Chapter 7 of 16

Chapter 7: بداية جديدة

1.3k words

حمزة كان حابس أنفاسه، وودنه كانت مصدقة الصوت اللي بيقرب منهم. حس بإيد آية بتتشعبط في دراعه، صوابعها كانت ساقعة وبتترعش. ضغط على إيديها يطمنها، بس هو نفسه كان قلبه بيدق بسرعة، حاسس بالرمل تحت رجليه بيتزحزح مع كل دقة. المطر بره كان لسه بينزل بغزارة، بس صوت الخطوات كان أقوى منه، بيشق سكون المبنى اللي لسه ما خلصش ده. كان بيقرب، خطوة ورا خطوة، مش منتظم أوي، كأنه حد متردد. همس في ودن آية: "اثبتي، ما تتكلميش خالص". سحبها وراه أكتر، ناحية زاوية ضلمة جنب كومة طوب، يمكن يستخبوا لو اللي جاي ده كان "مازن" أو أي حد تاني ممكن يأذيهم. ريحة الإسمنت الطازج والتراب كانت مالية المكان، ريحة خانقة وسط الخوف اللي كبر جوه صدره. كان مستعد لأي حاجة، عضلاته مشدودة، عينه بتراقب المدخل الوحيد للغرفة اللي هما فيها. الصوت وقف فجأة. حمزة شدد قبضته على إيد آية، حاول يسمع أي نفس، أي حركة. لحظات عدت كأنها سنين. بعدين، صوت كحة مكتومة، وبعدها صوت حريمي. مش صوت مازن. حمزة رفع حاجبه باستغراب، مين ممكن يكون هنا في الجو ده؟ الصوت اللي جاي كان قريب أوي دلوقتي، من ورا الحيطة اللي هما مستخبيين وراها على طول. "آية! يا حمزة! انتوا فين يا ولاد؟" الصوت ده! حمزة حس إن روحه رجعتله مرة واحدة. دي ماما مليكة! وبصوتها كان فيه قلق وتعب. قبل ما حمزة يلحق يرد، صوت تاني ظهر، صوت ماما نادية، بس المرة دي كان فيه غضب واضح: "أكيد مستخبيين زي الفيران، لما أشوفهم بس". آية طلعت من وراه بسرعة، دموعها لسه على وشها بس عينها وسعت من المفاجأة: "ماما!" حمزة خرج وراها، حاسس بالراحة اللي اجتاحت جسمه كله. نادية لما شافت آية، وشها احمر من الغضب. كانت لفه "طرحتها" على وشها من المطر، ووشها باين عليه التعب والهم. مليكة كانت جنبها، باين عليها القلق، وبتبص لحمزة بنظرة حنين. نادية قربت من آية، ايديها كانت بتترعش بس مش من السقعة: "إيه اللي عملتيه ده يا آية؟ إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ قلقناكي موتك!" صوتها كان بيعلى مع كل كلمة. آية وطت راسها، مش قادرة تبص في وش أمها. حمزة حس إنه لازم يتكلم، يدافع عن آية، بس قبل ما يفتح بقه، مليكة حطت إيدها على كتف نادية بهدوء. "خلاص يا نادية، مش وقته خالص الكلام ده. المهم إنهم بخير. تعالوا نمشي من هنا، الجو صعب وهما اكيد تعبوا". مليكة بصت لحمزة وآية بنظرة طمنتهم. حمزة هز راسه، مسك إيد آية بحركة خفيفة، ولفوا عشان يمشوا مع أمهاتهم. نادية كانت بتبص لآية نظرة تهديد، نظرة وعد بالحديث اللي جاي في البيت، نظرة حمزة فاهمها كويس أوي. كانت ليلة طويلة، بس على الأقل، الخطر اللي كانوا خايفين منه طلع أمهاتهم. --- البيت كان هادي بشكل يوجع الودن. بعد ما غيرت هدومها المبلولة، آية قعدت في أوضتها، سامعة صوت أمها وهي بتتكلم بصوت واطي في الصالة مع ماما مليكة اللي فضلت معاهم. كل كلمة كانت بتتردد في دماغها، كل لحظة زعل من أمها كانت بتحس بيها زي سكينة في قلبها. نادية دخلت الأوضة، وشها كان لسه عليه علامات الغضب، بس المرة دي كان فيه حزن كمان. قعدت جنب آية على السرير، بصت في عينيها اللي كانت مليانة دموع. "ليه يا آية؟ ليه تخوفيني عليكي كده؟ قلبي كان هيقف من الرعب". صوت نادية كان واطي وموجوع، مش غضبان زي الأول. آية انفجرت في العياط، حضنت أمها بقوة: "أنا آسفة يا ماما، آسفة أوي. ما كنتش أقصد أزعلك، بس ما قدرتش أستحمل كلامك. حمزة... حمزة طيب أوي يا ماما". نادية فضلت تطبطب على ضهرها، تسكتها وهي بتقول: "ماشي يا آية، ماشي. أنا فاهمة. بس الهروب ده مش حل. إحنا هنقعد ونتكلم بهدوء". مليكة دخلت الأوضة، ابتسامتها كانت دافية: "ربنا يهديكم يا حبايبي. نادية، أنا وحمزة ماشيين دلوقتي، بس بكرة لينا كلام تاني خالص". نادية هزت راسها، وبصت لمليكة نظرة شكر. من اليوم ده، الأمور اتغيرت. نادية فضلت تراقبهما، بس نظرتها كانت أقل حدة. مليكة كانت وسيط ممتاز، وفهمت إن اللي بين حمزة وآية مش مجرد حب مراهقة. كانوا بيكبروا، حبهم كان بيكبر معاهم. كانوا بيذاكروا مع بعض أكتر، في هدوء، كل واحد في بيته أوقات، وأوقات في مكتبة المركز، بس تحت عين أمهاتهم. مازن ما اختفاش تماماً، كان بيظهر من وقت للتاني، نظراته المسمومة كانت بتخترقهم، بس حمزة كان دايماً سند لآية، بيطمنها، وبيقويها. كانوا بيتجاهلوه، كأنه مش موجود. عرفوا إن التجاهل ده بيحرقه أكتر من أي مواجهة. السنين عدت بسرعة البرق. الدراسة كانت صعبة، بس وجودهم جنب بعض كان بيهون كل حاجة. كل امتحان، كل مشروع، كانوا بيعدوا منه وهما أقوى من الأول. كانوا بيتكلموا عن المستقبل، عن أحلامهم، عن الجامعة اللي نفسهم يدخلوها. كبروا، ملامحهم اتغيرت، أصواتهم بقت أعمق، بس قلبهم فضل زي ما هو، مليان لبعض. في يوم، حمزة فاتح آية في موضوع الجامعة. "آية، إيه رأيك لو نفكر في جامعة بره مصر؟" حمزة قالها وهو ماسك إيديها، عينيه بتلمع بحماس. آية بصتله بدهشة: "بره؟ فين؟ وماما وبابا هيوافقوا؟" كان الموضوع كبير، بس فكرة إنهم يكونوا سوا، بعيد عن كل القيود والنظرات، كانت مغرية أوي. كانوا دايماً بيتكلموا عن أوروبا، عن الثقافة الجديدة، عن إنهم يتعلموا لغة تانية. إسبانيا كانت بتظهر كتير في أحلامهم، بلد الشمس والجمال. --- فكرة السفر لـ إسبانيا كانت زي شرارة في وسط كومة قش. حمزة وآية قعدوا أيام وليالي يتكلموا فيها. عرفوا إنها مش سهلة، أمهاتهم مش هيوافقوا بسهولة. في يوم جمعوا أمهاتهم، قعدوا معاهم في بيت آية. نادية ومليكة كانوا بيسمعوا وهما مش مصدقين. حمزة بدأ يتكلم، صوته كان مليان ثقة وحماس: "يا ماما، يا طنط نادية، إحنا فكرنا كويس أوي. إسبانيا فيها جامعات قوية جداً في التخصصات اللي إحنا عايزينها. وهنبقى بعيد عن أي مشاكل هنا". نادية بصت لآية، عينها كانت مليانة قلق: "يعني إيه بعيد عن المشاكل؟ مازن؟ هو لسه بيضايقكم؟" حمزة هز راسه: "مش بس كده يا طنط. إحنا كبرنا دلوقتي. عايزين نبني مستقبلنا بنفسنا. هناك الفرص أحسن بكتير". مليكة اتكلمت بهدوء: "يا نادية، الولاد دول بيحبوا بعض من وهما أطفال، وربنا يبارك لهم. طول السنين اللي فاتت دي، إحنا شوفنا قد إيه هما بيسندوا بعض وبيذاكروا بجد. يمكن السفر ده هو فرصتهم الحقيقية عشان يثبتوا نفسهم ويحموا حبهم ده". الكلام ده لمس نادية. فضلت ساكتة شوية، تفكر. آية مسكت إيد أمها: "يا ماما، مش هنكون بعاد عنك. في تليفونات، وفي زيارات. وإحنا هنبقى سوا، هنخاف على بعض". الأمهات قعدوا يفكروا. فكرة إنهم يكونوا في بلد لوحدهم كانت مخيفة، بس فكرة إنهم يفضلوا هنا تحت نظرات مازن، وتكون حياتهم كلها قيود، كانت مخيفة أكتر. بعد أيام من النقاشات، ووعود كتير، الأمهات وافقوا، بس بشرط إنهم يشتروا شقة صغيرة هناك، مش سكن جامعي مختلط، وإنهم يفضلوا على اتصال دائم. الموضوع كان صعب، بس مش مستحيل. حمزة وآية اشتغلوا بجد على أوراقهم، واجتازوا امتحانات القبول في جامعة "فالنسيا" اللي كانت مناسبة لتخصصاتهم. الأيام الأخيرة في مصر كانت مليانة مشاعر متلخبطة. حزن على فراق الأهل والأصدقاء، وحماس لمستقبلهم الجديد. ودعوا كل اللي بيحبوهم، ووعدوا إنهم هيرجعوا زيارات كتير. لحظة ما الطيارة اتحركت من أرض المطار، آية مسكت إيد حمزة بقوة. دي مش مجرد سفرية، دي بداية حياة جديدة، بداية لحلمهم اللي بيكبر. --- شقتهم في فالنسيا كانت صغيرة بس دافية. بلكونة بتطل على شارع هادي، وشجر الليمون اللي مالي المدينة كان ريحته بتوصلهم لحد الأوضة. كانوا عايشين في حلم. الدراسة في جامعة فالنسيا كانت مكثفة، بس كل يوم كان بيعلمهم حاجة جديدة، مش بس في تخصصاتهم، لكن كمان عن نفسهم وعن بعض. حمزة كان بيحضر محاضراته في الهندسة المعمارية بحماس، وآية كانت غرقانة في عالم الأدب الإسباني. كل ليلة، كانوا بيتقابلوا في الشقة، يذاكروا سوا، يطبخوا سوا، ويتكلموا عن يومهم، عن أحلامهم اللي بدأت تتحقق. اللغة الإسبانية بقت جزء من يومهم، بيتكلموا بيها وبيحلموا بيها. كانوا بيستكشفوا المدينة في الويك إند، شوارعها الضيقة، ساحاتها التاريخية، وشواطئها الذهبية. كل مكان كانوا بيروحوه كان بيحفر ذكرى جديدة في قلبهم. حبهم كان بيتعمق أكتر، مش مجرد مشاعر مراهقة، لأ، ده كان حب ناضج، حب مبني على الثقة، وعلى إن كل واحد فيهم بقى نص التاني بجد. في يوم من الأيام، حمزة كان قاعد بيراجع لمشروع كبير، وآية كانت قاعدة جنبه بتقرا رواية. الشمس كانت بتدخل من البلكونة، بتنور شعرها الذهبي. حمزة بص لآية، ابتسامة ارتسمت على وشه، حس قد إيه هو محظوظ بيها. الدنيا كانت هادية ومستقرة، زي ما كانوا بيحلموا بالظبط. فجأة، حمزة حس إن تليفونه اللي محطوط على الترابيزة رن. بص على الشاشة، لقي رقم غريب مش متسجل عنده. تردده للحظة، بعدين رفع السماعة. الصوت اللي جاه من الناحية التانية كان غريب ومألوف في نفس الوقت، وصدمته لما سمعه كانت كفيلة إنها تجمد دمه في عروقه.

End of Chapter 7