Chapter 5 of 8
الفصل الخامس: صرخة الانهيار
1.6k words
كانت يدَا هند ترتجفان، باردتين كقطعتي ثلج، وهي تمسك بعلبة اختبار الحمل. وقفت أمام مرآة حمامها، ووجهها شاحب، وعيناها متسعتان، تعكسان خوفًا عميقًا لم تعرفه من قبل، خوفًا يتجاوز حدود أي عملية جراحية صعبة خاضتها، أو أي تشخيص خطير أبلغت به مريضًا. نظرة واحدة إلى العلبة كانت كافية لتسريع دقات قلبها لتصبح طبولًا صاخبة في أذنيها، تضرب إيقاعًا جنونيًا يهدد بتمزيق صدرها. قطعت الصمت المطبق في الشقة، والذي لم يكسره سوى صوت أنفاسها المتسارعة، التي كانت تنساب من رئتيها بصعوبة بالغة، وكأنها تحمل ثقل العالم كله. لم تكن تشعر بأطرافها، فقد خدرها اليأس والترقب، جاعلاً إياها كدمية معلقة بخيوط القدر.
فتحت العلبة بأصابع مرتعشة، بالكاد تتمالك نفسها. سحبت منها الاختبار، وهو عبارة عن شريط بلاستيكي أبيض، بدا لها أثقل من أي شيء حملته في حياتها، وكأنه يحوي في طياته مصيرها كله. قرأت التعليمات بسرعة خاطفة، محاولة استيعابها، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها، عاجزة عن الثبات، كل سطر يبدو كأنه لغز لا حل له. كل ما كانت تفهمه هو الانتظار. هذه الكلمة وحدها كانت كافية لملء روحها بالرعب، بالرهبة من المجهول الذي يتربص بها خلف جدار تلك الثواني. الانتظار للحظة ستحسم مصيرها، مصير حياتها كلها، وتضع حدًا لكل ما عرفته أو خططت له.
أغمضت عينيها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم قامت بما يجب عليها، وكأنها تجبر جسدها على الخضوع لأمر لا رجعة فيه. وضعت الاختبار على حافة المغسلة الباردة، وراحت تحدق فيه وكأنها تنتظر حكمًا بالإعدام. كل ثانية مرت كانت دهراً، تعادل سنوات من العذاب النفسي. شعرت بالعرق يتصبب من جبينها البارد، وبغصة تتكون في حلقها، تمنع أي صرخة أو كلمة من الخروج. كانت تتمنى أن يتلاشى الشريط، أن تختفي تلك اللحظة، أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل تلك الليلة المشؤومة على متن السفينة، قبل أن تتشابك خيوط قدرها بهذا الشكل المأساوي.
مرت الدقائق ببطء شديد، كأنها تحاول تعذيبها وإطالة أمد عذابها. كانت تتشبث بأمل واهٍ، أمل أن يكون كل هذا مجرد كابوس، أن تتوهّم أعراض الحمل، أن تكون دورتها الشهرية قد تأخرت لأسباب أخرى، غير ذلك السبب المخيف الذي يتربص بها ويهدد بابتلاعها. لكن الواقع كان يفرض نفسه ببطء لا يرحم، ينسج خيوطه حولها، ويشد الخناق على صدرها. بدأت خطوط خافتة تظهر على الشريط، وكأنها تلوح لها من بعيد، لتعلن عن بداية النهاية. خط واحد، ثم ببطء شديد، بدأ خط ثانٍ بالظهور، خفيف، ثم أوضح، لا يمكن إنكاره.
لم تصدق عينيها. فركتها بقوة، ثم عادت لتنظر، وكأنها تبحث عن خدعة بصرية، عن سراب. لكن الخطين كانا واضحين، لا لبس فيهما. اثنان. موجب. “لا...” همست الكلمة، بالكاد مسموعة، كأنها محاولة يائسة لإنكار الحقيقة. اختبار الحمل سقط من يدها على أرضية الحمام الباردة، محدثًا صوتًا خفيفًا لكنه تردد في أذنيها كدوي انفجار هائل يمزق الكون. توقفت أنفاسها، وتجمد الدم في عروقها. لم تكن تستوعب. لم تستطع أن تصدق أن حياتها قد انقلبت رأسًا على عقب في لحظة واحدة، بل في خطين صغيرين على شريط بلاستيكي. لقد تحطمت كل حصونها في غمضة عين.
---
تراجعت هند خطوة إلى الوراء، ثم خطوتين، حتى اصطدم ظهرها بالجدار البارد. انزلقت ببطء إلى الأسفل، تجلس على أرضية الحمام الباردة، ركبتيها مضمومتين إلى صدرها، وكأنها تحاول لملمة شتاتها الذي تناثر في كل مكان. الصدمة كانت أقوى من أن تستوعبها. لم تستطع السيطرة على جسدها الذي بدأ بالاهتزاز بعنف لا إرادي، ولا على دموعها التي تدفقت كشلال بلا توقف، محاولة إطفاء النار المشتعلة داخلها، لكنها كانت تزيدها اشتعالًا.
“لا يمكن! هذا كذب!” صرخت بصوت خافت في البداية، ثم تحول إلى نحيب مرير، حتى أصبح صراخًا مكتومًا يمزق حلقها، ويصعد من أعماق روحها. دفنت وجهها بين ركبتيها، وعيناها محتقنتان من شدة البكاء، وقلبها ينزف ألمًا لا يطاق. كانت هذه طعنة غائرة في قلب أحلامها ومستقبلها الذي رسمته بعناية فائقة. كانت قد بنت حياتها على أسس ثابتة، على العمل الجاد، على مهنة الطب التي عشقتها وتفانت فيها، على الاستقلالية التي ناضلت من أجلها طويلاً. الآن، كل شيء ينهار أمام عينيها، يتبدد كرماد.
صورتها كطبيبة محترمة، كابنة لعائلة محافظة تضع فيها كل ثقتها وأملها، كل هذا كان يتبدد في لحظة واحدة، يذوب كقطعة جليد تحت شمس حارقة. مالك. تذكرت وجهه البارد القاسي، كلماته المليئة بالتهديد والوعيد، ونظرته التي كانت تقتل أي أمل. كيف يمكن أن يكون هو السبب في هذا الكابوس الذي يلاحقها؟ كيف يمكن أن تكون هذه النتيجة الوحشية هي ثمرة ليلة واحدة لم تكن لتحدث لولا فقدان وعيها وحالة الضعف التي مرت بها؟ اللعنة على تلك الليلة، وعلى تلك السفينة الفاخرة التي تحولت إلى سجن، وعلى كل شيء! كل شيء تسبب في هذه الكارثة.
رفعت رأسها فجأة، وعيناها متسعتان من الرعب، وكأنها رأت شبحًا. الإجهاض. هذه الكلمة اخترقت عقلها كصاعقة، لتضيء طريقًا مظلمًا لم ترغب يومًا في سلكه. كانت الخيار الوحيد، الحل الوحيد المتاح لها في هذه اللحظة المظلمة. لا يمكنها أن تحمل طفلاً من رجل تكرهه، من رجل هددها، من رجل لا يربطها به شيء سوى ليلة عابرة لا تود تذكرها. لا يمكنها أن تدمر حياتها المهنية، حياتها الاجتماعية، بسبب خطأ لم يكن في الحسبان، خطأ لم تكن هي المسؤولة عنه بالكامل. قرارها كان قاطعًا، رغم الألم الذي مزق روحها، ورغم الشعور بالذنب الذي بدأ يتسلل إلى قلبها.
زحفت بصعوبة نحو هاتفها المحمول الذي كان ملقى على المغسلة. أصابعها كانت لا تزال ترتجف، لكن هذه المرة، كانت الرعشة ممزوجة بنوع من العزم اليائس، وكأنها تستمد قوتها من هذا اليأس نفسه. فتحت دليل الهاتف، وبحثت عن عيادة خاصة. لم تكن ترغب في أن يعرف أي مستشفى عام أمرها، أو أن تتسرب تفاصيل حياتها الشخصية. عيادة خاصة، سرية، هذا ما كانت تحتاجه، مكان يوفر لها الخصوصية المطلقة. ضغطت على الرقم، وقلبها يخفق بعنف كأنه يريد الخروج من قفصه الصدري، يرتطم بجدرانه بقوة.
بعد بضع رنات، أجابتها سيدة بصوت آلي، خالٍ من أي عاطفة، وكأنها مجرد آلة. “عيادة الأمل الخاصة، كيف يمكنني مساعدتكِ؟” حاولت هند أن تجمع شتات صوتها، وأن تبدو طبيعية قدر الإمكان، لكنها بالكاد استطاعت. “أرغب في حجز موعد... استشارة طارئة.” “متى تفضلين؟” “أقرب موعد ممكن.” “لدينا موعد متاح بعد أربعة أيام من الآن، صباحًا.” أربعة أيام. بدا هذا وكأنه دهر كامل، كأنها فترة لا نهائية من الانتظار المرير. لكنها لم تملك خيارًا آخر. “حسنًا... أحجزه لي.” “اسمكِ من فضلكِ؟” أعطت اسمها، وسمعت صوتها يرتجف رغم محاولتها السيطرة عليه. أغلقت الخط، ووضعت الهاتف جانبًا. أربعة أيام. أربعة أيام من العذاب النفسي، من القلق، من الخوف الذي يتملكها. كانت تشعر وكأنها ستموت ألف مرة قبل أن يحل ذلك الموعد. كانت منهارة تمامًا، لكن هذا الانهيار كان مصحوبًا بقرار حاسم لا رجعة فيه.
---
ظلت هند جالسة على الأرض الباردة، محطمة، عاجزة عن الحركة. كل خلية في جسدها كانت تصرخ من الألم واليأس، وكأنها تستغيث. كانت الكلمات تتسابق في رأسها، مشوشة، متداخلة، لا تحمل أي معنى سوى الدمار الذي حل بها. مستقبلها، أحلامها، كل ما عملت من أجله وتفانت في سبيله، كان يتبدد أمام عينيها كخيط دخان يتلاشى في الأفق. شعرت وكأنها محاصرة في غرفة زجاجية، تشاهد حياتها تنهار من دون أن تستطيع فعل أي شيء لإيقاف هذا السقوط الحر، لا يمكنها أن تمد يدًا للمساعدة.
تذكرت نظرة والدتها الحانية، وابتسامة والدها الفخورة، التي كانت تمنحها القوة. كيف ستواجههما؟ كيف ستنظر في عيونهما وهما يعتقدان أنها الفتاة المثالية، الطبيبة الناجحة التي حققت كل آمالهما؟ الخزي والعار كانا يلتصقان بجلدها كوشم لا يمحى، كعلامة لا يمكن إخفاؤها. كانت تشعر بالغثيان مرة أخرى، لكن هذه المرة، لم يكن جسديًا فقط. كان غثيانًا روحيًا، يقلب معدتها ويجعلها تشعر بالتقزز من نفسها، من الموقف الذي وجدت نفسها فيه، من هذا القدر القاسي.
مرت ساعات طويلة وهي على هذه الحال، لا تدري كيف مرت، وكأن الزمن توقف عن مساره الطبيعي. لم تتناول طعامًا، لم تشرب ماءً، لم تفعل شيئًا سوى الغرق في بحر من الحيرة والأسى الذي يبتلعها رويدًا رويدًا. كانت تنهض أحيانًا، تتمشى في الغرفة ببطء، وكأنها تحمل أثقالاً لا مرئية، ثم تعود لتسقط على أقرب مقعد أو تتكئ على الجدار، بحثًا عن أي نقطة ارتكاز. كانت عيناها تحدقان في الفراغ، لا ترى شيئًا سوى صور متناثرة من تلك الليلة المشؤومة، ووجه مالك البارد يطاردها.
مالك. تنهدت اسمه في سرها بمرارة. لم يكن سوى شبح عابر، رجل قابلته لليلة واحدة، ليلة سوداء لم تترك لها سوى هذا العبء الثقيل، وهذا المصير المجهول. لم يكن لديها رقمه، لم تعرف كيف يمكن أن تتواصل معه حتى لو أرادت ذلك. لم تكن تريد. كانت تريد فقط أن يختفي هذا الكابوس، أن تستيقظ منه وتجد نفسها في سريرها، في يوم عادي، قبل أن يغزو هذا الخطأ حياتها ويقلبها رأسًا على عقب.
أربعة أيام. كررت هذه الكلمات في رأسها، وكأنها تعويذة محزنة. أربعة أيام تفصلها عن اتخاذ قرار لا رجعة فيه، قرار سيغيرها إلى الأبد، وسيترك بصماته على روحها إلى الأبد. هل يمكنها حقًا فعل ذلك؟ هل يمكنها أن تنهي حياة بدأت تنمو داخلها، مهما كانت ظروفها القاسية وغير المتوقعة؟ السؤال كان يعذبها، يمزقها بين قسوة الواقع ونداء الفطرة الذي يهمس لها من الداخل. لكنها كانت مقتنعة تمامًا أن هذا هو الخيار الوحيد المتاح لها، فلا بديل، لا مخرج.
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل. الظلام يلف الغرفة، والهدوء أصبح مخيفًا، وكأنه يخبئ أسرارًا. قامت هند من مكانها بصعوبة، واتجهت نحو النافذة. نظرت إلى الشارع الخالي، إلى أضواء السيارات الخافتة التي تمر عرضًا، وكأنها لا تحمل همًا. العالم كان يمضي كعادته، بينما عالمها هي كان ينهار، يتدمر قطعة قطعة. كانت تشعر بالوحدة، بوحدة لم تعرفها من قبل، وحدة تقطع الأنفاس.
فجأة، شعرت بوخز خفيف في أسفل بطنها. لم يكن مؤلمًا، بل مجرد إحساس غريب، لم تشعر به من قبل، كأنه نبض خفيف من عمق لا تعرفه. كأن شيئًا ما يتحرك، يخبر بوجوده، يدق جدار الصمت. تيبست في مكانها، ووضعت يدها المرتعشة على بطنها المسطح. هل يمكن أن يكون...؟ توقفت أنفاسها. هذا الشعور، هذه الحركة، هل هو مجرد وهم من وحي خوفها وانهيارها؟ أم أن هناك حياة بدأت تفرض وجودها، حياة تسكن أعماقها، حتى قبل أن تتخذ قرارها الأخير؟ كانت تلك اللحظة، التي شعرت فيها بذلك الوخز الغريب، كافية لتهز قناعتها الثابتة، لتزرع بذور الشك في قرارها الحاسم الذي ظنته قاطعًا لا رجعة فيه.