Chapter 20 of 30

الشروخ الدافئة

1.2k words

الشمس كانت داخلة من شباك الشقة في باريس، دافية وخفيفة بتلمس الأرض الخشبية. آية كانت واقفة في المطبخ الصغير، لابسة قميص يونغي الأبيض، اللي كان واسع عليها جداً وواصل لحد ركبتها. ريحة البن المحوج كانت مالية المكان، بتدفي برد الصبح اللي جاي من برة الشباك.\n\nفجأة، حست بإيدين دافية بتتلف حوالين وسطها من ورا. يونغي دفن وشه في رقبتها، ونفسه السخن خلاها تبتسم غصب عنها وتغمض عينيها. لمسته كانت مألوفة، بس لسة بتخلي قلبها يدق بسرعة كأنها أول مرة.\n\n"صباح الخير يا كسلانة،" همس بصوت لسة فيه بحة النوم الناعمة.\n\n"صباح النور،" لفت آية في حضنه وبقت مواجهاه. حطت إيديها على كتافه العريضة وبصت في عينيه الضيقة اللي كانت مليانة حنية. "أنا مش كسلانة على فكرة. أنا صاحية بقالي ساعة وبحضر القهوة اللي بتحبها."\n\nيونغي قرب أكتر، المسافة بينهم اختفت تماماً. لقط شفايفها في بوسة هادية وطويلة، بوسة خلت رجليها تترعش وتفقد توازنها للحظة. حرك إيده على ضهرها، يقربها منه أكتر كأنه بيحاول يحميها من الدنيا كلها جوة حضنه.\n\n"أنا مش عايز قهوة خلاص،" همس وهو بيبوس خدها وينزل لرقبتها تاني ببطء. "أنا عايز أفضل هنا بس."\n\nآية ضحكت بصوت واطي، ونبضات قلبها سريعة وصاخبة في صدرها. "يونغي، القهوة هتدلق. وبعدين وراك شغل على الكمبيوتر لازم تخلصه."\n\nبص لها وعينيه فيها نظرة تملك واضحة، نظرة بتخليها تحس إنها أهم حاجة في كونه. "الشغل يستنى. أنتِ أهم من أي حاجة تانية في العالم ده."\n\nلمساته كانت جريئة وحنينة في نفس الوقت. حرك صوابعه الطويلة في شعرها الأسود الناعم اللي نازل على كتافها بحرية. من ساعة ما جم باريس وبدأت تفكر في قلع الحجاب برة البيت، وهي حاسة بحرية غريبة في الشقة وهي سايبة شعرها قدامه. كان بيعشق يخلل صوابعه فيه ويبوس جبينها.\n\nالتقارب الجسدي بينهم زاد أوي الفترة دي، وبقت كل لمسة بسيطة قادرة تشعل مشاعر قوية وصعبة تسيطر عليها. همس في ودنها بكلام دافي، وباس كتفها العريان برقة خلت قشعريرة تسري في جسمها كله.\n\n---\n\nبعد شوية، قعدوا على التربيزة الصغيرة اللي في الصالة. الجو كان هادي، بس كان فيه نوع من التوتر الخفي في الهوا. يونغي كان باصص في لابتوبه ومركّز بزيادة، حواجبه كانت ممرومة وملامحه متشنجة وهو بيكتب بسرعة.\n\nآية شالت كوباية القهوة الفاضية وحطتها على جمب، وجت تلم شوية ورق مبعثرين على التربيزة عشان توسع مكان للفطار.\n\n"متلمسيش الورق ده يا آية،" قالها يونغي فجأة بصوت ناشف وحاد، من غير ما يبص لها حتى.\n\nآية اتفاجئت بنبرته وجمدت إيدها في مكانها. "أنا بس كنت بنظف التربيزة عشان نعرف ناكل. مفيش داعي للأسلوب ده على فكرة."\n\nيونغي تنهد بصوت عالي وحط إيده على راسه بضيق. "أنا مش قصدي، بس الورق ده مهم وفي حسابات معقدة ومش عايز حاجة تضيع أو تتلخبط. سيبيه مكانه وبس."\n\n"يعني أنا هضيع ورقك؟" صوت آية بدأ يعلى سنة، والوجع بدأ يتسرب لقلبها. "أنت بقالك يومين بتعاملني كأني طفلة غبية مش فاهمة حاجة. كل ما أسألك عن المكالمة بتاعة إمبارح تقفل الموضوع، ودلوقتي حتى شوية ورق مش عايزني ألمسهم؟"\n\nيونغي قفل اللابتوب بقوة خلت آية تتخض وترجع خطوة لورا. "آية، أنا مضغوط وتعبان! مش طالبة خناق على الصبح على شوية ورق تافهين!"\n\n"أنا مش بخانق!" وقفت آية وبصتله بغضب وعينيها بدأت تلمع بالدموع. "أنت اللي علطول مخبي عني حاجات. كأنك بتندم إنك جبتني معاك هنا، كأن وجودي بقى حمل تقيل عليك وعايز تخلص منه!"\n\n"أنتِ بتقولي إيه؟" وقف يونغي هو كمان، ملامحه اتغيرت تماماً وبقى باين عليه الضيق الشديد. "أنا سبت حياتي كلها وجيت معاكِ هنا عشان أحميكِ وعشان نكون سوا. بلاش النكد ده وتكبير المواضيع على حاجات ملهاش لازمة."\n\nكلمة "نكد" و"حاجات ملهاش لازمة" نزلت عليها زي الكرباج. حست بوجع غريب بيعصر صدرها. الخناقة بدأت بسبب ورق تافه، بس فجأة كل المخاوف القديمة اللي جواها صحيت وظهرت على السطح.\n\n---\n\nدموع آية نزلت فجأة وبدون إنذار. دموع سريعة وسخنة غطت خدودها. شهقت وهي بتحاول تكتم عياطها بإيديها، بس مقدرتش تسيطر على نفسها وجسمها كله بدأ يترعش بقوة.\n\nيونغي لما شاف دموعها، ملامحه الغاضبة والقاسية اختفت تماماً في ثانية واحدة. القلق والرعب ظهروا في عينيه بوضوح. خطى خطوة سريعة وواسعة ناحيتها. "آية..."\n\n"ابعد عني! متلمسنيش!" قالتها بصوت مخنوق وهي بتلف وشها الناحية التانية وبتعيط بكسرة.\n\nيونغي مسمعش كلامها. شدها لحضنه بقوة وتملك، ولف دراعاته حوالين وسطها وضهرها، وضغطها لصدره بكل قوته كأنه بيحاول يدخلها جوة قلبه. آية كانت بتحاول تزقه بإيديها الضعيفة وتضرب صدره، بس قوتها تلاشت تماماً قدام دفء حضنه. فضلت تعيط بهستيرية، وشهقاتها بدأت تعلو في الصالة الهادية.\n\n"آية، حبيبتي، أنا آسف. والله العظيم آسف،" همس يونغي وصوته هو كمان بيترعش من القلق. بدأ يبوس راسها ويمشي إيده على شعرها بحنان ولطف. "أنا غبي، متعيطيش أرجوكِ. دموعك دي بتدبحني من جوة."\n\nآية كلبشت في قميصه بقوة، صوابعها اتشنجت وهي بتشد القماش كأنها خايفة تقع لو سابته. "أنا... أنا خايفة يا يونغي،" قالتها وهي بتشهق وصوتها متقطع تماماً من العياط. "خايفة تزهق مني... خايفة تسيبني وتمشي في يوم وتسبني لوحدي."\n\nسكتت ثواني وهي بتحاول تاخد نفسها، وبعدين كملت بكسرة: "كل الناس اللي بحبهم سابوني. بابا وماما اتخلوا عني... والجامعة طردتني... أنا ماليش حد في الدنيا دي غيرك أنت هنا. لو أنت كمان زهقت مني وسبتني... أنا هضيع، بجد هضيع."\n\nقلب يونغي اتعصر ووجعه جداً وهو بيسمع كلامها. حس بمدى الألم والخوف اللي شايلاهم جوة قلبها الصغير. رفع وشها ببطء بإيديه الدافية، وبص في عينيها الحمرا والمنفوخة من العياط.\n\n"أسيبك؟" همس بصوت كاد يكون مسموع، وعينيه مليانة حب خالص وألم لعذابها. "أنا أسيب روحي ومسيبكيش يا آية. أنتِ مش بس مراتي، أنتِ دنيتي كلها وحياتي اللي ببدأها من جديد. أنا جيت باريس عشانك، وبعمل كل ده عشان نكون سوا ومحدش يقدر يفرقنا تاني أبدأ. عمري... عمري ما هسيبك."\n\nقرب وباس عينيها الرطبة ببطء، بيمسح دموعها بشفايفه برقة وطيبة. نزل لشفايفها وباسها بوسة طويلة وعميقة، بوسة مليانة وعود بالأمان والحب الأبدي اللي ملوش نهاية. آية بدأت تهدى تدريجياً في حضنه، ونفسها بدأ ينتظم وهي سامعة دقات قلبه السريعة اللي بتأكد لها صدق كل كلمة بيقولها.\n\n"بجد يا يونغي؟ مش هتزهق مني ومن مشاكلي؟" سألته بصوت واطي وضعيف وهي بتبص في عينيه برجاء كأنها طفلة تايهة.\n\n"بجد يا قلب وعمر يونغي،" ابتسم بحنية ومسح آخر دمعة على خدها بصابعه الطويل. "أنا أزهق من الدنيا كلها ومن نفسي، بس عمري ما أزهق منكِ. يلا بقى، مش عايز أشوف الوش الزعلان ده تاني. ضحكتك هي اللي بتنورلي حياتي هنا."\n\n---\n\nبعد ما العاصفة هديت، قعدوا على الكنبة الكبيرة سوا. آية كانت نايمة في حضنه، رأسها مريحة على صدره العريض، وهو بيلعب في خصلات شعرها ببطء وحنان. الجو رجع هادي وجميل، وصوت المطر الخفيف بدأ يخبط على إزاز الشباك برتم منتظم ويجيب معاه راحة وسكينة.\n\n"أنا بحب شعرك وهو نازل كدة أوي،" همس يونغي وهو بيبوس طرف خصلة سوداء من شعرها. "شكلك بيبقى شبه الملايكة."\n\nآية ابتسمت بكسوف ووشها احمر. "بجد؟ يعني مش زعلان إني بفكر بجد ألع الحجاب علطول برة البيت كمان؟"\n\n"أنا معاكِ في أي قرار يريحك ويخليكِ حاسة بكيانك وحريتك يا آية. المهم عندي تكوني مبسوطة ومش خايفة من حاجة طول ما أنا جنبك."\n\nاللحظة كانت دافية ومثالية جداً، كأن مفيش أي مشاكل في العالم برة الشقة دي. لحد ما فجأة، تليفون يونغي اللي كان محطوط على التربيزة بدأ يتهز ويرن بصوت عالي ومزعج قطعت هدوء المكان.\n\nآية حست بجسم يونغي بيتشنج فجأة تحتها. نبضات قلبه اللي كانت هادية وسريعة بدأت تتسارع بشكل مرعب في ثانية واحدة. رفعت راسها وبصتله بقلق.\n\nهو مد إيده ببطء وأخد التليفون. الشاشة كانت منورة برقم غريب ملوش اسم، بس المرة دي كان مع الرنة رسالة نصية قصيرة ظهرت على الشاشة المنورة قبل ما يونغي يحاول يقفلها بسرعة.\n\nآية لقطت طرف الرسالة بعينيها قبل ما هو يداري الشاشة عنها. الرسالة كانت مكتوبة بالفرنساوي، بس كان فيها اسم واضح وصادم هز كيانها: "إيميلي".\n\nوجنب الاسم كانت مكتوبة جملة قصيرة: "أنا لقيت ملفات عيلتكم القديمة يا يونغي... الحقيقة أسوأ بكتير ملي كنت تظن. لازم نتقابل فوراً."\n\nيونغي وشه بقى شاحب تماماً زي الأموات، وبص لآية وهو بيحاول يصطنع الهدوء ويبتسم، بس عينيه كانت مليانة رعب حقيقي وصدمة شلت حركته.

End of Chapter 20