Chapter 29 of 30

الفصل 29: العودة للوطن ودفء اللقاء

1.5k words

وقفت آية قدام يونغي في مطار باريس، الكلمة الوحيدة اللي بتتردد في ودانها كانت "آية". مش اسمها، لأ، ده كان اسم أخته اللي ماتت. الأوراق اللي في إيد يونغي بتصرخ بالحقيقة اللي إيميلي حاولت تقولها بطرق كتير، بس يونغي كان رافض يصدق. دلوقتي الورقة دي كانت ختم رسمي على كدبة كان فاكرها مستحيلة. "إيه ده يا يونغي؟" صوت آية كان مجرد همس، كأنه بيتكسر في الهوا البارد. قلبها كان بيرفرف زي عصفور محبوس جوه قفص. بصت في عينه، كانت عايزة منه أي تفسير، أي كلمة تطمنها إن كل ده مش حقيقي، إنها كابوس وهتصحى منه. يونغي كان شاحب، شفايفه مشدودة وخط الفك بتاعه كان باين من تحت الجلد. إيده كانت ماسكة الورقة بقوة لدرجة إن صوابعه ابيضت. هز راسه ببطء، كأنه لسه بيستوعب الصدمة. "مش عارف... مستحيل." صوته كان أجش، مليان حالة إنكار قوية. كأنه بيجادل نفسه قبل ما يجادل آية. إيميلي اسمها اتنادى في الميكروفون قبل ما الأوراق دي توصل. دي مش صدفة. دي كانت هناك. هي اللي دبرت كل ده. فكرة إنها ممكن تكون حواليهم دلوقتي، قريبة منهم، خلت آية تقشعر من جوه. الموضوع بقى أكبر من مجرد غيرة، دي كانت حرب بكل المقاييس. يونغي كان لسه متجمد مكانه، وعينيه على الورقة وكأنه بيحاول يقرا ما بين السطور، أو يمكن بيحاول يشوف ثغرة، أي حاجة تثبت إن كل ده مجرد خدعة. بس الختم القانوني، والتفاصيل اللي مكتوبة، كل ده كان بيصرخ بالواقع المرير. كان صعب جداً يرفض الورقة دي ويقول إنها تلاعب زي ما عمل قبل كده. بس الواقع اللي كان أهم من كل ده دلوقتي، هو إن جدته في كوريا بتصارع الموت. "جدتك يا يونغي... لازم نروح." آية حاولت تفكره بالسبب الحقيقي لوجودهم هنا، عشان يفوق من الصدمة اللي هو فيها. ألم جدته كان أكبر من ألم قلبه دلوقتي. كلمة آية دي كانت زي صفعة صحته. بص ليها، زي ما يكون لسه شايفها دلوقتي. عينه كانت بتلمع بالوجع بس فيه نوع من العزيمة بدأ يظهر فيها. هو مش هيسيب إيميلي تنجح في إنها تفرقهم. مش دلوقتي، مش بعد كل اللي مروا بيه. يونغي اتنهد بعمق، كأنه بيطرد الهواء المحبوس في صدره. طبق الورقة بعنف، وكأنه بيطبق كل الأفكار السيئة اللي فيها، وحطها في جيبه الداخلي، قريب من قلبه. مشوا جنب بعضهم باتجاه بوابة الطيارة زي إنسان آلي، كل واحد فيهم غرقان في أفكاره. آية كانت حاسة ببرد قارص بيسري في عروقها. جملة "آية الغلط" كانت بترن في ودانها زي جرس إنذار. هل هي فعلاً غلط؟ هل هي مجرد بديل، مجرد ظل لأخته؟ الفكرة دي كانت بتخنقها. يونغي مسك إيدها، ضغط عليها بقوة لدرجة إنها حست إنها ممكن تتكسر. كان ضغط قوي، بس في نفس الوقت كان مليان بالحاجة ليها. زي ما يكون بيطمنها، أو يمكن بيحاول يتمسك بيها، بيتمسك بحقيقة وجودها. بص ليها في عينيها وقال بصوت خافت، كأنه بيحلف: "هنتكلم في ده بعدين. دي لعبة من ألعاب إيميلي. مش هتفرقنا." بس عينه، اللي كانت بتلمع تحت إضاءة المطار الخافتة، كانت بتحكي قصة تانية خالص. كان خايف. خايف أوي. وده الخوف هو اللي خلى آية تتجمد أكتر وأكتر. --- رحلة الطيران كانت طويلة، صامتة، ومليانة بالتوتر. آية سندت راسها على كتف يونغي، حاسة بدفء جسمه اللي كان بيطرد عنها جزء من برد الخوف اللي جواها. مسكها من وسطها، وقربها ليه أكتر. كان بيحاول يطمنها، بس هي كانت عارفة إن عقله بعيد خالص، بيحاول يلاقي إجابات للأسئلة اللي الأوراق دي فتحتها. كانت حاسه بخفقان قلبه تحت إيدها، نبضات سريعة ومضطربة، بتعكس مدى القلق اللي جواه. وصلوا كوريا واندفعوا للمستشفى. الجدة كانت حالتها حرجة فعلاً، ودخلت العمليات فوراً. الساعات اللي قضوها في غرفة الانتظار كانت أطول ساعات في حياتهم. كل دقيقة كانت بتمر كأنها سنة. أخيرًا، طلع الدكتور وبشرهم بنجاح العملية. تنهيدة ارتياح جماعية طلعت من الكل. يونغي ضم آية بقوة، كانت دموعه بتلمع في عينيه، دموع فرح على جدته، ودموع إرهاق من كل اللي مر بيه. قابلوا أخته، مينا. كانت باين عليها الإرهاق والحزن، بس لما شافت يونغي، جريت عليه وضمته بقوة. يونغي حكى لمينا عن الأوراق اللي وصلته في المطار، بس بحذر شديد. مينا كانت مصدومة، ونفت تماماً معرفتها بأي زواج ليونغي من أخته اللي ماتت، أو حتى إن كان فيه أخت تانية اسمها آية. ده طمن يونغي أكتر شوية، خلاه يقتنع أكتر إن إيميلي بتلعب لعبة قذرة، بس في نفس الوقت، الشك فضل يزن في دماغه زي حشرة مزعجة. قضوا كام يوم في كوريا، بيزوروا الجدة في المستشفى، وبيطمنوا عليها. الجدة كانت بتتحسن ببطء، بس باستمرار. كانت فرحانة أوي بوجود يونغي وآية جنبها. آية كانت بتحاول تكون قوية عشانه، بتدعمه وبتسمعله من غير ما تتكلم كتير. كانت عارفة إن يونغي محتاج الإحساس بالأمان ده، الإحساس إن فيه حد واقف جنبه، مهما كانت الظروف. كانوا بيقضوا لياليهم في صمت، أيد في إيد، بس الصمت ده كان مليان كلام كتير، مليان وعود بالتفاهم، ومحاولة تخطي كل اللي فات. اليوم اللي قرروا فيه يرجعوا باريس كان مليان مشاعر متلخبطة. فرحة بنجاة الجدة، ورغبة في الهروب من كل الأسرار اللي كوريا كشفتها. الحنين لبيتهم في باريس، للملاذ اللي كانوا بنوه مع بعض. كانت آية حاسة إنها محتاجة ترجع لحياتها، للحياة اللي اختارتها مع يونغي. مينا ودعتهم بحرارة، وكانت شكرت آية على وقوفها جنب أخوها. العلاقة بين آية ويونغي كانت أقوى من أي وقت مضى، وكأن النار اللي مروا بيها صهرتهم في بوتقة واحدة. --- الرجوع لباريس كان زي رجوع الروح للجسم. الشقة بتاعتهم، اللي كانت شاهدة على أسوأ لحظاتهم وأجملها، حست آية إنها زي الملجأ الآمن. أول ما دخلوا، رمت شنطتها على الأرض ورمت نفسها في حضن يونغي، استنشقت ريحته اللي بتطمنها. "وحشتني باريس." همست وهي بتدفن وشها في صدره. الحياة رجعت لروتينها، يونغي رجع لشغله في الجامعة، وآية بدأت تشوف إزاي ممكن ترجع لدراستها بعد قرار الوقف. كانت الأيام بتمر بهدوء نسبي، كل واحد فيهم بيحاول يرمم جروحه بهدوء. يونغي كان بيحاول يعوض آية عن كل اللي فات، عن الألم، وعن العنف اللي بدر منه. كان حريص إنه يطمنها بكل الطرق، بيسيب ليها رسالة حلوة على المراية قبل ما ينزل الشغل، بيجبلها ورد من غير مناسبة، بيقضي معاها كل وقته بعد ما يرجع. كانت العلاقة بينهم بتتبني من جديد، على أسس أقوى وأعمق من الأول. في الليالي، كان حضنهم لبعض هو الملاذ الوحيد. بعد كل الصدمات، وبعد كل الخوف والقلق، كانوا بيلاقوا الأمان في جسم بعض. "متخافيش." كان يونغي بيهمس في ودنها، وهو بيقبل رقبتها برقة، إيده بتمر على شعرها الناعم. "أنا جنبك." كانت الكلمات دي بتطرد عنها كل الشياطين اللي كانت بتطاردها. كانت بتطمنها إنها مش لوحدها، وإن فيه حد بيحبها بجد، بكل عيوبها وكل أسرارها. هي كانت عارفة إنها مش آية الغلط، هي آية الصح، آية اللي قدرها يكون مع يونغي. كانوا بيستسلموا لبعض تمامًا، بيعانقوا بعضهم البعض زي ما يكونوا بيحاولوا يندمجوا في كيان واحد. شفاههم كانت بتلتقي في قبلات عميقة، مليانة شوق ورغبة مكبوتة. كانت بتفتحله قلبها وجسدها، وهو كان بيدخل ليها بحنان بالغ، كأنه بيطبطب على روحها قبل جسدها. كانت أيديه بتتحرك على منحنيات جسمها، بتستكشف كل تفصيلة فيها، وهو بيسمع أنفاسها وهي بتتسارع، بيعرف إنه قادر يوصل لأعمق نقطة في روحها. كانت بتتمسك بيه بقوة، مخالبها بتغرس في ظهره، وبتطلع آهات خافتة، بتعبر عن مدى استسلامها للحب اللي كان بيجمعهم. كان كل لمسة، وكل قبلة، وكل نفس، بتطرد الألم اللي فات، وبتبني أساس جديد لعلاقتهم. كان بيشعر ببرودة الأوضة وحرارة جسدها وهي بتشابك إيديها خلف رقبته. كانت بتقربه ليها أكتر، تهمس باسمه بين القبلات. كان كل شيء بيختفي، بس بيظهر إحساس واحد طاغي بالانتماء، وكأنهم كيان واحد، وأن القدر جمعهم لبعضهم البعض. --- بعد كام أسبوع من رجوعهم لباريس واستقرار حياتهم، آية بدأت تحس إن فيه حاجة غريبة. دايماً تعبانة، ودايماً حاسة بالغثيان الصبح. كانت بتفكر، يمكن من التوتر؟ من رجوع الجامعة؟ بس الإحساس ده كان مختلف. كان إحساس غريب، بس في نفس الوقت كان مألوف. مألوف بطريقة بتوجع القلب. في يوم من الأيام، وهي قاعدة في الشقة لوحدها، حست بدوخة شديدة. قامت بصعوبة، وفتحت درج الكومودينو. مدت إيدها وسحبت منه علبة صغيرة. كانت علبة اختبار حمل. قلبها كان بيدق بسرعة جنونية. اشترته من كام يوم بس، لما الشك بدأ يكبر جواها، بس كانت بترفض تصدق نفسها. خافت تواجه الحقيقة. دخلت الحمام، إيديها كانت بترتعش وهي بتفتح العلبة. كل خطوة كانت بتعملها كانت بتفكرها بالمرة اللي فاتت. نفس الخوف، نفس القلق، بس المرة دي كان فيه شعور تاني غريب، شعور بالأمل. عملت الاختبار، وحطته على الحوض وهي بتغمض عينيها. عدت عليها دقايق كانت أطول من أي وقت فات. مش قادرة تفتح عينيها. مش قادرة تشوف النتيجة. أخيرًا، خدت نفس عميق وفتحت عينيها. بصت للاختبار. كانت النتيجة واضحة زي الشمس. خطين. كانت حامل. كلمة واحدة بس كانت بترن في ودانها: حامل. دموعها نزلت سخنة على خدها، زي الشلال. كانت بتعيط، بتعيط بصوت عالي، دموع الفرحة ممزوجة بدموع الخوف، ودموع الندم على اللي فات. هي حامل. يعني هتعوض يونغي عن كل حاجة. هتعوضه عن الطفل اللي خسرته من غير ما يعرف. هتعوضه عن الألم اللي سببته ليه. "أنا حامل يا يونغي..." همست بصوت مخنوق بالبكاء. كانت بتعيط أكتر، أكتر وأكتر، مش عارفة توقف دموعها، وهي بتضم الاختبار لحضنها بقوة، كأنه أغلى حاجة في حياتها. وفي اللحظة دي، سمعت يونغي بيفتح باب الشقة. دخل ونادى عليها. "آية؟ أنا جيت." سمع صوت بكائها، صوته اتغير فوراً، بقى مليان قلق. "آية! إيه في إيه؟" خطى بسرعة ناحية الحمام، فتح الباب بقوة، لقي آية قاعدة على الأرض، حاضنة نفسها، وبتعيط بصوت مسموع. "يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟ فيكي إيه؟" ركع جنبها وحاول يرفعها، عينه وقعت على الاختبار اللي في إيدها. اتجمد مكانه، زي ما يكون ضربته صاعقة. بص للاختبار، وبعدين بص لآية، عينه كانت بتوسع ببطء، مش مصدق اللي شايفه، لغاية ما ابتسامة واسعة بدأت ترتسم على وشه وهو بيمسك إيدها اللي حاضنة الاختبار. "آية... أنتي..."

End of Chapter 29

Chapter 29: الفصل 29: العودة للوطن ودفء اللقاء - الحب الول | Novel AI Studio