على حالتها. قادت السيارة ببطء شديد، وبتهور لم تعهده من قبل. كانت الرؤية ضبابية، والأشجار على جانبي الطريق تبدو وكأنها تتراقص مع الموسيقى الصاخبة التي تدوي في رأسها. كلما رأت سيارة تمر بجانبها، شعرت بالخوف من الاصطدام، لكنها لم تستطع التوقف. كانت مدفوعة بقوة داخلية للوصول إلى أي مكان آمن، بعيداً عن هذا الكابوس. تذكرت كلمات مالك، ووجهه الخالي من التعابير، ثم ظهر وجه لينا، خطيبته، في خضم خيالاتها المبعثرة. شعرت بالحنق والغيرة. كيف يمكنه أن يعيش حياته هكذا، بينما حياتها هي تتحطم قطعة بعد قطعة؟ ضغطت على دواسة الوقود بقوة أكبر، وكأنها تحاول الهروب من نفسها.
---
وصلت هند إلى شقتها بعد رحلة قيادة خطيرة، شعرت خلالها أن الموت يتربص بها في كل منعطف. كانت قد استهلكت كل ما تبقى لديها من طاقة. ركنت السيارة بشكل مائل، ولم تكترث لتصحيح وضعها. فتحت باب الشقة بصعوبة، واندفعت إلى الداخل، وكأنها تهرب من شيء غير مرئي يطاردها. لم تشعل الأضواء. فضلت الظلام الذي كان يلف المكان، وكأنه مرآة لحالتها الداخلية. ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الأرض، ولم تكلف نفسها عناء إغلاق الباب خلفها بإحكام. كانت الأصوات في رأسها لا تزال تدوي، خليطاً من صخب البار، وكلمات الرجال عن مالك، وصوت تحطم الأثاث عندما دمرت شقتها في نوبة الغضب. تعثرت قدماها في سجادة غرفة المعيشة، وكادت تسقط مرة أخرى. ألقت بنفسها على الأريكة، محاولة التقاط أنفاسها، لكن صدرها كان يرتفع وينخفض بسرعة مخيفة. كانت تشعر بالدوار وكأن الغرفة تدور بها. أغلقت عينيها، ورأت شريطاً من الأحداث يتكرر أمامها: فحص الحمل الإيجابي، وجه مالك البارد، صراخها على الشاطئ. كل ذلك يتدفق في عقلها المشوش، بلا ترتيب، بلا منطق. كانت ترغب في النوم، في الغرق في غياهب النسيان، لكن عقلها كان يرفض الاستسلام. كلما حاولت إغماض عينيها، ظهرت صورة الرجل الغريب الذي كان يحدق بها في البار، عيناه المثبتتان عليها، فارغتين لكنهما تحملان وعداً مبطناً بالشر. هل كان مجرد فضول؟ أم أنه يعرف شيئاً؟ سؤال يتردد في أعماقها، لا تملك له إجابة. تذكرت كلمات الرجال مرة أخرى، تلك الكلمات المتناثرة عن مالك. “...ألغى رحلة باريس... تأجيل الخطوبة ليس بالهين... لابد أن هناك شيئاً أهم...” تجمد الدم في عروقها. شيئاً أهم؟ ما الذي يمكن أن يكون أهم من خطيبته التي طالما تغنى بها؟ شعرت أن هناك خيطاً رفيعاً، لكنه خطير، يربط بين إلغاء رحلته، وتأجيل خطوبته، وبين ما حدث لها. هل يمكن أن يكون ما حدث بينهما هو هذا الشيء الأهم؟ هل يعلم مالك شيئاً؟ هل بدأ يشتبه؟ ارتفعت وتيرة أنفاسها، وشعرت ببرد قارس يتسلل إلى عظامها، رغم حرارة الصيف الخانقة. بدأت الأفكار تتشابك، تتداخل، تتسارع. لا، لا يمكن أن يكون قد اكتشف شيئاً. كيف؟ حاولت أن تدفع هذه الأفكار بعيداً، أن تتجاهلها، أن تتشبث بخيط رفيع من المنطق. لكن صوتها الداخلي كان يهمس بكلمة واحدة: “مالك”. مالك كان غامضاً، قوياً، ومخيفاً. إذا كان يعلم، فإن حياتها ستتحول إلى جحيم حقيقي. تمددت على السرير، وجسدها يرتعش، لكن عقلها كان في حالة تأهب قصوى. حاولت أن تستسلم للنوم، لكنها لم تستطع. كان الظلام يلفها، والصمت يحيط بها، لكن في أعماقها، كانت ضجة هائلة من القلق تصرخ. شعرت بحركة مفاجئة على الوسادة بجانبها. مدّت يدها ببطء، ظناً منها أنها لمست شيئاً، لكنها لم تجد سوى الفراغ. فتحت عينيها بصعوبة، وظنت أنها رأت ظلاً يتحرك بالقرب من النافذة، يختفي بسرعة. ربما كان وهماً، أو أحد أشباح السكر.
---
غرقت هند في نوم مضطرب، مليء بالكوابيس والأصوات المتقطعة. كانت ترى وجه مالك يتجسد في كل مكان، يلاحقها في أروقة مظلمة، ثم يتحول إلى وجه الجنين الذي يحدق بها بعينين واسعتين، وكأنها تحملان لوم العالم كله. استيقظت فجراً، تشعر بثقل لا يطاق في رأسها، وبمرارة جافة في حلقها. كانت الشمس قد بدأت تتسلل عبر الستائر، لتكشف عن فوضى الغرفة التي كانت قد تركتها على حالها بعد نوبة غضبها. ارتفعت من السرير ببطء، كل عضلة في جسدها تؤلمها. شعرت برغبة قوية في الغثيان مرة أخرى، لكنها قمعتها بصعوبة. ذهبت إلى المطبخ، وسكبت لنفسها كوباً من الماء البارد، شربته دفعة واحدة. لم يهدئ الماء من ارتعاش يديها، ولا من تسارع دقات قلبها. جلست على كرسي المطبخ، وحاولت أن تجمع شتات أفكارها. ماذا حدث الليلة الماضية؟ ما الذي تذكرته بالضبط؟ كانت هناك فجوات في ذاكرتها، لكن الكلمات عن مالك كانت واضحة، حادة، وكأنها حفرت في عقلها. “...شيئاً أهم...” هذه العبارة كانت تتردد في أذنيها بقوة مرعبة. ما الذي يمكن أن يكون هذا الشيء الأهم؟ هل هو هي؟ هل هي هذا الخطأ غير المحسوب الذي أثر على حياة مالك؟ شعرت بسخرية مريرة. هي، الطبيبة، الفتاة التي طالما حافظت على سمعتها ومكانتها، أصبحت الآن مجرد خطأ في حياة رجل لا تعرف عنه شيئاً سوى جبروته وثرائه. شعرت باليأس ينهشها من الداخل. مدّت يدها إلى هاتفها الذي كان ملقى على الطاولة. فتحت الشاشة، ورأت عدة مكالمات فائتة من نفيسة، ورسالة نصية واحدة. تجاهلتها، وبدأت تتصفح الأخبار. ربما تجد شيئاً عن مالك، عن شركاته، عن أي شيء يفسر الكلمات التي سمعتها. قلبها يخفق بقوة، وعرق بارد يتصبب من جبينها. لم تجد شيئاً غير المعتاد، أخباراً عن صفقات تجارية وعقارات جديدة. لكن شيئاً ما لم يكن صحيحاً. عادت إلى الرسالة النصية التي تجاهلتها. فتحتها ببطء، وكأنها تفتح صندوق باندورا. كانت من رقم مجهول، نصها: