Chapter 6 of 16

Chapter 6: ليلة العاصفة

1.3k words

الرياح كانت بتلطش في وش حمزة زي كفوف غضبانة، وكل قطرة مطر كانت بتوجع. الجو كان قارس، والأرض زلقة تحت رجليه. فضل ينادي باسمها، "أية! أية!" بس صوته كان بيتوه في زئير الريح وصوت الرعد البعيد اللي كان بيمزق السما. كل خطوة كان بياخدها كانت أمل ويأس في نفس الوقت. قلبُه كان بينقبض مع كل شارع فاضي، ومع كل زاوية ملقيش فيها غير ظلال وأشباح المطر. تليفونه كان في جيبه، بس كان عارف إنه ملوش لازمة في الجو ده. مين هيرد عليه؟ ومين هيسمعه؟ دماغه كانت بتلف في دايرة مفرغة، صورتها وهي بتجري تحت المطر، ووش مامته اللي كان مليان صدمة وقلق. ماليكا كانت واقفة في شباكهم، إيديها على بقها، عينيها بتوسع وهي بتشوف أية بتختفي في العاصفة. هو كان لازم يجري وراها بسرعة أكبر، كان لازم يمنعها. الخوف كان بيتسرب لجواه زي مياه الأمطار الباردة. خوف عليها من الدنيا، من الناس، من مازن اللي بقى كابوس مبيتفارقش خيالهم. إزاي أية قدرت تطلع في الجو ده لوحدها؟ إيه اللي خلاها تاخد قرار زي ده؟ كان عارف إنها متعصبة، وإن مامتها كانت قاسية، بس مكنش يتخيل إن الأمور ممكن توصل لدرجة إنها تهرب من البيت في ليلة زي دي. كل ما كان بيفتكر نظرة مامتها ليهم في السنتر، وإزاي صوتها كان قاسي وهي بتهدد أية، كان قلبه بيوجعه. كان لازم يكون معاها. كان لازم يحميها. لف الشارع اللي بعده، عينيه بتدور في كل مكان، على أمل يشوف أي حاجة تدل عليها. المحلات كانت قافلة، الأنوار خافتة، والشوارع مفيهاش روح. فجأة، لمحت عينه ضوء خافت جاي من كشك جرائد قديم، كان متداري ورا عمود إعلانات كبير. مفيش حد هيقف فيه في الوقت ده. قلبه دق بسرعة، يمكن؟ ممكن تكون هناك؟ أسرع خطاه، المطر كان بيجلده، بس مكنش حاسس بأي حاجة غير الرغبة في إنه يوصل ليها. كان نفسه يلاقيها، يمسك إيديها، يطمنها، ويقولها إنه جنبها مهما حصل. --- أية كانت قاعدة تحت كشك الجرائد المتهالك، جسمها كله بيرتعش من البرد والخوف. هدومها كانت مبلولة تمامًا، والمياه كانت بتنزل من شعرها على وشها، بتختلط بدموعها السخنة. ليه عملت كده؟ السؤال ده كان بيرن في دماغها، بس مكنش ليها إجابة. الخناقة مع مامتها كانت صعبة. صوت مامتها العالي، ونبرة غضبها اللي كانت بتقطع القلب، والتهديدات بمنعها من السنتر، من حمزة، من كل حاجة بتحبها. مكنتش عارفة تعمل إيه غير إنها تجري. كانت حاسة إنها خنقاها، إنها عايزة تتحكم في كل تفصيلة في حياتها. حمزة كان النور الوحيد في حياتها اللي كانت بتحس بيه إنها حرة وإنها على طبيعتها. إزاي ممكن مامتها تمنعها منه؟ إزاي ممكن متبقاش عايزة تشوفها سعيدة؟ كانت لسه فاكرة كل كلمة قالتها مامتها، وهي بتزعق بصوت عالي: "مش هتروحي السنتر تاني لو مش هتبعدي عن الواد ده! إنتي لسه صغيرة على الحب والكلام الفارغ ده!" أية كانت حاسة إنها هتنفجر، كل اللي عملته إنها صرخت في وش مامتها: "إنتي عايزة إيه مني بالظبط؟" وبعدين جريت. البرد كان بيخترق عضمها، وكل ما العاصفة كانت بتشتد، كل ما إحساس الوحدة كان بيزيد جواها. كانت بتضم ركبتيها لصدرها، وبتحاول تدفي نفسها بأي شكل، بس مفيش فايدة. كانت بتفكر في حمزة، هل هو بخير؟ هل لسه بيدور عليها؟ كان نفسها فيه يكون جنبها، يطمنها، يمسك إيديها زي ما كان بيعمل دايماً. كان سندها الوحيد، وكانت عارفة إنه مش هيسيبها لوحدها. بس خوف إنها تكون ضيعته، أو إنها تكون حطته في موقف صعب، كان بيزيد من قلقها. غمضت عينيها، وحاولت تتخيل وشه، صوته الهادي اللي كان بيطمنها دايماً. كانت حاسة إنها عملت غلطة كبيرة، بس مكنتش عارفة ترجع. ترجع لمين؟ لمامتها اللي كانت غضبانه منها؟ ولا تقف في الشارع في الجو ده؟ كانت محتارة، وتعبانة، والخوف كان مسيطر عليها تماماً. تنهدت، ونظرت للسماء السوداء اللي كانت بتنزل عليها غضبها، وحست إنها ضايعة تماماً. كانت بتتمنى لو الأرض انشقت وبلعتها، أو لو حمزة ظهر فجأة ينقذها من كابوس الليلة دي. --- حمزة كان بيجري، قلبه بيخبط في ضلوعه زي طبول الحرب. لمحه. جسم صغير مكور تحت الكشك، ضوء الشارع الخافت كان بيكشف عن خصلات شعرها المبلول. "أية!" طلع الصوت منه بصعوبة، مختنق بالخوف والأمل. مش مصدق إنها هي. مش مصدق إنه لقاها. سرعته زادت، مندفع ليها، مش حاسس بالمطر اللي بيجلد وشه، ولا بالبرد اللي بيتخلل عضمُه. كل اللي كان شايفه هو أية، وحاجته الماسّة إنه يوصلها، يطمن عليها. وصل عندها، ركع جنبها. "أية! إنتي كويسة؟" سأل بصوت مكسور، مد إيده المرتعشة عشان يلمس وشها. رفعت راسها ببطء، عينيها الحمر كانت بتلمع من الدموع والخوف. لما شافته، انفجرت في البكاء. صوت شهقاتها كان بيتقطع من شدة البكاء والبرد. معرفتش تتكلم، كل اللي عملته إنها مدت إيديها وحضنته، بتتشبث فيه بكل قوتها، وكأنها بتتشبث بآخر أمل ليها في الدنيا. لف حمزة دراعاته حواليها، ضمها بقوة. كان بيحاول يدفيها، يحميها من كل حاجة حواليها، من المطر، من البرد، من خوفها. إيده كانت بتتحرك على شعرها المبلول، بتطبطب عليها بحنان. "بس خلاص يا أية، أنا جنبك. متخافيش من أي حاجة." قالها بصوت هادي، بيحاول يطمنها، بس صوته كان بيرتعش هو كمان من القلق اللي كان لسه مسيطر عليه. شدها أقرب ليه، ووشه في شعرها. "خوفتيني عليكي أوي يا قلبي." همس بيها، الكلمة طلعت بصعوبة. "مكنش ينفع تعملي كده لوحدك في الجو ده." بعد عنها شوية، ومسك وشها بين إيديه. عينيها كانت بتلمع بدموع جديدة. "إنتي أهم حاجة عندي في الدنيا دي كلها. متعمليش كده فيا تاني." مسح دموعها بإبهامه، حركاته كانت كلها حنان وخوف. "متقلقيش يا حمزة، أنا آسفة." قالتها أية بصوت ضعيف، بتترعش. "مكنتش عارفة أعمل إيه." هز راسه، متفهم. "عارف يا حبيبتي، بس إحنا سوا. وهنلاقي حل لكل حاجة." ضمها ليه تاني، بيطمنها بلمسات إيديه على ظهرها. كانت بردانه جداً، وحاسة بالراحة والأمان بين إيديه. كانت دي اللحظة اللي كانت بتحلم بيها، إنه يجي ينقذها. كانت حاسة إنها في أمان، بالرغم من كل حاجة حواليها. --- بعد ما هدت شوية، وشهقاتها بدأت تقل، حمزة فكر في المكان اللي ممكن يستخبوا فيه. كشك الجرائد كان ضيق جداً، ومكنش بيحمي من كل المطر. بص حواليه. لمح مدخل عمارة تحت الإنشاء، كان فيه شوية أخشاب وأكياس بلاستيك مرمية. "تعالي يا أية، لازم نلاقي مكان أحسن من هنا." قالها، وسندها عشان تقوم. قامت معاه بصعوبة، رجلها كانت متخدرة من البرد. سندت عليه وهي ماشية، كل خطوة كانت بتوجعها، بس إيده حواليها كانت بتديها قوة. دخلوا تحت سقف العمارة اللي مكنش لسه كامل، بس كان بيوفر حماية أفضل من المطر والرياح. قعدوا على الأرضية الترابية، جنب كومة من الطوب الأحمر، حمزة قعدها وسندها على الحيطة، وبعدين قعد جنبها ولزق فيها عشان يدفيها. "إنتي بردانه أوي يا أية." قالها حمزة وهو بيحاول يدفي إيديها بين إيديه. كان قلبه بيتقطع عليها، مكنش مصدق إنها وصلت للحالة دي. عينيها كانت بتلف في المكان، مفيش غير الظلام وصوت المطر القوي اللي كان بيخبط على الأخشاب فوق راسهم. "إحنا هنعمل إيه يا حمزة؟" سألته بصوت واطي، الخوف رجع تاني في عينيها. "مقدرش أرجع البيت دلوقتي." حمزة مسح على إيديها. "متفكريش في الرجوع دلوقتي. المهم إنك كويسة، وإني لقيتك." حاول يبتسم عشان يطمنها، بس كان قلقان هو كمان. إزاي هيتصرفوا في الوضع ده؟ الدنيا ليل، والجو صعب، ومفيش مكان يروحوا فيه. "متقلقيش، أنا جنبك. هنفضل سوا. وهنلاقي حل لكل حاجة، بس لازم نفكر بهدوء." كان بيقولها الكلام ده أكتر لنفسه من ما كان بيقوله ليها. كان حاسس بالمسؤولية الكاملة تجاهها، وحاسس بضغط كبير. بص في عينيها تاني، وحاول يوصلها الأمان اللي هو نفسه كان بيتمناه. كان لازم يكون قوي عشانها. فجأة، صوت حركة خفيف جه من ناحية الشارع. صوت عربية بطيئة، وقفت مش بعيد عنهم. حمزة شد أية أقرب ليه، وهمس بصوت واطي: "إيه ده؟" قلبهم الاتنين بدأ يدق بسرعة. في الظلام ده، وفي الجو ده، مين ممكن يكون بره؟ الخوف القديم من مازن رجع يسيطر على أفكارهم. حمزة بص ناحية المدخل اللي كانوا مستخبيين فيه، عضلاته شدت، مستعد لأي حاجة ممكن تحصل، ومستعد إنه يحمي أية بأي تمن. همس في ودنها: "متتكلميش، متطلعيش أي صوت." أية كانت بتكتم أنفاسها، عينيها بتوسع من الرعب. صوت الباب بتاع العربية بيتفتح، وبعدين صوت خطوات بطيئة بتقرب ناحية العمارة اللي هما فيها. صوت خطوات بتدوس على الطين، وكل خطوة كانت بتقرب منهم، بتزيد من ضربات قلبهم. حمزة ضمها أقوى، بيحاول يداريها بجسمه، وكان مستعد للمواجهة اللي مكنش عارف مين هتكون طرفها التاني في الليلة العاصفة دي.

End of Chapter 6

Chapter 6: Chapter 6: ليلة العاصفة - حب الطفوله | Novel AI Studio