Chapter 8 of 16

Chapter 8: أول يوم جامعة

1.9k words

المنبه رن بصوت عالي، حمزة صحي على صوته ودماغه كانت لسه بتلف من مكالمة إمبارح بالليل. كان قلبه لسه مقبوض، مكنش مصدق اللي سمعه. مين ده اللي يتصل بيه ويقول الكلام ده؟ وإزاي عرف يوصله هنا في فالنسيا؟ بص جنبه لآية وهي نايمة في سابع نومة، شعرها مفرود على المخدة، وشها هادي وعليه ملامح بريئة. حرك إيده بالراحة وشال خصلة من شعرها عن وشها. كانت ملاك نايم، مكنش عايز يقلقها ولا يبوظلها أول يوم جامعة. لازم يحاول يتصرف طبيعي، على الأقل قدامها. قام من السرير بهدوء، رجله بتدوس على البلاط الساقع اللي مكنش متعود عليه في مصر. عدى على الحمام بسرعة، وغسل وشه. الماية الساقعة فايقته شوية وخلته يحس إنه ممكن يواجه اليوم ده بكل تحدياته. حاول يجمع أفكاره، بس المكالمة كانت زي الشبح اللي لازق فيه. رجع الأوضة وبص لآية تاني. لازم تصحى دلوقتي عشان ميتأخروش على المحاضرات. قعد على طرف السرير جنبها، ومسح على شعرها تاني، حرك صوابعه بين خصلاتها الناعمة. كان بيحب ريحة شعرها وهي نايمة. "آية... يا آية..." صوته كان هامس، كله حنية، كأنه بيخاف يكسر هدوء الصبح. مفيش رد. آية كانت بتنام نوم عميق. "قومي يا حبيبتي... أول يوم جامعة النهاردة في إسبانيا." نطق الجملة الأخيرة بصوت أعلى شوية. فتحت عينيها ببطء، رموشها الطويلة بتترفع بتكاسل. بصتله بنوم وابتسمت ابتسامة خفيفة، الابتسامة اللي بتنسيه أي قلق أو تعب. "صباح الخير يا حمزة..." صوتها كان لسه فيه نوم، مخنوق شوية. "صباح الفل يا قلب حمزة. يلا قومي عشان منتأخرش. وراكي مستقبل أدبي عظيم بيستناكي." ضحك وهو بيحاول يخفف الجو. اتمطعت على السرير زي القطة الكسلانة، ومدت إيديها ليه. "كمان خمس دقايق بس، وحياتي عندك." "مفيش خمس دقايق يا ست البنات. يلا يا كسلانة. وراكي محاضرات أدب إسباني، عايز أجي ألاقيكي بقيتي شاعرة كبيرة." ضحكت بصوتها الرقيق. "طب سيبني أغسل وشي الأول وأفوق." مد إيده وسحبها بالراحة من على السرير، ساعدها تقوم. "يلا يا حبيبتي، أنا هقوم أعمل فطار خفيف على ما تجهزي. عايز أوريكي الأومليت بتاعي النهاردة." قامت وهي لسه نص نايمة، سندت عليه وهي بتعدي الحمام. "ربنا يكون في عونك يا حمزة معايا في الصحيا دي." ضحك وهو بيبوسها على جبينها. "ربنا يكون في عوني دايماً. بس مش مشكلة، أنا بحب أصحيكي بنفسي كل يوم. ده أحلى جزء في يومي." دخلت الحمام وهو راح المطبخ. ريحة القهوة بدأت تملى الشقة الصغيرة اللي بقت بيتهم الجديد. دماغه رجعت للمكالمة تاني، رجعت للأفكار السودة. "اوعى تفتكر إنك لما سافرت بعيد الموضوع خلص. الحساب لسه مفتوح." الصوت ده كان غريب، مخيف، وكأنه متفلتر عشان ميتعرفش عليه. مين ممكن يكون عارف مكانه وبيوصله هنا في إسبانيا؟ هل ممكن يكون Mazen استأجر حد؟ لا. Mazen صوته معروف. طب مين؟ حاسس إن في شبكة بتتقفل حواليه. حاول يركز في الفطار. بيض أومليت خفيف، توست، جبنة. حاجات بسيطة بس مغذية عشان اليوم الطويل اللي مستنيهم. --- آية خرجت من الحمام وهي فايقة أكتر، وشها منور. ريحة القهوة والفطار كانت مالية الشقة كلها، خلت بطنها تزغزغ من الجوع. اتنهدت براحة. أول يوم جامعة في فالنسيا! كانت مش مصدقة إنها هنا. بعد كل اللي فات، كل المشاكل والضغوط، أخيراً قدروا يبدأوا حياتهم الجديدة بعيد عن كل الضغوط اللي كانت في مصر. كان إحساس بالحرية مختلط بالترقب. راحت المطبخ لقت حمزة واقف بيجهز الفطار، بيقطع الطماطم والخيار بدقة كأنه بيعمل لوحة فنية. كانت بتحب تشوفه وهو بيطبخ، كان بيبقى هادي ومندمج. "إيه يا حبيبي، بتعمل إيه؟ خلصت ولا لسه؟" التفت ليها بابتسامة، الابتسامة اللي بتحاول تخبي وراها حاجة. "صباح الخير مرة تانية يا ست الكل. بعمل فطار يفتح النفس، عشان نخش الجامعة ببطن مليانة ومفيش حاجة تقرفنا." "تسلم إيدك يا شف حمزة. أنا جعانة أوي، حاسة إني مكلتش بقالي سنين." قعدوا على السفرة الصغيرة اللي في البلكونة المطلة على شارع هادي، لسه الشمس مطلعيتش بشكل كامل بس نورها الذهبي كان بيغرق الشقة، عامل جو دافي ومريح. بدأت تاكل بحماس، كانت بتستطعم كل لقمة. "مش مصدقة يا حمزة إننا هنا. حاسة إن ده حلم، وإن في أي لحظة هصحى ألاقي نفسي في أوضتي القديمة تاني." ابتسم لها حمزة، وحاول متبصش في عينيها. "لا يا حبيبتي، ده مش حلم. ده واقع. وده اللي تعبنا عشانه. دي نتيجت تعبنا وسهر الليالي اللي ذاكرناها." "تفتكر كل حاجة هتبقى كويسة؟ مفيش مشاكل هتحصل هنا؟" سألته وهي بتبص في عينيه، لاحظت لمحة قلق مش عارفة تفسرها، حاجة بتقول إن حمزة مش على طبيعته. حمزة هز راسه، وحاول يبين إنه عادي. "إن شاء الله كل حاجة هتبقى زي الفل. المهم إننا مع بعض، ومفيش حد يقدر يفرقنا." حاول يتجنب عينيها شوية، وده اللي خلا آية تتأكد إن في حاجة. "في حاجة يا حمزة؟ شكلك مش على بعضك من إمبارح بالليل، فيه حاجة مضايقاك؟" حمزة اتوتر، ومسك كوباية الماية يشربها. "لا أبداً يا حبيبتي. بس قلقان شوية من أول يوم جامعة. الدنيا هنا لغة جديدة ونظام مختلف، ومش عارف هنعمل إيه." "متقلقش. احنا شاطرين وهنتعود بسرعة. والمهم إننا مع بعض زي ما قولت. أنا متحمسة أوي لمحاضرات الأدب الإسباني. عايزة أتعلم كل حاجة عنهم." مسكت إيده وطبطبت عليها بحنية. "أنت هتبقى أحسن مهندس معماري في إسبانيا كلها." بدأ يحكي عن أحلامه في قسم الهندسة المعمارية، عن المباني اللي عايز يصممها، بس كان بيحس إن صوته مش طالع زي الأول، فيه حاجة بتقيد كلامه. المكالمة كانت عاملة زي حجرة محطوطة على صدره، مش قادر يتنفس منها. "طب تفتكر هنعرف نقابل صحاب هنا بسهولة؟ ولا الناس هنا مش بتتكلم عربي؟" سألته آية وهي بتحاول تغير الموضوع، حاسة إن في حاجة مضايقاه بجد. "اكيد يا آية. الناس هنا شكلهم ودودين. أكيد هنلاقي ناس كويسة. والمصريين موجودين في كل حتة في الدنيا." خلصوا فطارهم، وحمزة قام يلم الأطباق بسرعة. آية راحت تلبس عشان الجامعة. اختارت بنطلون جينز فاتح وبلوزة بيضة، بسيطة وعملية ومريحة للحركة. بصت لنفسها في المراية. كانت حاسة إنها كبرت شوية، ملامحها نضجت. مسؤولية جديدة، حياة جديدة، بس هي مستعدة لكل ده طالما حمزة معاها. --- حمزة خلص لم الأطباق واستناها، كان كل شوية يبص على الساعة عشان ميتأخروش. أول ما خرجت من الأوضة، بص لها بإعجاب، كانت جميلة زي عادتها، بسيطة بس جمالها كان طبيعي ومفيش مجهود فيه. "إيه الجمال ده؟ أنتِ عايزة الناس كلها تبص عليكي ولا إيه؟" ابتسمت بخجل. "يلا بينا ولا إيه؟ مش عايزين نتأخر من أول يوم." خدوا شنطهم ومفاتيح الشقة. حمزة قفل الباب وراه، ونزلوا السلم اللي كان متهالك شوية. الشارع كان مليان بالناس رايحين شغلهم وجامعاتهم، الحياة كانت بتدب فيه بسرعة. ريحة المخابز الإسبانية كانت مالية الجو، مخلية الواحد نفسه ياكل كل حاجة. مشوا جنب بعض، إيديهم متشبكة، حاسين ببعض. حمزة كان بيحاول يستمتع باللحظة، يطرد أي أفكار سلبية، بس كان صعب. وصلوا الجامعة. مبنى قديم وضخم، واجهته كلها تفاصيل فنية معمارية مذهلة. الطلبة كانوا داخلين وخارجين، لغات مختلفة بتتكلم في كل مكان، كأنها خلية نحل. آية شهقت بإنبهار. "يا إلهي، المكان تحفة! أنا مش مصدقة إننا هندرس هنا." "فعلًا. شكله عريق أوي. أتمنى يوم من الأيام أقدر أصمم مبنى بالجمال ده." حمزة قالها وهو بيبص حواليه، عينه بتلمع بالأمل. فتحوا الخرايط اللي كانت معاهم عشان يعرفوا طريقهم. كل واحد منهم كان ليه مبنى مختلف. آية في كلية الآداب، وحمزة في الهندسة. حس بقلبه بيوجعه. أول مرة يتفرقوا كده في يومهم. "أنا طريقي كده." آية شاورِت على مبنى جانبي، كان ضخم زي المبنى الرئيسي. "يا رب ألاقي القاعة بتاعتي بسهولة." حمزة حس بقلبه بيوجعه. "طب يلا، متتأخريش. وأنا كمان لازم أروح. عايز ألحق أبص على القاعة قبل ما المحاضرة تبدأ." وقفوا قدام نافورة كبيرة في نص الساحة، كانت الماية بتنزل منها بصوت مريح. "هتوحشيني أوي يا حمزة." آية قالتها وصوتها فيه بحة خفيفة، كأنها مش عايزة تسيبه. حضنها حمزة جامد، كأنه بيحاول يطمنها ويطمن نفسه. "وانتِ أكتر يا روحي. أول ما أخلص المحاضرة هكلمك على طول. إوعي تقلقي على أي حاجة." بعد عنها وبص في عينيها. "شدّي حيلك يا باشمهندسة الأدب الإسباني." ضحكت آية، ابتسامتها رجعت تاني. "وانت كمان يا باشمهندس المعماري. هشوفك على الغدا؟" "إن شاء الله. هكلمك ونحدد مكان. يلا بقى، عايزة أشوفك أحسن واحدة في الدفعة." سابوا بعض وكل واحد مشي في طريقه. حمزة فضل واقف مكانه لحد ما شاف آية بتدخل المبنى بتاعها، وبعدين استدار وبدأ يمشي في اتجاه كليته. رجع تاني يفتكر المكالمة. طب لو الشخص ده عارف مكانهم، ممكن يوصل لآية؟ الفكرة دي بس خليته يتجمد مكانه، حس إن جسمه بقى تلج. لازم يعرف مين ده. لازم يحمي آية بأي طريقة ممكنة. --- دخل حمزة مبنى الهندسة. كان عبارة عن متاهة من الممرات والقاعات الكبيرة، كل قاعة شكلها مختلف عن التانية. الطلاب كانوا كتير، وبعضهم كان باين عليه إنه لسه بيحاول يتأقلم زي حمزة بالظبط. مشي ورا السهم اللي بيشاور على قاعته، كان بيحس إنه ماشي في طريق ميعرفهوش. وصل قاعة المحاضرات. كانت مليانة بالفعل، بس لقى مكان فاضي في نص الصفوف، جنب شباك كبير. قعد، وطلع كراسته وقلمه. حاول يركز في كلام الدكتور اللي بدأ يتكلم بالإسباني بسرعة وبلكنة غريبة. فهم بعض الكلمات، وكلمات تانية كان بيحاول يستنتجها من السياق، بس كان صعب أوي. عقله كان بيروح ويجي. المكالمة. الصوت المشوه. التهديد. "الحساب لسه مفتوح." يعني إيه؟ هل ده ليه علاقة بمشكلة قديمة؟ Mazen؟ ممكن يكون Mazen استأجر حد؟ لا. Mazen مش بالغباء ده، أو مش بالذكاء ده عشان يعرف يوصل ليهم في إسبانيا ويجيب رقم حمزة. تنهد بصوت خفيف. حاسس إن في عاصفة بتقرب، وإن هو مش مستعد ليها. المحاضرة كانت طويلة. ساعتين من الرسومات الهندسية والقوانين المعقدة، كان بيتوه في الأرقام والخطوط. حاول يدون كل اللي يقدر عليه. كان بيضغط على نفسه عشان يفضل مركز، بس القلق كان بياكل فيه من جوه، كان حاسس إن في نار قايدة في بطنه. خلصت المحاضرة. الطلاب بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم كان بيتكلم عن المحاضرة بلغة مختلفة. حمزة لم حاجته ببطء، كان حاسس إن أكتافه تقيلة، وكأنه شايل فوقها جبال. وهو خارج، فجأة موبايله رن. رقم غريب تاني، نفس الرقم بتاع إمبارح. قلبه خفق بسرعة كأنه هيطلع من مكانه. تردد لحظة، بعدين سحب الموبايل وهو إيده بترتعش. رد. "ألو؟" صوته كان هامس، مش قادر يعليه. صوت غريب، نفس الصوت المشوه بتاع إمبارح بالظبط. "فاكرني؟ ولا نسيت؟" حمزة ماردش، لسانه اتعقد في بقه، مش قادر ينطق ولا كلمة. "أنت فاكر إنك هربت؟ لا يا حمزة، اللعبة لسه في أولها. وعشان أثبتلك إني جد، أنا شايفك دلوقتي. شايفك وأنت خارج من مبنى الهندسة." حمزة اتلفت حواليه بسرعة، عينيه بتدور في كل اتجاه. مئات الوشوش الغريبة. مفيش أي حاجة مميزة. مين ده؟ "مين أنت؟ وعايز إيه مني؟" حمزة صوته كان طالع غصب عنه، فيه غضب وقلق مسيطر عليه. "هتعرف في الوقت المناسب. بس نصيحة مني، خلي بالك كويس من اللي حواليك. خصوصًا من آية. البنات دول حساسين أوي، وممكن أي حاجة صغيرة تكسرهم." حمزة حس بالدم بيغلي في عروقه. "لو قربت لآية، أنا هوريك أيام سودة عمرك ما شوفتها." قفل الخط في وشه. حمزة فضل واقف مكانه، الموبايل في إيده. إيده كانت بترتعش بشكل ملوحظ. مين ده؟ وإزاي يعرف آية؟ وإزاي عارف إنه في الجامعة دلوقتي؟ بص حواليه تاني. حس إن كل عين بتبص عليه. حس إن في حد بيتفرج عليه. الشخص ده موجود هنا، في الجامعة. قريب منه. قلق غير طبيعي سيطر عليه، حس إن روحه بتتسحب منه. ولأول مرة، حس إن قراره بالسفر لفالنسيا، بدل ما يكون حل، ممكن يكون حطهم في خطر أكبر بكتير. هو هنا لوحده، بعيد عن أهله وأصحابه. والشخص ده يعرف كل حاجة، كل تحركاتهم. مين ممكن يكون بيعمل كده؟ وفجأة، لمحت عينه شخص واقف بعيد عند بوابة الجامعة الرئيسية، كان لابس كاب على راسه ومغمي وشه بنظارة شمس. ملامحه مش واضحة أوي، بس كان بيبص في اتجاه حمزة تحديدًا. مجرد لمح. الشخص ده رفع إيده. حركة بسيطة أوي. كأنها كانت بتشاور. وبعدين، اختفى في زحمة الطلبة. حمزة حس بالبرد بيسري في عروقه. الرقم ده مش غريب. الشخص ده كان هنا. الشخص ده كان Mazen. مستحيل. لكن الشكل، القوام، طريقة الوقفة... كانت مألوفة بشكل مرعب لدرجة خلت حمزة يتجمد مكانه، ومبقاش قادر يحرك ولا خطوة.

End of Chapter 8