Chapter 28 of 30

Chapter 28: بداية جديدة من الرماد

1.7k words

قاعده على الرصيف، ساقي متنيه على صدري، وببص في الأرض. أسفلت باريس ساقع بيعدي البرد لجسمي كله. إيد يونغي بترفع وشي بالراحة، نظرة عنيه مليانه وجع مكنتش اتخيلها فيه. شايفه فيها خوف، رجاء، وحاجة تانية معرفتهاش، بس حسيتها بتشدني. هو قال إنه ميكرهنيش، قال إنه ميعرفش يعيش من غيري، بس إزاي أصدق ده بعد اللي عملته، بعد اللي عملناه في بعض؟<br><br>"آية، قومي معايا." صوته كان هادي، مش زي الصرخة اللي سمعتها منه من ساعات قليلة. كأن صوته ده بيتكسر من جوه، بيتفتت مع كل كلمة بيحاول يقولها. "مقدرش أسيبك كده، مقدرش أعيش من غيرك. عارف إني قسيت عليكي، عارف إني غلطت فيكي، بس مش قادر أتحمل فكرة إنك تبعدي."<br><br>مردتش، بس كل خلية في جسمي كانت بتصرخ بالرفض. أرفض إيه؟ أرفض إني أرجع معاه؟ أرفض إني أسامحه؟ ولا أرفض إني أسامح نفسي؟ الخوف من الكره اللي شفته في عنيه لسه راشخ في قلبي، زي شوكة مكسورة بتوجع كل ما بتحرك. إزاي أرجع لراجل ضربني؟ إزاي أرجع لراجل اكتشف سري وكسرني بكلامه؟ بس في نفس الوقت، إزاي أقدر أعيش من غير نظرة عنيه دي؟ عنيه اللي دلوقتي بتترجاني. <br><br>شدني من إيدي بالراحة، إيده كانت دافية عكس برودة الجو وبرودة قلبي. "قومي يا حبيبتي، قومي معايا. نتكلم، نفهم بعض. مش عايز أي حاجة بينا تتهد. إحنا أقوى من كل ده."<br><br>حسيت بدموعي بتنزل تاني، معرفش دي دموع ضعف ولا دموع رجاء. معرفش دي دموع على اللي فات ولا خوف من اللي جاي. بس لما رفعني ووقفت، جسمي كله كان بيرتعش. هو سندني، كأنه خايف أقع، أو كأنه خايف أهرب منه تاني. فضلت باصه في الأرض، مش قادرة أبص في وشه. الضربة لسه معلمة في روحي قبل جسمي. الخيانة، الكذب، كل حاجة تقيلة على قلبي.<br><br>مشينا في صمت، شوارع باريس كانت مضاءة، بس أنا حاسة إن روحي مطفية. يونغي كان ماسك إيدي، ماسكها بقوة، كأنه بيقولي أنا هنا، أنا مش هسيبك. مع كل خطوة، كان في جزء مني بيرفض ده، وجزء تاني بيرجوه. العقل بيقول اهربي، القلب بيقول متسبهوش. التناقض ده كان بيقتلني. وصلنا عند العربية، فتح لي الباب، قعدت وهو قعد مكاني.<br><br>لسه الصمت بينا مخيم. هو كان سايق العربية، وعنيه على الطريق، بس كنت حاسه بنظراته الخاطفة عليا. عنيه بتلمع بحاجة مقدرتش أفهمها. مشيت إيدي على خدي، لسه حاسة بحرارة الدموع عليه. كل اللي فات كان كابوس، كابوس مرعب لسه عايشة فيه. الإحساس بالذنب مكنش بيسيبني، كان بيخنقني. <br><br>"أنا آسف يا آية." صوته قطع الصمت فجأة، خلاني أتنفض. "آسف على كل كلمة قولتها، على كل تصرف عملته. مكنش قصدي أوجعك كده. مكنش قصدي أضربك."<br><br>بصيتله أخيراً، عنيه كانت مليانه ندم حقيقي. أول مرة يقولها صريحة كده. كلمة "ضربك" كانت زي رصاصة دخلت قلبي. كنت عارفة، بس إني أسمعها منه، كانت بتخلي الواقع أقسى. رفعت إيدي وحطيتها على شفايفي، بحاول أمسك شهقاتي.<br><br>"أنا كنت مجنون يا آية، كنت خارج عن السيطرة. إحساس إني خسرتك، وإني معرفش مين انتي، كل ده خلاني أعمل حاجات مكنتش أتخيل إني أعملها فيكي. بس ده مش مبرر، أنا عارف." كمل كلامه وصوته فيه بحة. "أنا عارف إني غلطان، وغلطان جداً. بس أرجوكي، إديني فرصة، إديني فرصة نصلح اللي اتكسر ده."<br><br>كلماته كانت بتنزل عليا زي المطر بعد جفاف طويل. قلبي كان بيرتعش. هو بيعتذر. هو بيطلب فرصة. هو بيعترف بغلطه. دي كانت الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجاها منه، ويمكن الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجاها من نفسي كمان. فضلت ساكته، بس يمكن الصمت ده كان فيه ألف كلمة. وصلنا البيت، ونزلنا، ومسك إيدي تاني. إيده كانت بتطمني، بتديني إحساس بالأمان اللي فقدته. <br><br>---<br><br>دخلنا الشقة، الصمت لسه بينا، بس المرة دي كان صمت مختلف. صمت مليان أسئلة، مليان وجع، بس يمكن فيه أمل كمان. يونغي قفل الباب وراه، بصلي، وعنيه كانت بتقول كل اللي معرفش يقوله. أنا قلبي كان لسه بينزف، بس حاسة إن الدم بينزف ببطء أكتر. يمكن الجرح هيبدأ يلتئم.<br><br>"تعالي نقعد يا آية." قالها بصوت هادي، وأشار على الكنبة. قعدت، وهو قعد قصادي، على بعد خطوات مني. المساحة اللي بينا كانت صغيرة، بس حسيت إنها أبعادها بتتغير، بتوسع وتضيق على حسب كل كلمة تتقال.<br><br>"ليه يا آية؟" سألني، صوته كأنه همس. "ليه عملتي كده؟ ليه خبيتي عني؟"<br><br>السؤال ده كان زي مفتاح فتح باب الذكريات المريرة. كل حاجة رجعتلي. بابا، الجامعة، سالوى، إيميلي ورسالتها، السر اللي محدش راضي يقولهولي، الإحساس إني لوحدي في الدنيا دي كلها. رفعت وشي وبصيت في عنيه، لقيت فيها فهم، أو على الأقل محاولة للفهم. <br><br>"خفت يا يونغي." صوتي كان بيطلع بالعافية، ضعيف ومتهدج. "خفت من كل حاجة. خفت منك لما عرفت إن في سر كبير مخبياه عني، خفت من بابا اللي رجع يظهر في حياتي تاني بعد سنين طويلة من الغياب. خفت من إيميلي وكلامها عن عيلتنا، وعن السر اللي بتقول إنه أسوأ من اللي بنتخيله."<br><br>كلامي كان زي شلال دموع. كل اللي كتمته جوايا كان بيطلع. "خفت من المستقبل اللي كان غامض. إحنا كنا هربانين، إحنا كنا بنبدأ حياة جديدة هنا في باريس، بس كل حاجة كانت بتجري أسرع مني. الجامعة، الدراسة اللي رجعت ليها، والسر ده اللي حسيته بيكبر جوايا زي وحش. حسيت إني لوحدي، لوحدي في كل ده، معرفش أقول لمين، معرفش أتصرف إزاي."<br><br>يونغي كان بيسمعني، عنيه متثبتة عليا، عنيه بتلمع بالدموع اللي مش عايزها تنزل. هو كمان كان بيتوجع، كان حاسس باللي بقوله. "خفت من إني أكون عبء عليك، خفت من إنك تزهق مني، من مشاكلي، من الماضي اللي مش راضي يسيبني. فكرت إن ده الحل الوحيد. إني أخلص من كل ده، من قبل ما يبدأ."<br><br>الكلمة الأخيرة كانت زي الطعنة، لينا إحنا الاتنين. "أخلص من ده"، يعني أخلص من طفلنا. نظرة يونغي اتغيرت، بقى فيها حزن عميق، حزن عمره ما هيروح. هو فقد ابنه، ابنه اللي ميعرفوش. وأنا فقدته كمان، بس بطريقة مختلفة.<br><br>مد إيده بالراحة ومسك إيدي. لمسة إيده كانت حنينة، مفيهاش أي غضب. "أنا آسف يا آية، آسف إني حسستك بكل ده. آسف إني مكنتش جنبك بالطريقة اللي تستحقيها. مكنتش عارف إنك بتعاني كل ده لوحدك. مكنتش عارف إن السر ده عامل فيكي كل ده."<br><br>الدموع نزلت من عنيه أخيراً، نزلت على إيدي اللي كانت ماسكها. "أنا مكنتش فاهم، كنت شايف غدر وخيانة، مكنتش شايف الخوف اللي جواكي. أنا اسف إني مكنتش سندك. كان لازم أكون أنا اللي أحميكي من كل حاجة، كان لازم أكون أنا اللي أقف جنبك."<br><br>حضن إيدي بقوة، كأنه بيطمني، أو كأنه بيطلب مني أسامحه. "سامحيني يا آية، سامحيني إني ضربتك، سامحيني إني كسرتك. أنا مستاهلش إنك تسامحيني، بس أرجوكي، إديني فرصة، فرصة واحدة بس نرجع زي الأول، وأحسن كمان. أنا مقدرش أعيش من غيرك. مقدرش."<br><br>كلماته كانت صادقة، كانت بتخترق قلبي. هو مش بس سامحني، هو كمان اعتذر عن كل اللي عمله فيا. هو اللي كان بيطلب السماح. دي كانت اللحظة اللي كنت مستنيها، اللحظة اللي كنت خايفة منها. رفعت إيدي التانية ومسحت دموعه، وحطيت راسي على كتفه. بكيت، بكيت زي مابكيتش قبل كده. بكيت على اللي فات، وعلى اللي اتكسر، وعلى الأمل اللي لسه موجود. <br><br>---<br><br>نمنا في حضن بعض، لأول مرة من أيام، يمكن من أسابيع، معرفش الوقت عدى إزاي. نمت في أمان، أمان مكنتش حاسة بيه من سنين. صحيت الصبح، الشمس كانت داخله من شباك الأوضة، يونغي كان لسه نايم جنبي، إيده حاضناني بقوة. عنيه كانت منفوخة من كتر البكا، بس وشه كان فيه هدوء، هدوء مكنتش شفته فيه من زمان. <br><br>قمت بالراحة عشان مصحيهوش، دخلت الحمام، غسلت وشي، وبصيت لنفسي في المراية. عنيا كانت حمرا، بس فيه نور خفيف فيها، نور الأمل. مديت إيدي على حجابي، فكرت أخلعه، بس حسيت إني لسه مش جاهزة. لسه محتاجة وقت، محتاجة أمان أكبر عشان أقدر أواجه العالم من غيره. <br><br>رجعت الأوضة، لقيته صاحي وباصصلي. ابتسامة خفيفة رسمت على شفايفه. "صباح الخير يا آية." صوته كان دافي، مليان حنية. <br><br>"صباح النور." رديت عليه، وحسيت إني قادرة أبتسم. ابتسامة حقيقية، مش ابتسامة مزيفة زي اللي كنت بلبسها الأيام اللي فاتت. قعدت جنبه على السرير، وهو مد إيده ومسح على شعري.<br><br>"جدتي يا آية..." صوته اتغير وبقى فيه قلق. "لسه مفيش أخبار عنها. وأختي مبتفصلش عني."<br><br>قلبي اتقبض. كنت فاكرة إن كل حاجة هتبدأ تهدأ، بس الحياة مبتقفش. "متقلقش يا يونغي. هنروح كوريا، وهنشوفها. هتكون كويسة إن شاء الله."<br><br>"لازم نسافر النهاردة يا آية." قالها وهو بيبصلي. "مقدرش أسيبها كده. أختي مبتردش، وده مقلقني أكتر. حاسس إن في حاجة بتحصل هناك."<br><br>حسيت بجدية كلامه. "خلاص يا يونغي، هنروح معاك. مش هسيبك لوحدك. مهما كانت المشاكل، هنواجهها سوا."<br><br>نظرة ارتياح ظهرت في عنيه. قام من السرير، وبدأ يلملم حاجاته. كنت بساعده، وبحضر الشنط. كان في نوع من الهدوء بيننا، هدء بييجي بعد العاصفة. مش كل حاجة اتصلحت، الجروح لسه موجودة، بس الأمل موجود. الثقة بدأت ترجع تاني، حتة حتة.<br><br>قبل ما نخرج، يونغي مسك إيدي وبصلي. "ايميلي... كلامها ده كله كذب. أنا متأكد. مش عايزك تفكري فيه تاني. إحنا مش إخوات يا آية. مستحيل."<br><br>رديت عليه وأنا مش متأكدة من جوايا، بس كنت عايزة أصدقه. "حاضر يا يونغي."<br><br>نزلنا من الشقة، متجهين للمطار. طريق جديد، ومشاكل جديدة. كنت ماسكة إيده بقوة، حاسة إن في رابط أقوى بيربطنا دلوقتي، رابط اتكون من الوجع والخوف والحب اللي قدر ينجينا. وصلنا المطار، يونغي كان بيخلص إجراءات السفر، وأنا كنت قاعدة مستنياه على كرسي في صالة الانتظار. فجأة، سمعت اسمه بيتنده من المايكروفون. "الآنسة أيميلي يون." رفعت راسي بسرعة، عنيا بتدور على المصدر. إيميلي هنا؟ في المطار؟ ده مستحيل. قلبي كان بينبض بسرعة جنونية. هي بتعمل إيه هنا؟ وليه بيندهوا اسمها بالكامل كده؟ قبل ما أقدر أفكر في أي حاجة، يونغي رجع، وشه شاحب، وفي إيده ظرف مختوم بشعار غريب. "ايه ده يا يونغي؟" سألته، صوتي كان بيترعش. هو فتح الظرف بالراحة، وسحب منه ورقة، عنيه اتجمدت وهي بتقراها. نظرة الصدمة والكفر كانت مرسومة على وشه. الورقة سقطت من إيده، ووقعت على الأرض. انحنيت عشان أشوفها، العنوان كان واضح... "إعلان قضائي." والمحتوى كان بيكشف سر قديم، سر كان المفروض يفضل مدفون. إيميلي مكذبتش. يونغي متجوز من أخته، وأنا كنت الطرف الثالث في اللعبة دي كلها. الورقة كانت مكتوب فيها تفاصيل عن زواج يونغي من أخته المتوفية قبل سنتين. اسمها كان مكتوب بوضوح، وصورة معاها. يونغي ساب إيدي وخطى لورا خطوتين، وشه بقى أبيض، عنيه بتدور في الفراغ. بصيت للورقة تاني، وركزت في الاسم المكتوب، كانت "آية"، بس مش أنا. كانت أخته المتوفية، واسمها شبه اسمي بالظبط. اللعبة دي كانت أكبر بكتير مما تخيلت. كل ده كان فخ. يونغي مكنش يعرف إن أخته اسمها آية، أنا اللي كنت آية. هو متجوز آية، بس مش آية الصح. أنا آية الغلط. والورقة دي كانت دليل على جوازه من أخته اللي اسمها آية، واللي ماتت بعد جوازهم بسنة. يعني أنا كنت متجوزة من راجل متجوز من أخته المتوفية. ده كان شيء لا يصدق. السر كان أقسى بكتير مما تخيلنا. يونغي بصلي، عنيه مليانة رعب، كأنه بيشوف شبح قدامه. أنا كمان كنت مرعوبة، العالم كله حواليا كان بينهار. إحنا كنا متجوزين، بس هو كان متجوز أخته، مش أنا. واسمها آية. دي كانت أكبر كذبة. أكبر سر.

End of Chapter 28