آية بتفتح عينيها ببطء، نور الشمس بيدخل من شباك أوضتها. الابتسامة بتترسم على وشها تلقائيًا وهي بتفتكر اللي حصل إمبارح. كلمة "بحبك" من حمزة لسه بترن في ودانها. بتحس كأن قلبها فراشة وبتطير جوه صدرها. دي أول مرة في حياتها تحس بالإحساس ده، إحساس جديد، مختلف عن أي حاجة تانية.\n\nبتقوم من السرير، بتروح ناحية الشباك، بتفتح الستاير. شقة حمزة قدامها على طول. بتشوف النور من شباك أوضته، تفتكر إنه ممكن يكون صاحي. إحساس غريب بين الخوف والسعادة بيملى قلبها. يا ترى هو كمان حاسس بنفس الإحساس؟ يا ترى اللي حصل ده حقيقي ولا حلم؟\n\nبتسمع صوت مامتها نادية في الصالة، صوتها بيكسر خلوتها. "آية، صحيتي يا حبيبتي؟ الفطار جاهز." بترد آية بصوت خفيف، "أيوة يا ماما، جاية أهو." بتحاول تخفي الابتسامة اللي لسه على وشها، مش عايزة مامتها تشك في حاجة. لسه بدري قوي على إنها تقولها. العلاقة دي لسه في بدايتها، مش عايزة أي حاجة تبوظها.\n\nبتروح الحمام تغسل وشها. في المراية، بتشوف وشها أحمر شوية، عينيها بتلمع بطريقة مختلفة. بتنهد، بتحاول تهدي نفسها. هما دلوقتي في علاقة، كلمة كبيرة، مسؤولية أكبر. بس مع حمزة، حاسة إن كل حاجة هتبقى سهلة. هو قوي، حنين، بيطمنها. بتفتكر نظراته إمبارح، لمسته الخفيفة على إيدها. كل تفصيلة صغيرة لسه محفورة في ذاكرتها.\n\nبتطلع من أوضتها، بتلاقي مامتها محضرة الفطار على السفرة. فول وطعمية وخبز بلدي. ريحة الشاي الأخضر مالية المكان. "صباح الخير يا ماما." بتقولها آية وهي بتقعد. نادية بتبصلها بحب، "صباح النور يا قلب ماما. مالك؟ وشك منور كده ليه؟" قلب آية بيدق بسرعة. بتحاول تلاقي أي مبرر. "مفيش يا ماما، نمت كويس بس." بتشرب الشاي بسرعة، بتحس بحرارة الكوباية في إيديها. بتحاول تتجنب نظرات مامتها اللي ممكن تكون شاكة في حاجة.\n\nنادية بتبتسم، "ربنا يريح قلبك يا حبيبتي دايمًا. قومي يلا عشان متتأخريش على الدرس. حمزة زمانه مستني." الاسم بيخلي آية تتورد خجلًا. "حاضر يا ماما." بتقوم بسرعة تلبس هدومها. بتختار تيشرت أبيض واسع وبنطلون جينز. بتحاول تبقى بسيطة، بس في نفس الوقت عايزة تظهر بشكل حلو لحمزة. بتقضي وقت أطول قدام المراية وهي بتسرح شعرها، حاطة لمسة خفيفة من ملمع الشفاه. كل تفصيلة مهمة دلوقتي.\n\nبتخلص آية لبسها، بتشيل شنطة كتبها. وهي خارجة، مامتها بتندهلها تاني. "آية، متنسيش تاخدي معاكي سندويتشات. حمزة بيحب سندويتشاتك اللي بالجبنة." آية بتبتسم. مامتها بتفكر في حمزة كأنه ابنها التاني. ده بيخلي الموضوع أسهل، وفي نفس الوقت أصعب. سهل إنهم يقضوا وقت مع بعض، وصعب إنها تخبي اللي جواها. بتاخد السندويتشات وبتنزل. وهي نازلة السلالم، بتحس بقلبها بيدق بسرعة أكبر. خطوة، التانية، لحد ما توصل قدام باب شقة حمزة.\n\n--- \n\nالباب بيتفتح قبل ما تخبط. حمزة واقف ورا الباب، ابتسامة هادية على وشه. عيونه بتلمع لما بيشوفها. "صباح الخير." بيقولها بصوت واطي، كأنه سر بينهم. "صباح النور." بترد آية، خدودها بتحمر شوية. للحظة، بيسكتوا هما الاتنين، نظراتهم بتتشابك. الجو بينهم مليان بكلام مش بيتقال. أخيرًا، حمزة بيكسر الصمت. "يلا بينا؟" بيشاور على الباب. آية بتهز راسها بالموافقة. \n\nبينزلوا السلالم جنب بعض. إيده بتلمس إيدها بخفة، بتشابك صوابعهم. إحساس الدفا والأمان بيملى آية. مش بيتكلموا كتير في الطريق للمركز. مجرد نظرات خاطفة، ابتسامات خفيفة. بس النظرات دي بتحمل معاني كتير. بيعدوا من الشارع المزدحم، صوت العربيات والباعة الجائلين مالي المكان. ريحة عادم العربيات بتختلط بريحة الفول والطعمية اللي في الشارع. آية حاسة إنها ماشية على السحاب، العالم كله حواليها هادي وجميل، بس هي مش شايفة غير حمزة. \n\nوصلوا للمركز. كان زحمة كالعادة. أول ما دخلوا، لمحت آية مريم ولوجين وأروى واقفين جنب المدخل. مريم بتغمزلها وهي بتبتسم. آية بتحاول متتكسفش، بس أكيد مريم شاكة في حاجة. بتقولهم "صباح الخير يا بنات." حمزة بيبص على أصحابه اللي واقفين شوية بعيد، بيشاورلهم وهما كمان بيردوا عليه. \n\n بيدخلوا القاعة وبيختاروا أماكنهم المعتادة. آية بتقعد جنب مريم، وحمزة بيقعد وراها مع صحابه. حصة الكيمياء بتبدأ. الدكتور محمود بيشرح المنهج بجدية. آية بتحاول تركز في الشرح، بس عقلها بيسرح لحمزة اللي قاعد وراها. بتحس بنظراته عليها من وقت للتاني. ده بيشتتها أكتر، بس في نفس الوقت بيسعدها. \n\nفي نص الحصة، الباب بيتفتح. مازن واقف على الباب. قلبي آية بينقبض. مازن بيبصلها نظرة طويلة قبل ما يدخل. حمزة بيلاحظ نظرة مازن، بيجز على أسنانه. آية بتحس بالتوتر بيرجع تاني. مازن بيمشي لحد ما يوصل لآخر القاعة وبيفصل كرسي. نظراته بتفضل تلاحق آية طول الحصة. بتحاول تتجاهله، بس الخوف من اللي ممكن يعمله لسه موجود. \n\nبعد الحصة، الطلاب بيطلعوا. حمزة بيستنى آية عند الباب. "متخافيش." بيقولها وهو بيحاول يطمنها. "انا معاكي." آية بتهز راسها، بس لسه قلقانة. بيعدوا جنب مازن، مازن بيقول بصوت واطي، "لسه الحساب مخلصش." حمزة بيبصله بنظرة حادة، بس ميردش عليه. مش عايز يعمل مشاكل تاني في المركز. \n\nبيمشوا هما الاتنين في اتجاه البيت، بس المرة دي الجو مش زي الصبح. التوتر بين آية وحمزة واضح. "متقلقيش، انا مش هسمحله يعملك أي حاجة." بيقولها حمزة وهو بيشد على إيدها. "انا خايفة يا حمزة. مش عارفة ممكن يعمل إيه." بتقوله آية بصوت واطي. "مهما عمل، انا جنبك. متخافيش من أي حاجة." بيطمنها حمزة بابتسامة. \n\n--- \n\nرجعوا البيت بعد يوم طويل في المركز. آية دخلت أوضتها، رمت شنطتها على الأرض، ورجعت السرير. الإرهاق مالي جسمها. بتغمض عينيها، بتحاول ترتاح. بتفكر في كلام مازن، التهديدات اللي لسه مش مفهومة. ده بيخليها متوترة. بتفكر في حمزة، إزاي بيحاول يحميها. ده بيطمنها شوية. \n\nبعد شوية، بتقوم تذاكر. عندها امتحان قريب. بس تركيزها مشتت. كل شوية عقلها بيسرح لمازن ولحمزة. بتحاول ترجع نفسها للمذاكرة، بس الموضوع صعب. بتذاكر حوالي ساعتين، وبعدين بتحس بالجوع. بتطلع للمطبخ. مامتها نادية واقفة بتجهز العشا. \n\n"خلصتي مذاكرة يا آية؟" بتسألها نادية من غير ما تبصلها. "لسه يا ماما، بس جعانة." بتقولها آية وهي بتفتح التلاجة. "في أكل على النار، طلعيه وسخنيه." بتقول نادية بصوت ناشف شوية. آية بتستغرب، مامتها مش بترد عليها كده عادةً. "مالك يا ماما؟" بتسألها. نادية بتبصلها بنظرة غريبة. "مفيش. بس كنت عايزة أتكلم معاكي في حاجة." \n\n"في إيه يا ماما؟" آية بتحس إن في حاجة مش مظبوطة. "مالك يا آية بقالك فترة كده؟ سارحة وعايشة في عالم تاني. درجاتك بدأت تقل، وتركيزك مش زي الأول." كلام مامتها بيصدم آية. هي مش حاسة إنها اتغيرت للدرجة دي. "مفيش حاجة يا ماما، عادي يعني." بتقولها آية وهي بتحاول تدافع عن نفسها. \n\nنادية بتقرب منها. "يعني إيه مفيش حاجة؟ انا أمك وعارفة كل حاجة فيكي. فيه حاجة شغلاكي. مش عايزة تقوليلي إيه هي؟" صوت نادية بيرتفع شوية. آية بتحس بالضغط. "مفيش حاجة والله يا ماما. انا كويسة." بتقولها بصوت أعلى. "لا مش كويسة. انا شايفة ده في عينيكي. ولو ده بسبب الولا حمزة ده، يبقى من بكرة مفيش روحة مركز ولا فيه دراسة معاه." \n\nجملة مامتها الأخيرة بتنزل على آية زي الصاعقة. "إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ حمزة ملوش دعوة بحاجة." آية صوتها بيرتفع. "هو ملوش دعوة ليه؟ هو مش اللي بقالك فترة كل شوية سارحة بسببه؟ انا شايفاكي يا آية، مش عيلة صغيرة. كل شوية تبصي عليه من الشباك، وكل مرة ترجعي من الدرس وشك منور. مش عبيطة انا عشان مصدقش." نادية كلامها بيوجع آية. \n\n"وانتي إيه عرفك بكل ده؟ كنتي بتراقبييني يا ماما؟" آية بتحس بالخيانة. "أيوة كنت براقبك! عشان مصلحتك. انتي عندك مستقبل، مش وقت حب وعلاقات دلوقتي. ركزي في دراستك." نادية بتحاول تمسك آية من دراعها. آية بتشد دراعها منها. "مش عايزة أركز في دراستي! أنا مش عايزة كل حاجة انتي عايزاها! سيبيني في حالي." آية بتحس بالدموع بتتملى في عينيها. \n\n--- \n\nالخناقة بين آية ومامتها بتشتد. صوتهم بيرتفع أكتر وأكتر. نادية بتصرخ، "يعني إيه مش عايزة تركز يافاشلة؟ عشان تطلعي زيي مكملتيش تعليمي؟ انا عايزة أشوفك أحسن واحدة في الدنيا." آية بتصرخ بصوت أعلى، "مش عايزة أكون أحسن واحدة في الدنيا! عايزة أعيش حياتي بطريقتي." بتنفجر آية في العياط. بتجري على أوضتها، بتقفل الباب وراها بالقوة. \n\nصوت قفل الباب بيرن في الشقة. آية بتقعد على الأرض جنب الباب، بتحضن رجليها. الدموع بتنزل منها زي المطر. حاسة إنها مخنوقة. مامتها مش فاهماها. حاسة إنها وحيدة. بتفتكر كلام حمزة، "انا جنبك." بس دلوقتي هو مش موجود. بتشيل الموبايل من جيبها، بتبص على اسمه. مترددة تبعتله ولا لأ. مش عايزة تقلقه، ولا عايزة تخليه طرف في مشاكلها مع مامتها. \n\nالساعة بتعدي. صوت مامتها بيبطل. هدوء بيخيم على الشقة. آية بتقوم من مكانها. بتبص من الشباك. الجو بدأ يليل، والسما بدأت تغيم. نقط مطر خفيفة بدأت تنزل. فكرة مجنونة بتيجي في بالها. عايزة تهرب من كل ده. تهرب من البيت، من الخناقات، من الضغط. بس تروح فين؟ \n\nمفيش مكان محدد في بالها. مجرد رغبة في إنها تطلع وتتنفس بعيد عن الجو ده. بتلم حاجات بسيطة بسرعة. محفظتها، موبايلها. بتفتح دولابها، بتطلع جاكيت تقيل. المطر بدأ يشتد. بتلبسه بسرعة. بتتسلل ناحية الباب الخارجي للشقة. قلبها بيدق زي الطبل. بتسمع صوت مامتها بتتحرك في أوضتها. بتستنى لحظة، وبعدين بتفتح الباب ببطء. \n\nبتخرج آية من الشقة من غير ما تعمل أي صوت. بتنزل السلالم خطوة خطوة. المطر كان غزير برا. صوت الرعد بيقصف في السما. الشارع ضلمة، ومفيش أي حد. بتمشي بسرعة في الشارع، المطر بيغرق وشها. مش شايفة حاجة قدامها من كتر المطر. بتعدي الشارع، بتدخل شارع جانبي أضلم وأهدى. بتحس بالبرد بيخترق عضمها. بس هي مش عايزة ترجع. مش عايزة ترجع للبيت اللي حست فيه إنها مش مفهومة. \n\n--- \n\nحمزة قاعد في أوضته بيذاكر. الساعة قربت على 12 بالليل. صوت المطر غزير برا، مع صوت رعد بيقطع سكون الليل. بيحس بقلق غريب. مش عارف سببه. بيروح ناحية الشباك، بيبص على شقة آية. كل الأنوار مطفية. ممكن تكون نامت. بيحاول يطمن نفسه، بس إحساس القلق مش بيروح. \n\nفجأة، بيسمع صوت خبط خفيف على باب شقتهم. في الوقت ده من الليل؟ مين ممكن يكون؟ بيقوم بسرعة، بيروح ناحية الباب. بيفتح الباب، بيلاقي أمه ملكة واقفة على الباب، وشها باين عليه القلق. "في إيه يا ماما؟" بيسألها حمزة. ملكة بتبص عليه وعينيها مليانة خوف. "شفت آية وهي نازلة من البيت." \n\nقلب حمزة بينقبض. "آية؟ نازلة ليه؟ في الوقت ده؟" بيحس إن في حاجة مش مظبوطة. "مش عارفة يا حمزة. شفتها وهي بتجري في الشارع، والمطر غزير. شكلها كانت بتعيط." بتقول ملكة وهي بتحاول تجمع أنفاسها. \n\nحمزة مش بيستنى يسمع أكتر من كده. بيجري على أوضته، بيلبس جاكيته بسرعة. بياخد مفاتيحه وموبايله. "خليكي هنا يا ماما." بيقول لأمه وهو بيجري ناحية الباب. بيفتح باب الشقة، المطر بيضربه في وشه. الدنيا ضلمة تمامًا. صوت الرياح والمطر بيملى الجو. بيجري في الشارع، عيونه بتدور في كل حتة. "آية!" بينادي بصوت عالي، صوته بيكاد يضيع في دوشة المطر. بس مفيش رد. قلبه بينقبض أكتر. هو عارف إنها مش بتحب المطر. هو خايف عليها. خايف جدًا إن تكون حصلتلها حاجة في الليلة الضلمة والممطرة دي. بيحس إن كل خطوة بياخدها، بتودي بيه لقلبه اللي بينقبض بزيادة. بيبص حواليه في الضلمة، بيحاول يشوف أي أثر ليها، لكن كل اللي بيشوفه هو الشارع الفاضي اللي غرقان في المطر. بيصرخ تاني بصوت عالي، "آية! إنتي فين؟"