Chapter 2 of 3

Chapter 2: قَرِينِي

1.6k words

النهاردة اليوم التالت. اليومين اللي فاتوا عدوا زي كابوس صاحي، أو حلم مش عايزة أصحى منه. كل زاوية في الشقة، كل ظل على الحيطة، كان بيفكرني بالصوت اللي سمعته. صوت رياز. كنت حاسة كأنه لسه هنا، كأن ريحة بخوره لسه مالية الجو، بس مفيش حاجة. الشقة كانت فاضية. قلبي كان بينقبض كل ما أتخيل ملامحه اللي ما شوفتهاش، بس حسيت بيها. كان نفسي في إجابة، في تفسير، في أي حاجة تفهمني إيه اللي حصل ده. مسكت كوباية الشاي اللي بردت على التربيزة، بصيت للسما بره الشباك. كانت غيوم رمادي مغطية القاهرة، زي ما روحي كانت مغطية بغيوم من التفكير والخوف والرغبة اللي مش مفهومة. إيه الكلمة اللي قالها؟ قرين؟ يعني إيه قرين؟ هل ده اللي كان بيسكن معايا سنين من غير ما أعرف؟ هل ده اللي حسيت بوجوده ساعات بس كنت بفتكره مجرد خيالات؟ ريقي نشف من التفكير. قومت عشان أشغل أي حاجة على التليفزيون، أي صوت يكسر الصمت المخيف ده. صمت الشقة اللي كانت بتحتضنني دلوقتي بقت بتحاصرني. كنت لسه بمد إيدي للريموت، لما نور الأوضة كلها طفى مرة واحدة. قلبي نط في مكانه. رميت الريموت من إيدي على السجادة، إيدي اتحطت على بوقي عشان ما أصرخش. الضلمة اللي فجأة نزلت علينا ما كانتش طبيعية. مش مجرد كهربا قطعت. حسيت ببرودة غريبة ملت الأوضة، برودة مش بتاعة شتا ولا صيف. برودة بتعدي من العظم. وقفت مكاني، رجلي متسمرة في الأرض. حاسة إن في حاجة معايا. نفاسي بقى سريع ومتقطع. الضلمة دي، مش ضلمة عادية، دي ضلمة بتحسسك بالوجود. بوجود حاجة تانية. صوت خطوات خفيفة، كأن حد ماشي على صوابعه، بدأ يقرب مني. قلبي كان بيرقص في صدري، عايز يطلع يجري ويسيبني. ما قدرتش أتحرك. ما قدرتش أفتح بوقي. كنت مستنية. مستنية المصير. بعد ثواني، كأنها دهر، نور خفيف ظهر في نص الأوضة. النور ده بدأ يزيد، ياخد شكل. وببطء شديد، وسط النور المتوهج ده، ظهر جسم. جسم إنسان. كان واقف قدامي، طويل، عريض المنكبين، شعره أسود فاحم وناعم، عيونه كانت زي الليل بس بتلمع بنور غريب، حاجة بين الأزرق والأسود. كان لابس قميص أسود مفتوح على صدره، مبين عضلات قوية، وبنطلون جينز غامق. ملامحه كانت حادة وجذابة بطريقة تخلي الواحد يتوه فيها. كان رياز. بالظبط زي ما تخيلته. يمكن أحلى كمان. نفس الصوت، بس المرادي ملموس، قدامي. اتنفست بصعوبة. كان لسه بيبصلي بابتسامة خفيفة، ابتسامة بتلعب على شفايفه. 'آية.' اسمه طلع مني همس. 'أنا جيت.' صوته كان عميق وهادي، بس مليان قوة. 'أنا مش راجع تاني للعالم بتاعي يا آية. أنا جيت عشان أفضل معاكي.' الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة. عقلي وقف عن التفكير. طب إزاي؟ إيه اللي جابه؟ وإيه معنى كلامه ده؟ 'إزاي؟' سألته بصوت مهزوز. 'وإزاي يعني مش هترجع؟' قرب مني خطوة. قلبي كان بيخبط في ضلوعي. 'الموضوع مش معقد زي ما إنتي متخيلة. أنا اخترت. واخترت إن حياتي تبقى معاكي. خلاص عالمي ده مابقاش يهمني. كل اللي يهمني دلوقتي هو إنتي.' مد إيده ناحيتي، بس وقفها في الهوا قبل ما تلمسني. 'إنتي بتاعتي يا آية. من زمان وإنتي بتاعتي. بس دلوقتي هتبقى بشكل مختلف.' كانت عيونه بتخترقني. كنت حاسة إن كل خوفي بيتلاشى قدام جاذبيته الغريبة دي. أو يمكن بيبدل بخوف تاني، خوف من حاجة أكبر، حاجة هتغير حياتي كلها. معرفش إيه الصح وإيه الغلط. بس كنت حاسة إني عايزة أمد إيدي وألمس وشه. ألمس حقيقته اللي ظهرت قدامي فجأة دي. عايزة أعرف إيه اللي ممكن يحصل. 'بس أنا... أنا معرفكش. أنت مين بالظبط؟' قلت بصوت ضعيف. 'أنا رياز.' قالها ببساطة، وكأنها الإجابة الوحيدة اللي محتاجة أعرفها. 'أنا اللي كنت معاكي في كل لحظة، في كل ضحكة، في كل دمعة. أنا اللي كنت سامع نبض قلبك من قبل ما تتولدي. أنا اللي كنت بحميكي من كل شر إنتي ما تعرفيهوش. أنا قرينك.' الكلمة دي تاني. قرينك. الكلمة دي اللي ليها ألف معنى ومعنى. هل ده جن؟ هل ده شيطان؟ هل ده ملاك؟ عقلي كان بيرفض يستوعب، بس جسمي كان بيتجاوب مع وجوده بطريقة غريبة ومثيرة. حاجة جوايا كانت بتقولي إن ده الصح. إن ده اللي كنت مستنياه طول عمري من غير ما أعرف. 'بس ده... ده مستحيل.' قلتها بصعوبة، بس كان صوتي بيعبر عن ضعف مش عن رفض حقيقي. 'المستحيل هو إنك تفضلي عايشة من غيري.' قالها بصوت هادي بس حاسم. 'أنا هنا عشان أفضل جنبك، طول الوقت، طول العمر. ومش هسمح لأي حاجة أو أي حد ياخدك مني.' كانت عيونه بتلمع بلمعة ملكية، لمعه بتقولي إن كلامه مش مجرد وعود، دي أوامر. أوامر لازم تتنفذ. أوامر أنا حاسة إني عايزاها تتنفذ. مد إيده تاني، والمرادي لمس خدي. بشرته كانت دافية، وناعمة بطريقة غريبة. الكهربا سرت في جسمي كله. غمضت عيني للحظة، استسلمت للإحساس ده. ده حقيقة. ده مش حلم. ده مش خيال. ده رياز. هنا. معايا. عشاني. 'افتحي عينيكي يا آية. عايز أشوف لمعة عيونك دي. عايز أشوف الحياة اللي جواكي.' فتحت عيني ببطء. كان قريب أوي. لدرجة إني كنت حاسة بنفاسه السخن على وشي. كانت نظراته مليانة إعجاب، وحب، وتملك. وده كان مخيف ومثير في نفس الوقت. 'إنتي حلوة أوي يا آية. أحلى بكتير من كل الخيالات اللي كنت بتخيلها عنك.' بص لي من راسي لرجلي، نظراته كانت بتمر على كل تفصيلة في جسمي، كأنها بتمتلكني فعلاً. حسيت بخدود بتولع. 'مفيش راجل تاني لمسك، صح؟' سألني بصوت خشن، مليان غيرة واضحة. هزيت راسي بالنفي، مش قادرة أنطق. 'كويس.' قالها بابتسامة مرعبة. 'لأنك بتاعتي أنا وبس. محدش له الحق يلمس حاجة ملكي.' الكلمات دي كانت بتخترقني، بتوصل لروحي. كنت حاسة إني مربوطة بيه بطريقة عميقة، بطريقة مش هقدر أفهمها ولا أقومها. كان لازم أستسلم. كان لازم أتقبله. مكانه ده في حياتي كان محفور من زمان، بس أنا اللي ما كنتش شايفة. هو جه عشان يوريني. 'طب هتعمل إيه؟ هتفضل هنا؟ إزاي؟' سألته بصوت مجهد. 'هنا في شقتك. معاكي.' قالها وكأنها حقيقة بديهية. 'إزاي يعني؟ هتفضل عايش معايا؟ الناس هيقولوا إيه؟' رفعت حاجبي، محاولة أرجع لعقلي. 'الناس مش هتشوفني غير لما أحب أظهر. أنا هنا عشاني وعشانك وبس. اللي يقول يقول. كلام الناس عمره ما كان بيأثر فيا.' كان صوته مليان ثقة. 'بس... إنت مش إنسان.' قلتها بصوت منخفض. 'بس دلوقتي بقيت إنسان عشانك. عشان أقدر ألمسك. أحس بيكي. أذوقك.' ابتسم ليا بابتسامة خبيثة، عيونه لمعت. حسيت ببطني بتتقلب. إحساس جديد، غريب، بس ساحر. 'أنا عايزك ليا يا آية. عايز كل حتة فيكي تبقى ملكي.' مد إيده ولمس شعري. 'شعرك ده اللي كان بيطلع منه ريحة جننتني سنين.' نزل إيده على خدي، وبعدين على رقبتي. 'رقبتك دي اللي كنت بتخيل أحط عليها علامات ملكيتي.' كان بيتكلم بهدوء بس كل كلمة كانت بتشعل نار جوايا. نزل بصره على صدري. كنت لابسة تيشرت قطن واسع، بس كان باين منه تفاصيل جسمي. 'صد*ك ده... كنت بتمنى بس ألمسه. أذوقه.' عيونه كانت بتلمع بشهوة واضحة. وشي احمر أوي. ما قدرتش أرفع عيني فيه. 'كنت بتخيل طول الوقت إزاي هيبقى شكله بين إيديا. إزاي هيبقى طعمه في بوقي.' قرب وشه من ودني. 'وإزاي المهبل بتاعك ده هيبقى ملكي أنا وبس. إزاي هتبقى كل آهاتك ليا. كل لمسة. كل كلمة.' كانت كلماته زي نار بتحرقني. كنت حاسة بجسمي كله بيشتعل. كل خلايا جسمي بتستجيب لندائه. كنت عايزة أقوله كفاية، بس الكلمة ما خرجتش مني. كنت عايزة أبعد، بس رجلي كانت متسمرة في الأرض. هو كان ساحر. ساحر بيسحبني لعالمه. عالم كله شهوة وحب وتملك. عالم ما كنتش أعرف إني عايزاه. 'إنتي ملكي يا آية.' قالها بصوت خشن، وشدني من خصري فجأة ناحيته. جسمي خبط في جسمه. حسيت بسخونة عضلاته، بريحة مسكه الرجولي. إيده لفت حوالين خصري بقوة، والتانية رفعت وشي عشان أبص في عيونه. عيونه كانت بتقولي كل اللي هو عايزه. 'أنا مش هسيبك. لا النهاردة ولا بكرة ولا بعد ألف سنة.' كانت عيونه بتلمع بلمعة مخيفة، لمعه بتقولي إنه مش مجرد حبيب، ده مالك. مالك لروحي وجسمي. وكنت حاسة إني موافقة. موافقة على كل كلمة قالها. كل لمسة. كل وعد. كنت عايزة أسيب نفسي ليه. أسيب نفسي للجنون ده. بس في حاجة جوايا كانت لسه بتهمس بالخوف. الخوف من المجهول. الخوف من مصير مش واضح. 'مش عايزك تخافي مني يا آية.' همس بيها، كأنه قرا أفكاري. 'أنا بحبك. وعشان بحبك، أنا هنا.' كانت كلماته بتطمني، بس في نفس الوقت بتزود خوفي. إيه نوع الحب ده؟ حب قرين لإنسية؟ حب ممكن يغير عالمي كله؟ كنت حاسة إني على حافة الهاوية. على حافة عالم جديد. وكنت مستعدة أقع. 'عايزك تسيبني أخدك لعالمي.' قالها بصوت هادي، بس كان فيه تهديد مبطن. 'عالم كله شغف وحب وتملك. عالم إنتي بس اللي هتبقي فيه.' كانت عيونه بتثبتني في مكاني. كنت عايزة أصدقه. عايزة أرمي نفسي في أحضانه وأنسى كل حاجة. بس في صوت خفيف، صوت جاي من بعيد، بدأ ينادي اسمي. صوت مش غريب عليا. صوت كان بيجيبلي دايماً السلام. صوت أمي. رياز كان لسه بيبصلي، بس ملامحه بدأت تتغير. عيونه اللي كانت بتلمع بالشهوة بدأت تضيق، وشفايفه انقبضت. 'في حاجة غلط.' قالها بصوت خشن، وبدأ يبص حواليه في الأوضة، كأن في حاجة مش باينة ليه. جسمه اتوتر، وإيده اللي كانت ماسكة خصري بدأت تضغط عليه بقوة. كنت حاسة بنظراته الغريبة، كأنه بيرصد حاجة. فجأة، سمعت صوت خبط على باب الشقة. خبط مش عادي. خبط سريع ومتكرر. 'آية! إنتي جوه؟ ردي عليا يا حبيبتي!' صوت أمي كان أعلى، مليان قلق. رياز بص ناحية الباب، وعيونه رجعت تلمع باللون الأسود الغريب اللي شوفتها بيه أول مرة. ملامحه اللي كانت بشرية بدأت تتوتر. 'مين دي؟' سألني بصوت خشن، مليان غيرة وغضب واضح. 'دي... دي أمي.' قلتها بصعوبة، الخوف رجع تاني يسيطر عليا. إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ أمي هنا. وهو هنا. إيه اللي هقولهالها؟ إيه اللي هقولهاله هو؟ رياز ساب خصري فجأة. وبص ناحية الباب، عيونه بتلمع بحدة. 'عايز أعرف كل حاجة عنها. كل حاجة عن حياتك. عن كل اللي حواليكي.' صوته كان مليان تهديد، ومشي ناحية الباب بخطوات سريعة. أنا كنت لسه متسمرة مكاني، مش فاهمة إيه اللي بيحصل. الخبط على الباب زاد. صوت أمي بقى أقرب. رياز كان عند الباب، إيده على المقبض. 'بس مش دلوقتي.' قالها بنظرة أخيرة ليا، كانت نظرة مليانة وعد ووعيد. ونظرة بتحذرني من أي حاجة ممكن تحصل لو كدبت عليه. 'أنا هروح دلوقتي، بس هرجع. وهرجع عشان أسمع كل كلمة.' وبسرعة أكبر من تخيلي، جسمه بدأ يتلاشى في الهوا، كأنه مجرد دخان أسود بيختفي. النور اللي كان مالي الأوضة رجع عادي. الضلمة اللي كانت فيها اختفت. رياز اختفى. وسابني لوحدي. مرة تانية. بس المرادي، مع صوت أمي اللي بيرن على باب الشقة. ومع سؤال واحد بس مالي عقلي. إيه اللي رياز ناوي عليه؟

End of Chapter 2