Chapter 26 of 30

Chapter 26: ثمن الصمت

1.1k words

الليل كان تقيل، خيم على باريس زي بطانية صوف غامقة، لكن جوا الشقة، الكتمة كانت أثقل. صوت مفتاح يونغي وهو بيدور في الباب كأنها رصاصة اخترقت جدار الصمت. اترعش جسمي كله. كنت قاعدة مكاني على طرف السرير، زي تمثال حجري، لا قادرة أقوم ولا أهرب. نور الشارع الخافت رسم ضله الطويل وهو بيدخل، وشوش وشه كانت قاسية، عينه كانت بتطلع شرار. معرفش إيه اللي قاله إيميلي، بس باين إنها عملت اللي عليها وزيادة عشان تحرقه. ريحة البرفان بتاعه كانت مخلوطة بريحة غضب مكبوت، دخلت في مناخيري وخلتني أحس بالغثيان. وقف قدامي، مسافة بسيطة بينا، بس كان في جبال من الوجع والصمت. كنت بتمنى يقول أي حاجة، يصرخ، يشتم، أي حاجة تكسر حاجز الصمت اللي خانقني ده. لكنه فضل ساكت، وده كان أسوأ من أي صراخ. الصمت بتاعه كان بيقطع فيا زي السكاكين. حسيت إني صغيرة أوي، وغلطانة أوي، ومستاهلة كل اللي هيحصلي. قلبي كان بيدق زي الطبول في صدري، لدرجة كنت متخيلة إنه هيسمعه. شفت عروق رقبته البارزة، قبضته على الباب، وكتفه اللي كان مشدود. كان باين عليه إنه كان في عاصفة، وعاصفة دي كانت جاية عليا أنا. غمضت عيني لحظة، يمكن يختفي، يمكن أصحى من الكابوس ده. بس لما فتحتها تاني، كان لسه واقف، عينيه مسمرة عليا، نظرة مزيج من الغضب والخيانة والوجع، حاجة عمري ما شفتها فيه قبل كده. مد إيده، مش عشان يطمني، لأ، عشان يسحبني من دراعي بقوة. حسيت إني عروسة ماريونيت في إيده. مفيش أي كلمة طلعت مني، ولا حتى تنهيدة. ألم دراعي كان خفيف جنب الألم اللي جوايا، الألم اللي بقى جزء مني. دفني ناحية السرير، وأنا مستسلمة تماماً، مش بقاوم. مفيش داعي للمقاومة. ده اللي كنت مستنياه، ده اللي استحقه. ثمن اللي عملته، ثمن كل الأسرار اللي خبأتها، ثمن الصمت. لما قرب مني، ريحة البرفان بتاعه كانت بتخنقني. كانت ريحة يونغي اللي بحبه، بس الغضب اللي فيه كان بيحولها لسم. مسك وشي بين إيديه، بصلي في عيني بعمق، وكأنه بيفتش في روحي، بيحاول يفهم إيه اللي خلاني أعمل كده، إيه اللي خلاني أخد القرار ده لوحدي. حسيت بوجع فظيع في قلبي، وجع إنه مصدوم فيا للدرجة دي. كنت عايزة أقوله أنا آسفة، عايزة أشرحله كل حاجة، أقوله إن الخوف هو اللي خلاني كده، خوف من كل حاجة. لكن الكلمات تاهت، اتحبست في حلقي، كأنها بتعاقبني على صمتي القديم. سحبني أكتر، وبدأ ينهال عليا بقسوته، بقسوة اللي اتوجع. كانت كل لمسة كأنها بتضربني، بتوجعني، مش بس جسدياً، لأ، دي كانت بتوجع روحي. كنت بحس بيه وهو بيكرهني، بيكره اللي عملته، بيكره اللحظة دي. كنت ببكي من جوايا، دموع مالهاش صوت، لكنها كانت بتغرقني. كانت دي الليلة اللي لازم أدفع فيها التمن، تمن غلطة مكنتش عارفة حجمها الحقيقي إلا في اللحظة دي. الألم كان بيزيد، بيطغى على كل حاجة، بس الغريب إني مكنتش قادرة أصرخ. الصوت كان مكتوم، وكأني قررت أدفع التمن ده بالصمت الكامل، زي ما صمتت وقتها. كل نفس كان بيخرج مني بصعوبة، كأن روحي بتتسحب مني حتة حتة. عيني كانت مفتوحة، بثبتها في الفراغ، مش عايزة أبص في عينه تاني، خايفة أشوف قد إيه أنا بقيت مكروهة في نظره. الألم كان كفيل ينسيني أي حاجة تانية، ينسيني باريس، ينسيني أهلي، ينسيني حتى نفسي. كنت بحاول أمسك نفسي، أتحمل. يمكن لو استسلمت للألم ده، لو اديته كل اللي هو عايزه، يمكن أغفر لنفسي، يمكن يغفرلي. بس نظرة عينه، نظرة الغضب اللي مش بيخلص، كانت بتقولي إن ده مجرد بداية، وإن الثمن لسه أعلى بكتير مما تخيلت. كل حاجة كانت بتوجعني، حتى النفس اللي باخده. كنت بتمنى لو الأرض تتشق وتبلعني، تختفيني من الوجود ده كله، من كل الوجع ده. كنت حاسة إني كائن صغير وضايع، ملوش أي قيمة، ملوش أي سند. كانت دي النهاية، نهاية كل حاجة بينا. يمكن مكنش ينفع أصلاً نبدأ. يمكن كل ده كان غلط من الأول. الألم كان بيزيد، بيقوى، وأنا مفيش مني أي رد فعل، لا صراخ، ولا مقاومة. بس دموعي هي اللي كانت بتنزل، من غير صوت. كان بيعاقبني، وأنا كنت بستاهل العقاب. قلبي كان بينزف من جوايا، مش بس من الألم الجسدي، لأ، من الألم النفسي، من إحساسي بالخيبة والخيانة. كان بيعاقبني بكل قوته، بكل غضبه، كأنه بيفرغ فيا كل المرار اللي حس بيه بسببي. كان بيحاول يدمرني، ينهيني، وأنا مكنش عندي غير إني أقبل ده. دي كانت كفارة، أو يمكن دي كانت نهاية. كنت حاسة إن كل لمسة منه بتفصل جزء مني عني، كأن روحي بتتشقق. كل ما الألم يزيد، كل ما عقلي كان بيسافر بعيد، بيحاول يهرب من الواقع المرير ده. بس الواقع كان أقوى، بيرجعني تاني لحضن الألم. كنت عايزة أصرخ، أقوله كفاية، لكن الصوت كان محبوس، محبوس في حلقي مع كل الكلمات اللي مكنتش قادرة أقولها. فضلت ساكتة، ساكتة لحد ما حسيت إني مبقتش حاسة بحاجة، كأن جسمي كله بقى مخدر من كتر الوجع. بس روحي كانت لسه صاحية، لسه بتنزف. كانت ليلة طويلة، أطول من أي ليلة عدت عليا في حياتي. كنت بحس إن كل لحظة فيها بتمر سنين. كنت بتمنى الشمس تطلع، تنهي الكابوس ده. بس الظلام كان أقوى، والوجع كان أعمق. مفيش أي كلمة طلعت منه، ولا كلمة حنين، ولا حتى كلمة قسوة مباشرة. كان مجرد غضب صامت، أفعاله بتتكلم، ووجعي كان بيرد. كانت دي العلاقة اللي كنا بنتكلم عنها؟ كانت دي الحياة اللي كنا بنحلم بيها؟ كانت دي قصة حبنا؟ كل سؤال كان بيزيد الوجع. كنت بتمنى لو أقدر أرجع بالزمن، لو أقدر أصلح اللي عملته، بس مفيش رجوع، مفيش فرصة تانية. فضلت ساكتة، أتحمل كل ضربة، كل لمسة قاسية. كنت حاسة إن ده أقل حاجة أقدر أعملها عشانه، عشانه وعشان اللي خسرناه. كان بيفرغ كل غضبه، كل ألمه، وأنا كنت الإناء اللي بيتحمل ده كله. كنت حاسة إني بموت حتة حتة، لكن في نفس الوقت كنت بتمنى الموت ده يكون كفارة، يكون نهاية للعذاب. لما سابني، حسيت إن روحي رجعت لجسمي تاني، لكنها كانت روح مكسورة، منهكة. الكابوس خلص، بس آثاره كانت لسه موجودة، محفورة في كل حتة فيا. الدنيا لفت بيا لما حاولت أقوم. كل عظمة في جسمي كانت بتصرخ. بصيت حواليا، كانت أوضة النوم كأنها ساحة معركة، آثار الألم والغضب مالية المكان. يونغي كان واقف قدام الشباك، مديني ضهره، كأنه ملوش دعوة باللي حصل. كأنه كان بيعاقبني بس، ومش عايز أي تواصل بعد كده. مفيش كلمة خرجت من بقه. كان الصمت بيخنقنا تاني. قلبي كان مقسوم نصين، نص لسه بيحبه، ونص بيكره الألم اللي سببهولي. قمت بصعوبة، سحبت هدومي المقطعة من الأرض، حاولت ألملم نفسي. كل حركة كانت بتوجعني. مشيت ناحية الحمام، عايزة بس أهرب من الأوضة دي، من المنظر ده. لما وصلت للمراية، بصيت لوشي، وشي اللي بقى شاحب، عيني اللي محمرة من الدموع المكتومة. مكنتش عارفة مين اللي في المراية دي، مكنتش دي أنا. سمعت صوت تليفون يونغي بيرن، صوت غريب ومفاجئ في صمت الصبح. بصلي لحظة، نظرة غريبة، مش زي النظرة اللي كانت من شوية، دي كانت نظرة قلق، خوف. قرب من التليفون، رد، صوته كان هامس، كأنه بيحاول يخبي حاجة عني. سمعت كلمة واحدة بس، كلمة خلت قلبي يقع في رجلي: "جدتك..."

End of Chapter 26