Chapter 3 of 16

Chapter 3: قعدة بيت العيلة

1.6k words

قلبي دق بسرعة لما سمعت كلمة "بحبك" من حمزة. وقفت مكاني مش عارفة أقول إيه. عيني كانت متعلقة بيه، وشوشي سخنت أوي لدرجة حسيت إنها هتنور في الضلمة. هو كمان كان باصصلي، عيونه فيها لمعة غريبة، كأنه بيقولي حاجة أكبر بكتير من الكلمة اللي قالها. الجو حوالينا كان مليان زحمة السنتر، بس في اللحظة دي، حسيت إن مفيش حد غيرنا إحنا الاتنين. فضلنا ساكتين كده كام ثانية، يمكن كانوا أكتر، معرفش. السكوت كان طويل بس مش وحش، كان مليان كلام مش بيتقال. بعدين سمعت صوت مريم بتنادي عليا من بعيد. "أية! يلا يا بنتي، الأستاذ محمود خلاص مشي." صوتها كان عادي، بس قطع اللحظة دي قطع غريب. حمزة رمش كده، كأنه صحي من حلم، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، وكمل كلامه بسرعة، كأنه بيغير الموضوع، "أنا... أنا قصدي إنك صاحبتي و... وعشان كدا قلقان عليكي من أي حاجة." صوته كان متغير شوية، أهدى من العادي. مقدرتش أرد عليه، بس هزيت راسي كأني صدقته. كأني مصدقة إن كلمة بحبك دي معناها بس "صاحبتي". كنت عارفة إنها مش كده، بس معرفتش أعمل إيه أو أقول إيه. حمزة بصلي نظرة أخيرة، وبعدين لف وشاف صحابه عبد الله ويوسف وخالد وعبد الرحمن جايين ناحيته. عبد الله كان بيطبطب على كتفه وبيقوله، "إيه يا معلم، في إيه؟ الأستاذ محمود عمل إيه في مازن ده؟" وكأن اللحظة اللي فاتت دي محصلتش خالص. رجعت لصحابي مريم ولجين وأروى. مريم كانت بتشدني من إيدي وبتقولي، "مالك يا أية وشك أحمر كدا ليه؟ الجو حر؟" حاولت أبتسم وأقولها، "آه، الجو حر أوي النهاردة." بس كنت حاسة إن كلامي مش طبيعي. بصيت الناحية التانية لقيت حمزة وصحابه ماشيين ناحية الباب. حمزة مكنش بيبص ناحيتي تاني، وده وجعني شوية، حسيت إني كنت عايزاه يبصلي، عايزاه يقول حاجة تانية، عايزاه يكمل اللي بدأه. بس هو ساب كل حاجة متعلقة في الهوا. طول الطريق للبيت كنت ساكتة أغلب الوقت. مريم كانت بتحكي عن درس العربي، ولجين وأروى كانوا بيضحكوا على حاجة تافهة حصلت في السنتر، بس أنا كان بالي كله مع حمزة. كلمة "بحبك" كانت بترن في وداني زي الأغنية. هل هو فعلاً قصده كده؟ هل الكلمة دي طلعت منه من غير ما يقصد؟ لأ، نظرة عينه مكنتش كده. كانت نظرة عايزة تفهمني حاجة كبيرة. كنت بفكر في مازن اللي الأستاذ محمود أخده مكتبه، بس الموضوع ده دلوقتي بقى على جنب. حمزة شغله بالي أكتر. اللي قاله ده هيغير كل حاجة بيننا، صح؟ وصلت البيت، لقيت ماما نادية واقفة في البلكونة، وشها منور ومبسوطة أوي. "أية يا حبيبتي، جيتي في وقتك!" قالتها بصوت عالي وهي بتشاورلي أروح عندها. "عايزة أقولك خبر هيفرحك أوي." طلعت على السلم بسرعة، حسيت إن فيه حاجة حلوة هتحصل يمكن تنسيني شوية لخبطة حمزة. "إيه يا ماما، خير؟" سألتها وأنا باخد نفسي. "ماليكا صاحبتي زمان، فاكراها؟ جابت شقتها اللي هنا!" مكنتش فاهمة قصدها إيه بـ "هنا". "هنا فين يا ماما؟" ضحكت ماما ضحكة عالية، "هنا يا حبيبتي، الشقة اللي قصادنا بالظبط!" صدمة. رجعت خطوة لورا، معرفتش أقول إيه. "الشقة اللي قصادنا؟" سألتها تاني، كأني بتأكد إن وداني مسمعتش غلط. "آه والله يا أية، شوفي المفاجأة الحلوة دي! أهل حمزة هيبقوا جيرانا!" كلمة "أهل حمزة" كانت زي الصاعقة. يبقى هو اللي قالولي عليه زمان إنهم صحاب ماما وماما ماليكا، هما دول أهل حمزة. العالم صغير أوي كده ليه؟ فجأة، سمعت صوت خبط ورزع من الشقة اللي قصادنا. بصيت لقيت باب الشقة مفتوح، وعمالين يدخلوا كراتين وحاجات. ولمحت حمزة. كان لابس تيشرت أسود، وشعره منكوش شوية من المجهود. كان شايل كرتونة كبيرة وهو داخل. رفع وشه، وعينه جت في عيني بالظبط. للحظة حسيت إن المكان كله هادي تاني، زي السنتر. ابتسامة خفيفة رسمت على وشه، ورديتله الابتسامة وأنا وشي كله بقى أحمر تاني. يا نهار أبيض، ده كدا هيشوفني كل يوم، وهيبقى جاري، وهيقعد قصادي في البيت. ماما ماليكا، والدة حمزة، خرجت من الشقة وابتسامتها واسعة. كانت بتسلم على ماما نادية بحرارة أوي، كأنهم متقبلوش من سنين. "نادية حبيبتي! وحشتيني يا روح قلبي!" صوتها كان مليان دفى. "ماليكا يا أختي! مش مصدقة إنك هتبقي هنا قصادي!" ماما حضنتها حضن قوي. قعدوا يتكلموا ويضحكوا عن ذكرياتهم زمان، عن أيامهم في العمارة القديمة، وعن مشاكلهم مع المذاكرة. أنا كنت واقفة بتفرج عليهم، بس كل شوية كنت برفع عيني ناحية حمزة وهو بيتحرك جوه الشقة. كان بيشيل حاجات وبيوجه العمال، كأنه راجل البيت. كان شكله مهتم أوي بكل التفاصيل. بعد شوية، ماما ماليكا نادت على حمزة، "حمزة يا حبيبي، سلم على طنط نادية وأية." حمزة طلع بسرعة، وشه فيه ابتسامة هادية. سلم على ماما نادية بكل احترام، وبعدين بصلي. "إزيك يا أية." صوته كان هادي ومختلف عن صوت السنتر. "الحمد لله، إزيك أنت يا حمزة." رديت عليه وأنا حاسة بضربات قلبي بتزيد تاني. مش معقول، إحنا لسه سامعين كلمة بحبك دي من كام ساعة، ودلوقتي إحنا جيران وواقفين بنتكلم عادي كده؟ الأمهات بقى كملوا كلامهم وهما مبسوطين أوي بالصدفة الحلوة دي. "أية وحمزة في نفس الدروس، صح يا نادية؟" قالتها ماما ماليكا وهي بتشرب شاي. ماما نادية هزت راسها وهي مبتسمة، "آه يا حبيبتي، وفي نفس السنتر كمان." مكنتش فاهمة هما رايحين على فين بالكلام ده. "طب ما حلو أوي كده!" ماما ماليكا بصت لماما نادية بذكاء، "بدل ما كل واحد فيهم يروح لوحده ويتعب، يروحوا مع بعض ويرجعوا مع بعض. أحسنلهم وأمان أكتر، إيه رأيك؟" ماما نادية فكرت ثواني، وبعدين وشها نور، "فكرة هايلة يا ماليكا! أنا كنت بفكر في الموضوع ده بالظبط! أصل أية بتيجي لوحدها ساعات بتأخر، وأنا ببقى قلقانة عليها. كدا هتبقى مطمنة عليها مع حمزة." بصيت على حمزة لقيته بيشرب العصير بتاعه ومبصش ناحيتي. كنت حاسة إني عايزة أتكلم، عايزة أقول لأ، مش هينفع، بس ولا كلمة طلعت مني. الفكرة نفسها كانت بتخليني مبسوطة ومتوترة في نفس الوقت. "وبعدين،" كملت ماما ماليكا، "ما هم في نفس السن، وفي نفس الدروس، ممكن يذاكروا مع بعض! بدل ما كل واحد يذاكر لوحده، يبقوا يشجعوا بعض." ابتسامتها كانت واسعة أوي. "أيوه، صح!" ماما نادية كانت مبسوطة من الفكرة دي أكتر. "لما أنا أبقى مش موجودة، أية ممكن تنزل عندكم تذاكر، أو لو أنت مش موجودة يا ماليكا، حمزة يطلع عندنا." الجملة الأخيرة دي خلتني أحس إن الدنيا بتلف بيا. أنا وحمزة لوحدنا في البيت بنذاكر؟ ده مستحيل. حمزة أخيرًا رفع عينه وبصلي. في عينه كان فيه لمعة معرفتش أفهمها. هل هو مبسوط؟ هل هو خايف زيي؟ مجاش منه أي تعليق، بس شرب بقية العصير. ماما ماليكا كانت بتقول، "طبعًا، وكمان لو واحدة فينا مش موجودة، الأولاد ميتعبوش، ينزلوا ياكلوا عند التانية أو يطلعوا. إحنا خلاص أهل." الفكرة كانت بتكبر وتتفرع، وكل تفريعة كانت بتخليني أحس بإحساس جديد، مزيج من الفرحة والخوف والترقب. كنت بتخيل إزاي حياتي هتتغير. حمزة هيبقى في كل تفاصيل يومي. الأسابيع اللي بعد كده كانت زي الحلم. بدأت أنا وحمزة نروح السنتر مع بعض ونرجع مع بعض. أول يوم كان صعب أوي. كنا ماشيين جنب بعض والسكوت كان طويل ومحرج. كنت كل شوية أرمي نظرة عليه وهو كمان كان بيعمل كده. كنا بنحاول نتكلم عن أي حاجة، عن الدرس، عن المدرسين، عن الامتحانات، بس كل كلمة كانت بتطلع بصعوبة. كنت حاسة إن كلمة "بحبك" اللي قالها لسه متعلقة في الهوا بيننا، وبتخلي أي كلام تاني يبان تافه. مرة، وهو ماشي جنبي، خبط كتفه في كتفي بالغلط. "آسف." قالها وهو وشه أحمر. "ولا يهمك." رديت عليه بسرعة. اللمسة الخفيفة دي خلت جسمي كله يسقع ويسخن في نفس الوقت. حسيت إني عايزة أمد إيدي وأمسك إيده، بس معرفتش. السكوت كان بيطول بينا أحيانًا، بس كان فيه سكون حلو، سكون مليان فهم من غير كلام. كنت ببص على تفاصيل وشه، على طريقة كلامه، على ضحكته اللي بتطلع من غير صوت. كنت بحس إني بتعلق بيه أكتر كل يوم. وبعدين، بدأت جلسات المذاكرة. أول مرة كانت عندنا في البيت. كنت قاعدة على ترابيزة السفرة وهو قاعد قصادي. ماما كانت في المطبخ بتعمل حاجة، فكنا لوحدنا في الصالة. كنت ماسكة القلم وبحاول أركز في كتاب العلوم، بس عيني كانت كل شوية تهرب ناحيته. كان مركز أوي وهو بيحل المسائل، ومكشر شوية من التركيز. شكله كان حلو أوي وهو كده. "حمزة،" قلتها بصوت واطي. رفع وشه وبصلي، "نعم؟" "ممكن تشرحلي الحتة دي؟" شورتله على فقرة في الكتاب. قرب مني شوية، وفضل يشرحلي بصوته الهادي. قربه مني خلى قلبي يرقص. كنت بتظاهر إني بفهم كل كلمة بيقولها، بس الحقيقة إني كنت مركزة في ريحة البرفيوم بتاعته اللي كانت مالية المكان، وفي إيده اللي كانت قريبة أوي من إيدي على الترابيزة. حسيت إن أنفاسي بدأت تتسارع. الأيام بقت تعدي بسرعة، وحياتنا بقت متشابكة أكتر. كنا بنروح السنتر سوا، بنذاكر سوا، وساعات لما ماما بتبقى مش موجودة، كنت بنزل أكل عند طنط ماليكا، أو هو بيطلع عندنا. الكلمة اللي قالها في السنتر لسه محدش جاب سيرتها تاني. كنت بحس إنها بيننا زي سر كبير، سر حلو ومخوف في نفس الوقت. كل يوم كنت بستنى اللحظة اللي هشوفه فيها، ولما بنكون سوا، كنت بتمنى الوقت مخلصش. كنت حاسة إني بحبه أكتر وأكتر، ومبسوطة بالوضع ده أوي، بس في نفس الوقت كنت قلقانة. قلقانة من إيه؟ معرفش، يمكن من كلمة مازن اللي الأستاذ محمود قال عليها. كان يوم خميس، كنا راجعين من السنتر، والجو كان لطيف. كنت بتكلم مع حمزة عن امتحان التاريخ اللي ذاكرناه سوا، وهو كان بيضحك على حاجة قلتها. كنا ماشيين في أمان، وضحكتنا مسموعة في الشارع الهادي. فجأة، حمزة سكت. وشه اتغير. رفعت عيني وبصيت في نفس الاتجاه اللي هو بيبص فيه. قلبي نزل في رجلي لما شفته واقف هناك، ساند على عمود نور، بيبص علينا نظرة كلها غضب وحقد. كان مازن. مازن كان واقف، لابس تيشرت أسود برضه، بس المرة دي كان فيه علامة غريبة على كتفه. عينه كانت متعلقة بينا، وعين حمزة كانت متعلقة بيه. حسيت إن الجو كله بقى مليان كهربا، وكأن في حاجة وحشة هتحصل دلوقتي. مازن رفع إيده ببطء، وعمل إشارة غريبة بإصباعه، إشارة تهديد مبهمة، وهو بيبص ناحية حمزة. اللحظة دي كانت زي السكينة اللي بتنزل في قلبي. إيه اللي مازن ناوي يعمله؟

End of Chapter 3