Chapter 27 of 30

Chapter 27: شوارع باريس الباردة

1.9k words

آية صحت على وجع خفيف في جسمها. كل عضلة حاسة إنها مكدودة، وكل مفصل متصلب. نور الصبح، اللي كان داخل من الستاير الباريسية التقيلة، مغيرش من كآبة الأوضة. يونغي مكنش جنبها. الجزء التاني من السرير كان بارد، خلاص فضي. نزلت من السرير خطوة خطوة، كل حركة كانت بتوجع. وقفت قدام المراية، وشها كان شاحب، وعينيها مورمة. مسحت بإيديها على آثار الدموع اللي نشفت على خدها. المنظر كان غريب عليها، ما كانتش عارفة مين الست دي اللي بتبص لها من المراية. حست إنها متكسرة من جواها ومن براها. صوت ميه في الحمام، معنى كده إن يونغي صحي. قلبها دق بسرعة، مش عارفة تواجهه إزاي بعد اللي حصل. إمبارح بالليل... كل تفصيلة كانت محفورة في ذاكرتها، إيديه على جسمها، الكلمة القاسية اللي قالها وهو بيبعد عنها، الوجع اللي مالهاش مكان تتخبى منه. حست إنها تستاهل كل ده، تستاهل الوجع ده، تستاهل إنه يكرها. طلعت من الأوضة ودخلت المطبخ. لقيته قاعد على ترابيزة الفطار، بيبص في كوباية القهوة بتاعته، وشه مكشر. ما رفعش عينه لما دخلت. مفيش صباح الخير، مفيش أي كلمة. كأني مش موجودة. كأن اللي حصل إمبارح ده كان كابوس وهي عايزة تتناساه. بس الكابوس كان حقيقي. وقفت قدام البوتاجاز، عملت لنفسها نسكافيه. إيديها كانت بتترعش وهي بتصب المية السخنة. حاولت أقول أي حاجة، أي كلمة تكسر الصمت ده، بس لساني كان مربوط. الخوف كان مالي قلبي. خوف إنه يطردني، خوف إنه خلاص كرهني بجد. "صباح الخير." الكلمة طلعت بالعافية، شبه الهمس. ما ردش. بس حرك راسه بحركة بسيطة، كأنه سمعني بس ملوش نفس يرد. القعدة كانت خنقة. النسكافيه كان مر في بوقي. "يونغي،" حاولت تاني، صوتي كان أضعف. "أنا آسفة على كل حاجة." رفع عينه أخيراً. عينيه كانت حمرا، فيها غضب وتعب مالوش آخر. بصلي بصة حسيت إنها بتخترقني، بتوصل لعضمي. بصة كره. "آسفة على إيه بالظبط يا آية؟" صوته كان هادي، أهدى من اللازم. الهدوء ده كان بيخوف أكتر من الصراخ. "على الكدب؟ على الإجهاض؟ على إنك عملتيني غبية؟" كل كلمة كانت سيف، بتتقطع فيا. نزلت راسي، مش قادرة أبص في عينيه. "أنا... أنا كنت خايفة." ضحك بسخرية. ضحكة قاسية، مالهاش أي معنى غير المرارة. "خايفة؟ وأنا؟ أنا ما كنتش ليكِ أي قيمة عشان تخافي عليا؟ على مشاعري؟ على أبني؟" كلمة "أبني" رجتني. كانت زي الصدمة الكهربائية. الجنين اللي كان ممكن يبقى بينا. الدموع نزلت من عيني من غير إرادة. "أنا ما كنتش أقصد أوجعك، والله ما كنت أقصد." قام من مكانه فجأة. الكرسي عمل صوت وحش وهو بيتزحلق. قلبي فضل يدق جامد. "مش عايز أسمع أي حاجة دلوقتي يا آية." صوته كان حاد. "مش قادر." مشي من المطبخ وسابني لوحدي. سمعت خطواته في الأوضة، وبعدين صوت باب الشقة وهو بيتقفل. هو مشي. سابني لوحدي. فضلت قاعدة مكاني، النسكافيه برد في الكوباية. الدموع كانت بتنزل بصمت. حسيته كرهني بجد. الكره كان واضح في عينيه، في صوته. ما كانش مجرد زعل. كان كره. حست إنها عبء عليه. إيه اللي يخليني أفضل هنا؟ إيه اللي باقي بينا أصلاً؟ العلاقة دي ماتت. خلاص. البيت كان ساكت وميت من غيره. الصمت كان بيخبلني. قامت بالعافية، رجعت الأوضة. شافت شنطة صغيرة على الأرض، شنطة سفر كانت جابها معاها لما جم باريس. فكرة مجنونة لمعت في راسها. لو كرهني كده، يبقى مش عايزني جنبه. مش عايزني في حياته. يمكن لو مشيت، أرتاح ويرتاح هو كمان. --- إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الدولاب. اختارت كام قطعة هدوم بسيطة، الحاجات اللي ممكن تحتاجها بس. فستان قطن أسود، بنطلون جينز، قميص خفيف. مفيش حاجة غالية، مفيش حاجة ليها ذكرى قوية. حتى النقاب بتاعها، اللي كانت ناوية تشيله، لسه موجود. حطت الشنطة الصغيرة على السرير. كانت بتتحرك ببطء، كأنها في حلم. عقلها كان فاضي، أو مليان بأفكار متلخبطة. فين هروح؟ مفيش مكان أروحه. أهلي قاطعيني. صحاب هنا مفيش. إيميلي... مستحيل. فكرت في الجامعة الجديدة، بس أنا لسه ما بدأت الدراسة رسمي. ومين هيبصلي؟ بنت ضايعة في باريس لوحدها. خلصت لم حاجاتها. قفلت الشنطة بهدوء. بصت حواليها في الأوضة. دي الأوضة اللي كنا بنام فيها سوا. دي الأوضة اللي حلمنا فيها بمستقبلنا. كل ركن فيها كان بيصرخ بذكريات. ذكريات حلوة اتكسرت، وذكريات وحشة علمت. حست إنها بتسيب قطعة من روحها هنا. محتارة، هل أسيب ورقة؟ أقوله إيه؟ "أنا آسفة إني مشيت"؟ "أنا عارفة إنك كرهتني"؟ "أتمنى تبقى بخير من غيري"؟ كل الكلام ده كان ملوش معنى. هو مش هيهتم. مش هيفرق معاه. يمكن يرتاح. يمكن يكون ده أحسن حل لينا إحنا الاتنين. قررت إنها مش هتسيب ورقة. الصمت كان أبلغ. مسكت شنطتها. الشقة كانت كبيرة ومترتبة، بس كانت خالية من أي روح. كانت بتسمع صوت خطواتها بتتردد في الممرات. فتحت باب الشقة. النور بتاع السلالم كان خافت. بصت على الباب للمرة الأخيرة. باب اتقفل على كل حاجة حلوة كانت بينا. على أحلامنا. على حبنا. نزلت السلالم ببطء. رجلها كانت بتوجعها، وقلبها كان بيوجعها أكتر. وصلت للباب الرئيسي للعمارة. فتحته وطلعت للشارع. الجو كان منعش، شمس باريس كانت بتنور الشوارع. الناس كانت ماشية، رايحة شغلها، بتضحك، بتتكلم. حسيت إني الوحيدة اللي حزينة في العالم ده. محدش لاحظني. محدش بصلي. كنت مجرد واحدة ماشية في شوارع باريس. مشيت من غير ما أعرف رايحة فين. رجلي كانت بتتحرك لوحدها. عايزة أبعد عن هنا، عن الشقة دي، عن كل حاجة بتفكرني بيه. فضلت ماشية، الشوارع بتتغير حواليا. من الشوارع الأنيقة اللي فيها محلات غالية، لشوارع أضيق وأقل لمعان. حسيت إن معدتي بتتقلب. مكلتش أي حاجة من إمبارح بالليل. بس مكنش عندي نفس للأكل. كل اللي حسيته هو الفراغ. فراغ كبير في قلبي، في حياتي. وصلت لمنطقة أظلم، الشوارع فيها كانت ضيقة، المباني قديمة، الزبالة مرمية في زوايا الشارع. ريحة مش لطيفة. قعدت على رصيف جنب حاوية زبالة كبيرة. تعبت. جسمي كله كان بينهكني. حطيت الشنطة جنبي. رفعت راسي للسما. كانت صافية، لونها أزرق جميل. بس أنا مكنتش شايفة غير السواد. كنت حاسة إني رميت نفسي في الشارع. رميت حياتي كلها. أنا مكنش ليا أي قيمة. --- يونغي دخل الشقة، دماغه كانت هتنفجر. المكالمة اللي جاتله الصبح عن جدته... الكلام كان قلق، كلام عن إنها تعبانة جداً ومحتاجة عملية فوراً. كان كل اللي فكر فيه هو أخته، أخته اللي سابها مع جدته في كوريا. كان لازم يكلمها، يطمن عليها. حاول يتصل بيها بس مكنتش بترد. قلبه كان متقطع عليها. دخل الشقة وهو بيفكر في مليون حاجة. يفكر في جدته، في أخته، في آية اللي سابها حزينة ومكسورة في المطبخ. حاسس بالذنب شوية، بس غضبه من اللي عملته كان لسه مالي قلبه. مقدرش يسامحها على الإجهاض، مقدرش يسامحها على الكدب. راح المطبخ عشان يعمل قهوة تانية، يمكن تركز دماغه شوية. شاف كوباية النسكافيه بتاعتها لسه على الترابيزة. مكانها فاضي. رجع الأوضة عشان يغير هدومه. الأوضة كانت مترتبة زيادة عن اللزوم. الدولاب كان مقفول. فتح الدولاب عشان ياخد تيشيرت. لقى مساحة فاضية. بص بتركيز أكتر. كانت هدوم آية اللي على الرف ده ناقصة. فستانها الأسود، البنطلون الجينز. الحاجات اللي كانت بتلبسها كتير. قلبه بدأ يدق بسرعة. راح على السرير. الشنطة الصغيرة اللي كانت بتسافر بيها مكنتش موجودة. إيه ده؟ هي فين؟ مسك تليفونه، اتصل بيها. مفيش رد. اتصل تاني وتالت. مفيش. الهدوء في الشقة كان مرعب. هدوء مكنش طبيعي. "آية!" نادى بصوت عالي. الصوت رجع صداه في الشقة الفاضية. جري في الشقة كلها. المطبخ، الحمام، أوضة المعيشة. مفيش أي أثر ليها. مفيش ورقة، مفيش رسالة. مفيش أي حاجة. هي مشيت. هو سابها لوحدها كتير، سابها وهي حاسة بالكسرة، وبصتها اللي بتقول "أنا آسفة"، مكنش عايز يسمعها. ودلوقتي مشيت. غضبه اللي كان موجه ناحيتها اتحول لخوف وجنون. هي فين؟ ممكن تكون راحت فين في باريس الكبيرة دي؟ هي متعرفش حد. مفيش حد هنا غيره. حس بغصة في زوره. هو كرهها؟ لأ. هو زعلان منها، غضبان عليها، بس ميكرههاش. قلبه كان بينزف عشانها. هو عايزها تفضل جنبه، عايز يزعق فيها، يلومها، بس عايزها. مش عايزها تمشي. أبداً. لبس هدومه بسرعة. نزل على السلالم زي المجنون. لازم يلاقيها. لازم. فتح باب العمارة وطلع الشارع. بص حواليه. الناس كانت كتير، والشوارع زحمة. فين ممكن تكون راحت؟ مفيش أي دليل. مفيش أي اتجاه. بدأ يمشي بسرعة، عيونه بتدور على أي حاجة تفكروا بيها. شعرها، لبسها، مشيتها. أي حاجة. مر بساعات طويلة وهو ماشي في شوارع باريس. سأل في كافيهات، في محلات. محدش شافها. اليأس بدأ يتسرب لقلبه. هي فين؟ ليه عملت كده؟ ليه سبته؟ هو عارف إنها كانت خايفة، عارف إنها كانت مكسورة، بس مكنش يتوقع إنها تمشي وتسيبه كده. احساس الخسارة كان بيخنقه. رجله كانت بتوجعه، دماغه كانت هتنفجر من التفكير. وصل لمنطقة شكلها شعبي أكتر، مبانيها قديمة، وشوارعها ضيقة. ريحة الزبالة كانت مالية المكان. رفع راسه عشان يبص في وشوش الناس، يمكن يلاقيها. ومرة واحدة، عينه وقعت عليها. كانت قاعدة على رصيف، جنب حاوية زبالة كبيرة، شنطة صغيرة جنبها. وشها كان مدفون بين ركبها. كانت لابسة فستانها الأسود اللي هو بيحبه. المنظر كان قاسي. هي آية، مراته، قاعدة كده في الشارع، كأنها متشردة. قلبه اتقطع عليها. الغضب اختفى، مكانش باقي غير الوجع والخوف. مقدرش يصدق اللي شافه. آية. هنا. بالشكل ده. الكره اللي كان حاسه ناحيتها إمبارح، والزعل، كل ده مكنش ليه مكان دلوقتي. كل اللي كان عايزه إنه ياخدها في حضنه، يحميها من كل حاجة، حتى من نفسه. جري ناحيتها، رجله كانت بتسبقه. "آية!" صوته كان خشن، مليان تعب وقلق. رفعت راسها ببطء. عينيها كانت حمرا ومنفوخة من العياط. لما شافته، وشها اتجمد في مكانه. صدمة وخوف. مكنتش متوقعة إنه يلاقيها، أو حتى يدور عليها. --- "يونغي!" صوتها طلع شبه الهمس، مش مصدقة عينيها. قامت بالعافية، بس رجلها كانت بتترعش. كان واقف قدامها، وشه متعب، عينيه حمرا زي بتاعتها. بس ملامحه كانت متلخبطة بين الغضب والوجع اللي هي متعرفش له تفسير. مكنتش فاهمة إيه اللي جابه هنا. "إيه اللي جابك هنا؟" سألت، صوتها كان ضعيف. "إيه اللي جابني أنا؟" صرخ، صوته كان عالي لدرجة إن الناس اللي ماشية بصت عليهم. "إنتِ اللي بتعملي إيه هنا يا آية؟ إيه اللي خلاكي تمشي من البيت؟ إزاي تعملي كده؟" الدموع رجعت في عينيها تاني. "مكنتش عايزة أتقل عليك. كنت حاسة إنك كرهتني خلاص. إني بقيت عبء عليك. أنا... أنا مشيت عشان ترتاح مني." بصلها يونغي بغضب، بس في عينيه كانت في حاجة تانية، حزن عميق. "أرتاح منك؟" كرر الكلمة بسخرية. "إنتِ فاكرة إنك لما تمشي بترحيني؟ إنتِ فاكرة إن حياتي ممكن تمشي من غيرك؟ كنت هتجنن يا آية! كنت هتجنن لما ملقتكيش!" كان بيتنفس بسرعة، وعينيه كانت بتلمع بالدموع. "أنا مش بكرهك يا آية. أنا زعلان منك، غضبان، قلبي مكسور من اللي عملتيه، من الكدب، من اللي بينا اللي إنتِ رميتيه. بس أنا مابكرهكيش. مابكرهكيش يا آية!" مد إيديه ومسك دراعها جامد. "كنت بلف عليكي باريس كلها، زي المجنون. كنت بتمنى إني ألاقيكي في أي حتة. مكنتش قادر أتخيل يوم واحد من غيرك. من غير صوتك، من غير وجودك. إزاي ممكن تمشي كده، من غير ما تقولي كلمة؟ إزاي تفترضي إني مش ههتم؟" حست إن الكلام ده طالعه من أعماق قلبه، مش مجرد غضب. كان فيه وجع أكبر بكتير. وجع هي مسببتلوش. وجع الخوف من إنها تختفي من حياته. كانت حاسة بوجعها، بس وجعه كان أكبر وأعمق. كأنه كان في عذاب حقيقي طول الساعات اللي فاتت. "أنا... أنا آسفة." الكلمة كانت ضعيفة، كأنها بتعترف بخطأ أكبر من اللي هي عملته قبل كده. "آسفة على إيه؟ على إنك سبتيني في نار لوحدي؟" رفع صوته تاني، بس المرة دي كان فيه رجاء. "أنا مش قادر أسامحك دلوقتي على كل حاجة، محتاج وقت. محتاج أعدي اللي حصل. بس مش هتقدري تمشي مني تاني. مش هتقدري تبعدي عني تاني. مش هقدر على بعدك يا آية. أنا محتاجك جنبي. محتاج أتعلم إزاي أسامح، بس مش لوحدي. مش من غيرك." نزل على ركبتيه قدامها، من غير ما يهتم بالناس اللي بتبص. مسك إيديها بين إيديه، بص في عينيها بعمق، كانت عنيه مليانة بالدموع. "أنا عارف إني جرحتك وإني كنت قاسي. عارف إنك خايفة. بس إديني فرصة. إديني فرصة نحاول نعدي ده سوا. متسبينيش تاني. متسيبينيش لوحدي يا آية." كانت الكلمات دي بتخترق قلبها، بتوصل لروحها، بس إحساس الذنب والوجع كان لسه أقوى من أي محاولة للمسامحة. إحساسها إنها مش تستاهل المسامحة خلى كلمة "متسبينيش" اللي قالها يونغي ترن في ودانها زي حكم بالإعدام. "أنا... أنا مش قادرة يا يونغي."

End of Chapter 27