Chapter 4 of 16
Chapter 4: إحساس جديد
1.4k words
الصبح بيبدأ هادي زي كل يوم تقريبًا دلوقتي. الشمس بتعدي من الشباك، بتنور أوضتي، بس إحساس الدفا اللي جوايا ده مش من الشمس بس. ده من حمزة. بقى جزء من يومي، جزء من كل حاجة. بفتكر الضحك اللي بنضحكه، الكلام اللي مبيتوقفش، وإزاي كل ما بنقرب أكتر بحس إن قلبي بيرفرف جوه صدري.
من ساعة ما أمي وأمه اتفقوا إننا نروح السنتر سوا ونذاكر سوا، حياتي اتغيرت. مبقتش لوحدي. بقى فيه حد بيشاركني كل لحظة، حد ببقى مستنياه على نار. حمزة بيعرف يطمني، يخليني أنسى أي قلق، حتى قلق مزن اللي لسه عامل زي الخيال اللي بيطاردني في الأحلام.
بقوم من السرير وأنا ببتسم. بجهز بسرعة، بختار هدومي اللي أحس إني مرتاحة فيها وشكلها حلو، مش عشان حد معين، بس عشان أحس إني كويسة. صوت ماما نادية بينادي من المطبخ، "آية، هتتأخري على حمزة!"
بجري بسرعة ألبس وأفطر أي حاجة خفيفة. عارفة إنه هيرن الجرس في أي لحظة. كل مرة بشوفه فيها، قلبي بيدق كأنها أول مرة. بحس بوشي بيحمر، وده بيضايقني شوية، بس معرفش أتحكم فيه. يمكن هو كمان بيحس بحاجة زي دي.
الباب بيرن. قلبي بينط. باخد نفس عميق وبفتح. حمزة واقف، بيبتسم ابتسامته اللي بتنور الدنيا. لابس تي شيرت كحلي وجينز، شعره متسرح وشكله بسيط بس جذاب. عينه بتلمع أول ما بيشوفني.
"صباح الخير يا آية، جاهزة؟" صوته دافي وبيوصل لقلبي على طول. بحاول أرد بهدوء، "صباح النور يا حمزة، أيوة جاهزة." بنزل السلم سوا، كل خطوة بناخدها بتحسسني إننا بنقرب أكتر، مش بس للمحطة، لا، لبعض.
في الشارع، الجو لسه فيه نسمة هواء منعشة. الناس لسه في بداية يومها، المحلات بتفتح. بنمشي جنب بعض، أحيانًا كتفنا بيلمس كتفه، كهربا خفيفة بتسري في جسمي كله. بنحكي عن الامتحانات اللي قربت، عن المدرسين، عن أصحابنا.
"عبد الله بيقول إنه مش فاهم الدرس الأخير في الفيزياء خالص،" حمزة بيقول وهو بيضحك. "بيقولي يا ريت آية تشرحلهولي." بنضحك سوا. عبد الله ده طول عمره كده، بيحب يهزر ويستسهل الأمور.
"وأنت يا حمزة؟ إيه أكتر مادة بتكرهها؟" بسأله وأنا ببص في عينيه. بيبصلي بابتسامة خفيفة، "مفيش مادة بكرهها قوي، بس يمكن التاريخ ممل شوية. بحس إني عايز أرجع بالزمن وأشوف الأحداث بنفسي بدل ما أقرا عنها." عينه بتلمع وهو بيقول كده، بحس إنه طفل كبير.
طول الطريق، مفيش لحظة صمت بتطول بيننا. دايما فيه كلام، ضحك، نظرات خفية. بنحس ببعض حتى من غير ما نتكلم. بفتكر نظرة مزن لينا، التهديد اللي في عينه. بس حمزة جنبي، إيده أحيانًا بتلامس إيدي بالصدفة، وده بيطمني. بحس إنه سند وقوة.
بنركب الميكروباص اللي بيودينا السنتر. بنفضل قاعدين جنب بعض، أحيانًا بيكون زحمة وأحيانًا لأ. لما بيكون زحمة، جسمنا بيلمس بعض أكتر، وده بيخليني أحس بإحساس غريب وحلو في نفس الوقت. حمزة بيحاول يوسع لي مكان، وده بيخليني أحس إنه بيهتم بيا، بيخاف عليا.
النهاردة قررنا نذاكر في شقتنا، عشان ماما نادية عاملة كيكة جديدة. حمزة وافق على طول، متحمس للكيكة ولجو البيت الهادي اللي بيحب يذاكر فيه. بنوصل البيت وبنطلع السلم. كل خطوة بتزيد من دقات قلبي، خصوصًا وإحنا قربنا من شقتنا. فيه حاجة مختلفة النهاردة، إحساس غريب مسيطر عليا، كأنه يوم مهم.
---
بندخل الشقة، ماما نادية بترحب بحمزة بحرارة. "أهلاً يا حمزة، اتفضل يا حبيبي. الكيكة لسه سخنة." حمزة بيبتسم لها، "تسلم إيدك يا طنط. ريحتها قالبه الدنيا." بنقعد في أوضة السفرة، بنطلع الكتب والملازم بتاعتنا. بيبدأ حمزة يشرح لي نقطة في الرياضة كنت مش فاهماها. صوته هادي وواضح، وبيشرح بطريقة مبسطة بتخليني أفهم أي حاجة منه.
ببص في الكتاب، وبحاول أركز في الشرح، بس عيني بتسرح عليه. على طريقة مسكته للقلم، على تعبيرات وشه وهو بيفكر. بحس إني بتوه في تفاصيله. فجأة، بيرفع رأسه وبيلاقي عيني في عينيه. بلخبط، بحاول أعمل نفسي مركزة في الكتاب، بس عارفة إنه لاحظ.
بياخد نفس عميق. "آية،" صوته بيطلع مختلف، مش زي صوته وهو بيشرح. فيه حاجة تانية، حاجة عميقة. ببص له، قلبي بيدق بسرعة. حاسة إن في حاجة مهمة هتتقال. "أنا... أنا عايز أقولك حاجة." كلامه بيخرج بصعوبة، كأنه بيحاول يجمع كل قوته عشان يقولها. عينه بتلمع، بتبصلي بجدية، بس كمان بشوية خوف.
بستنى، مش قادرة أنطق. حاسة إن لساني مربوط. هو بيسكت لحظة، كأنه بيستنى مني أي إشارة، أي كلمة. بس أنا ساكتة تمامًا، بس قلبي هو اللي بيتكلم وبيصرخ جوايا. "آية، أنا... أنا بحبك يا آية." الكلمتين دول بيخبطوا في وداني كأنه صاعقة. الكون كله بيقف للحظة. كل حاجة حواليا بتسكت، مبسمعش غير دقات قلبي اللي بتزيد سرعتها بشكل جنوني.
ببص له، مش عارفة أقول إيه. وشي أكيد أحمر زي الطماطم. إحساس غريب بيسيطر عليا. فرحة كبيرة ممزوجة بخوف أكبر. فرحة إنه قال الكلمة اللي أنا نفسي أسمعها، اللي أنا نفسي أقولها. وخوف من كل حاجة، من مزن، من المشاكل، من الدنيا كلها.
---
بفضل ساكتة، كلمة واحدة مش قادرة تطلع مني. حمزة بيبصلي بعينين مليانة ترقب، كأنه مستني حكم الإعدام. بحس بالتوتر اللي بيننا بيزيد. نفسي أرد، نفسي أقول أي حاجة، بس الكلام واقف في زوري. عقلي بيصارع بين قلبي اللي بيصرخ "قوليها!" وبين عقلي اللي بيقول "استني، فكري، الدنيا مش وردي كده."
بفتكر مزن تاني. التهديدات، المشاكل. هل حمزة مستعد لكل ده؟ هل أنا مستعدة؟ هل الحب ده يستاهل كل المشاكل اللي ممكن تحصل؟ بس لما ببص في عينيه، كل المخاوف دي بتتلاشى لحظة. عينه بتوعدني بالأمان، بالحماية، بالحب اللي مكنتش أعرف إني محتاجاه بالشكل ده.
بياخد نفس عميق تاني، وكأنه هيتكلم. "آية، أنا فاهم لو..." مش بسيبه يكمل. كلمة واحدة بتطلع مني، كلمة مكنتش عارفة إزاي قدرت أقولها بصوت واضح وثابت، "وأنا كمان يا حمزة." كل الخوف بيتبخر، كل القلق بيختفي. مبسمعش غير صوت الكلمة دي وهي بتتردد في وداني وبتملى المكان كله.
عينيه بتوسع، بتنور بشكل مدهش. ابتسامة كبيرة بترسم على وشه، بتوصل لعينيه. بحس إني نفسي أعيط من الفرحة، بس بمسك نفسي. الإحساس اللي بيوصلني منه هو إحساس بالراحة والأمان. كأن قلبي كان في سباق، وفجأة وصل لخط النهاية. هو كمان حاسس بنفس الإحساس. الصمت بيرجع تاني، بس المرة دي صمت حلو، صمت مليان مشاعر.
بيبصلي بحنان، إيده بتتمد ببطء ناحية إيدي اللي كانت على الترابيزة. بتفضل مترددة ثواني، وبعدين بتتشابك أصابعنا. لمسة إيده بتطمني، بتأكدلي إن ده مش حلم. إيدي في إيده، قلبي في قلبه. خلاص، مبقتش لوحدي، ومبقاش لوحده.
---
كل حاجة حواليا بتتغير. الألوان بقت أزهى، الأصوات بقت أحلى. الكيكة اللي ماما نادية عملتها، مذاقها بقى أحلى كأن السكر زاد فيها فجأة. حمزة بيبصلي بابتسامة متتوصفش. "كنت خايف أقولك،" صوته بيطلع همس، "مكنتش عارف إيه رد فعلك."
بضغط على إيده، "وأنا كنت خايفة أقولك. بس دلوقتي... حاسة إني طايرة." بنضحك سوا. ضحكة بريئة، ضحكة طالعة من القلب. بنرجع نذاكر تاني، بس تركيزنا اتقسم بين الكتب وبعض. كل شوية عينينا بتيجي في عيون بعض، وكل مرة بحس بنفس السعادة والراحة. المذاكرة بقت أحلى، كل حاجة بقت أحلى.
"إيه أكتر حلم نفسك تحققيه يا آية؟" بيسألني حمزة فجأة. بفكر شوية، "نفسي أكون حاجة مهمة، حاجة أقدر أخدم بيها الناس. يمكن دكتورة." بيبصلي بتقدير. "هتكوني أحسن دكتورة في الدنيا. أنا متأكد."
"وأنت؟ إيه حلمك؟" بسأله. بيبص للسقف للحظة، وكأنه بيرسم حلمه ده في دماغه. "نفسي أعمل حاجة ليها قيمة. مهندس، أبني حاجات تفيد الناس. و..." بيسكت وبيبتسم ابتسامة خفيفة، "ونفسي نفضل سوا." الكلمة الأخيرة بتطلع منه بهمس، بتدخل قلبي وتتثبت فيه.
بوعده بنفس الإحساس. بنفضل نحلم سوا، نتكلم عن بيتنا اللي هنعيش فيه، عن ولادنا اللي هنجيبهم. أفكار بسيطة، بس بتملانا أمل في المستقبل. كان الجو هادي ومريح، مليان بالحب الصادق اللي لسه في بدايته. الوقت بيجري بينا من غير ما نحس.
---
الشمس بدأت تغيب، والجو بقى ألطف. حمزة بيستأذن عشان يروح بيته. بنقف قدام باب الشقة. ماما نادية بتودعه، "متتأخرش علينا يا حمزة، البيت بيتك." بيبتسم لها، "حاضر يا طنط." وبيلف يبصلي.
"أشوفك بكرة؟" بيسألني بصوت خافت. "أكيد،" برد عليه بنفس الهدوء. في لحظة مفيش حد شايفنا فيها، إيده بتلمس إيدي تاني. لمسة سريعة، بس فيها كل معاني الوعد والأمان. بنبتسم لبعض ابتسامة طويلة، ابتسامة بتقول كل اللي مش قادرين نقوله باللسان. بيمشي حمزة، وأنا بدخل الشقة، قلبي مليان فرحة.
قاعدة في أوضتي، مبتسمة زي الهبلة. كل كلمة قالها، كل نظرة، بتتردد في دماغي. أنا بحب حمزة، وهو بيحبني. إحساس جديد، إحساس بالقوة، إحساس إن الدنيا كلها ممكن تكون حلوة. بفتح الشباك، ببص على الشارع. الجو ليل، والنجوم بدأت تبان خافتة.
نفسي اليوم ده مخلصش أبدًا. نفسي أفضل طول عمري حاسة بنفس الإحساس ده، بنفس الأمان. حمزة بيبعتلي رسالة على الواتساب، "أحلام سعيدة يا حبيبتي." كلمة "حبيبتي" بتخليني أتجنن من الفرحة. برد عليه بسرعة، "وأنت كمان يا حبيبي." بفضل ماسكة التليفون، ببتسم للسقف. الدنيا دي كلها أصبحت ملكي.
ببص من الشباك تاني، وكأني عايزة أشوفه تاني، أطمن عليه. ساعتها عيني بتيجي على الركن اللي هناك، تحت عمود النور الخافِت. في ضل مش واضح، فيه حد واقف بيبصلنا من بعيد، بيبص على الشقة. قلبي بيتقبض. مزن. هو مكنش نسي. هو كان بيراقبنا طول الوقت. الخوف بيسري في عروقي تاني، بيكسر الفرحة. ده لسه موجود، ومستني اللحظة الصح عشان يضرب.