Chapter 4 of 37
Chapter 4: ثمن الحقيقة الأليمة
1.5k words
تسرب الضوء البارد عبر الشقوق الضيقة للستائر المخملية الثقيلة.
تحركت أية بألم، تشعر بكل إنش من جسدها يصرخ من الوجع والإنهاك.
تلك الغرفة الواسعة غارقة في صمت موحش، لا يقطعه سوى أنفاس منتظمة وعميقة خلفها.
حاولت سحب جسدها ببطء شديد، لكن ذراعًا ثقيلة كالفولاذ كانت تطوق خصرها بإحكام، تثبتها في مكانها.
تصلب جسدها بالكامل عندما شعرت بحرارة صدره العريض تلتصق بظهرها العاري.
تذكرت كل شيء حدث في الليلة الماضية، الدموع الحارقة، الصرخات التي تلاشت في زوايا الغرفة، والقيود الحديدية التي حفرت في معصميها.
نظرت إلى معصميها الأحمر المتورم، وشعرت بغصة تخنق حلقها وتمنعها من التنفس.
قميص النوم الأحمر الجديد الذي ألبسها إياه بعد أن غسل جسدها تحت الماء الدافئ كان يلتصق ببشرتها المتهيجة.
شعرت بالمهانة تسري في عروقها، مهانة تجعلها ترغب في الاختفاء من الوجود والهروب من هذا الكابوس الحقيقي.
تحرك ذراعه ببطء، ليرتفع تدريجيًا نحو عنقها، حيث أصابعه الطويلة ذات المفاصل البارزة تلمست برفق العلامات البنفسجية الداكنة التي تركها هناك.
ارتجفت بعنف، وحاولت الابتعاد، لكن قبضته اشتدت على خصرها ليعيدها بقوة أكبر إلى صدره.
"لا تتحركي،" همس بصوته الأجش القاسي القريب من أذنها مباشرة.
أنفاسه الساخنة لفحت بشرتها الباردة، مما جعل قشعريرة من الرعب تسري في عمودها الفقري.
فتحت عينيها على وسعهما، تنظر إلى السقف المزخرف بضياع ويأس تملك روحها.
"أرجوك..." خرج صوتها مبحوحًا، ضعيفًا، يكاد لا يُسمع من شدة البكاء.
"دعني أذهب، أرجوك كفى."
ضحكة منخفضة، خالية من أي مشاعر إنسانية، صدرت من حنجرته العريضة.
استدار ببطء، واضعًا جسده الضخم فوقها جزئيًا، يثبتها بنظراته الحادة كخناجر مصقولة.
ملامحه القاسية والوسيمة بدت أكثر رعبًا في ضوء الصباح الخافت الذي يتسلل إلى الغرفة.
عيناه الرماديتان الباردتان تفحصتا وجهها الشاحب، وعينيها المتورمتين من البكاء المستمر طوال الليل.
رفع يده الحرة، ليمسح بإبهامه الخشن على شفتها السفلية المرتجفة.
ضغط بقوة خفيفة، جعلتها تئن من الألم الجسدي والنفسي.
"الذهاب؟" سأل بنبرة هادئة للغاية، وهي النبرة التي جعلتها تدرك مدى خطورته الحقيقية.
"لقد أصبحتِ ملكي، أية. والملك لا يتخلى عن ممتلكاته الثمينة أبدًا."
شحبت أكثر، والدموع بدأت تتجمع في عينيها مجددًا لتسيل على وجنتيها.
"أنا لستُ ملكًا لأحد!" صرخت بضعف، وهي تحاول دفع صدره الصلب بيديها الصغيرتين المرتجفتين.
لم يتحرك إنشًا واحدًا، بل بدا وكأن محاولتها اليائسة تثير تسليته الباردة المستفزة.
أمسك معصميها بيد واحدة قوية، وضغط عليهما فوق رأسها على الوسادة الحريرية.
"كل جزء منكِ ينتمي لي الآن،" قال وهو يميل برأسه ليدفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها بعمق.
"علاماتي المحفورة على جسدكِ تثبت ذلك، ولا يمكنكِ إنكارها."
أغمضت عينيها بقوة، محاولة عزل نفسها عن الواقع المرير الذي تعيشه.
مرت اللحظات كأنها دهور، حتى تراجع عنها ببطء، ونهض من السرير بحركة رشيقة وقوية.
وقفت قامته الطويلة، عريض المنكبين، يتأملها بنظرة باردة وهو يرتدي سرواله الأسود.
جلس على الكرسي المقابل للسرير، تمامًا كما فعل بالأمس، وأخرج سيجارة فاخرة من علبتها الفضية.
أشعلها ببطء، وتصاعد الدخان الرمادي الكثيف ليملأ الفراغ الفاصل بينهما.
كان يراقبها من خلف سحابة الدخان، كصياد يدرس فريسته المصابة التي لا مفر لها.
---
طرقت الباب طرقات خفيفة متتالية قبل أن يفتح ببطء شديد.
دخلت خادمة شابة، رأسها منحنٍ نحو الأرض بخوف، تحمل صينية فضية كبيرة مليئة بأصناف الطعام الفاخر.
وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة بجانب السرير دون أن تجرؤ على رفع عينيها لتنظر إلى مارسيل أو إلى أية المستلقية.
خرجت الخادمة بسرعة وكأنها تهرب من مكان إعدام، وأغلقت الباب خلفها بهدوء تام.
نهض مارسيل من مكانه، خطواته الهادئة والمدروسة كانت ترن في أذن أية كدقات ساعة الموت.
أمسك بالصينية ووضعها على السرير بالقرب منها بكبرياء.
"كلي،" أمر بنبرة لا تقبل النقاش أو الجدال.
نظرت أية إلى الطعام بشعور بالغثيان، ولم تتحرك من مكانها خطوة واحدة.
"قلت كلي، أية،" كرر ببرود أشد، وعيناه تضيقان بتحذير صامت يحمل الموت.
"لا أريد دمية ضعيفة تموت من الجوع بين يدي قبل أن أشبع منها."
"أفضل الموت على البقاء هنا مع وحش مثلك،" قالت بنبرة حاولت جعلها قوية، رغم الرعب الذي ينهش أحشاءها.
تصلب فكه، والوريد في صدغه بدأ ينبض بغضب مكتوم وخطير.
اقترب منها بسرعة خاطفة، وجذبها من شعرها الطويل ببطء ولكن بقوة كافية لتجعل رأسها يميل إلى الخلف.
تأوهت من الألم، ويديها تعلقت بمعصمه الصلب محاولة تخفيف الضغط الرهيب عن رأسها.
"إياكِ وأن تتحديني،" همس وعيناه تشعان ببريق مرعب كالنار.
"موتكِ لن يكون سهلاً، وسأضمن أن تتوسلي من أجل العيش قبل أن أسمح لكِ بالموت."
ترك شعرها فجأة، لتسقط على السرير وهي تسعل وتتنفس بصعوبة بالغة.
أمسك بقطعة خبز صغيرة، وحشاها ببعض الجبن، ثم دفعها بقسوة نحو فمها.
"كلي بنفسكِ، أو سأطعمكِ بطريقتي الخاصة... ولن تعجبكِ الطريقة أبدًا."
ارتجفت وهي تنظر إلى عينيه القاسيتين، وعلمت أنه لا يمزح على الإطلاق.
أخذت القطعة بيدين مرتجفتين، وبدأت تمضغ ببطء شديد، ودموعها تمتزج بطعم الطعام المالح في فمها.
أومأ برأسه برضا بارد، وعاد ليجلس على مقعده، يتابع تدخين سيجارته بهدوء قاتل يثير الأعصاب.
---
رن جرس هاتف مارسيل الموضوع على الطاولة الجانبية بصوت حاد كسر الصمت المطبق.
التقط الهاتف ببرود، ووضعه على أذنه دون أن ينطق بكلمة واحدة، مستمعًا للطرف الآخر بتركيز.
ملامحه لم تتغير، لكن عينيه الرماديتين تطلعتا إلى أية بنظرة غريبة، نظرة حملت مزيجًا من السخرية والتشفي.
"أحضره إلى هنا،" قال مارسيل بنبرة جافة وقاطعة قبل أن يغلق الخط.
توجست أية خيفة، وشعرت بقلبها ينبض بعنف في صدرها كطبل حرب.
من الذي سيحضره؟ هل عائلتها تبحث عنها؟ هل جاء والداها لإنقاذها من هذا الجحيم المظلم؟
بصيص من الأمل الكاذب لمع في عينيها البنيتين، ولم يفت ذلك على مارسيل الذي راقبها بدقة شديدة.
ابتسم ببرود، ابتسامة جعلت الدم يتجمد في عروقها من شدة الرعب.
"تبدين متفائلة للغاية، أية،" قال وهو يطفئ سيجارته في المنفضة الكريستالية.
"هل تظنين أن هناك من سيأتي لإنقاذكِ من بين يدي؟"
"أبي... عائلتي لن تتركني معك، سيبحثون عني في كل مكان،" قالت وصوتها يرتجف بالخوف والأمل المختلطين.
نهض مارسيل وسار نحوها ببطء، يقف بجانب السرير، يلقي بظله الضخم فوق جسدها الصغير الضعيف.
وضع يديه في جيبي سرواله، وتأملها بنظرة شفقة زائفة تثير الرعب في النفس.
"عائلتكِ؟" سأل بسخرية مريرة هزت كيانها.
"العائلة التي تظنين أنها ستبكي عليكِ وتنقذكِ، هي العائلة نفسها التي وضعتكِ في حضني بإرادتها."
توسعت عيناها بذهول ورعب حقيقي، وهزت رأسها بنفي جنوني رافضة الفكرة.
"لا... هذا كذب! أنت تكذب لتكسرني وتجعلني أستسلم!" صرخت، والدموع تنهمر بغزارة على وجنتيها الشاحبتين.
"أبي يحبني، لن يفعل هذا بي أبدًا مهما حدث!"
أخرج مارسيل هاتفًا مغلفًا بالجلد الأسود من جيبه، وضغط على الشاشة لبضع ثوانٍ قبل أن يوجه الشاشة نحو وجهها.
"انظري بنفسكِ وتأكدي من حب والدكِ العظيم،" قال بنبرة جليدية قاطعة.
تطلعت إلى الشاشة وعيناها تكادان تخرجان من محجريهما من فرط الصدمة والذهول.
كان هناك مقطع فيديو لوالدها، يظهر فيه جالسًا في مكتب فخم، يبدو عليه الخوف والارتباك الشديد، وأمامه رجل ضخم من رجال مارسيل.
كان والدها يوقع على أوراق بيضاء كبيرة، ويضع بصمته باللون الأحمر الإبهامي أسفل الورقة باستعجال.
سمعت صوت والدها بوضوح في الفيديو وهو يقول بصوت مرتعش وذليل: "خذوها... خذوا أية، فقط اتركوني وشأني، لقد سددت ديوني لكم بها... أرجوكم لا تقتلونني."
انقطع الفيديو فجأة، تاركًا الغرفة في صمت مميت وثقيل كالجبال.
تصلبت أية في مكانها، وشعرت وكأن الأرض تهتز تحتها، وكأن سكينًا مسمومة غرست في منتصف قلبها لتنهي حياتها.
أنفاسها تسارعت بشكل جنوني، وصدرها يرتفع وينخفض بعنف، غير قادرة على استيعاب ما رأته وسمعته للتو.
والدها... الرجل الذي كانت تظنه حاميها وسندها في هذه الحياة القاسية، باعها لرجل مافيا سادي لإنقاذ حياته وسداد ديونه القذرة.
"هذا... هذا غير حقيقي..." همست بشفاه زرقاء مرتجفة، وعقلها يرفض تصديق هذه الفظاعة والخيانية.
"أنت فبركت هذا الفيديو... هذا ليس حقيقيًا أبدًا!" صرخت بهستيرية، وهي تحاول الإمساك بقميص مارسيل لتجبره على التراجع والاعتراف بكذبه.
أمسك بيديها بقوة مفرطة، وضغط عليهما حتى كادت عظامها تتداخل وتتحطم، وعيناه تقتربان من وجهها لتهمسا بالحقيقة القاتلة.
"والدكِ مدين لي بخمسة ملايين دولار، أية،" قال بصوت منخفض وقاتل كفحيح الأفعى.
"وكان الخيار أمامه إما أن يموت بطريقة شنيعة ويتم تقطيع جسده وإرساله لعائلتكِ، أو أن يعطيني إياكِ لتسوية الحساب بالكامل."
"وقد اختار حياته القذرة دون تردد ثانية واحدة، وباع ابنته الوحيدة لي."
تلاشت كل ذرة قوة في جسدها، وارتخت يداها تمامًا بين قبضتيه الفولاذيتين.
سقطت على الوسادة كجثة هامدة، عيناها مثبتتان على الفراغ، والدموع تجري بصمت مريع على صدغيها الشاحبين.
شخصيتها، كبرياؤها، ثقتها بالعالم وبالبشر... كل شيء تحطم في ثوانٍ معدودة وتحول إلى رماد.
لم تعد تشعر حتى بالألم الجسدي، فالألم النفسي الذي يعتصر روحها كان أشد فتكًا بمليون مرة من أي تعذيب جسدي.
انحنى مارسيل فوقها، وقبل جبينها بقسوة غريبة ممزوجة بالتملك، ثم همس بالقرب من أذنها برضا:
"الآن، أنتِ ملكي بالكامل... بموجب القانون، وبموجب عقد البيع والشراء الموقع بدم والدكِ."
"وليس هناك مكان في هذا العالم الواسع يمكنكِ الهرب إليه أو الاحتماء به من بطشي."
مسح دموعها بإصبه الخشن، ثم تراجع وخرج من الغرفة ببطء، مغلقًا الباب الحديدي الثقيل خلفه بصوت مدوٍ صدى في أركان الغرفة المظلمة.
بقيت أية مستلقية بمفردها، تشعر بالبرد الشديد يجتاح عظامها رغم الغطاء الدافئ، والظلام يبدو وكأنه يبتلع ما تبقى من روحها المحطمة.
مرت الساعات الطويلة وهي على هذه الحالة، لا تتحرك، لا تتكلم، فقط تتنفس ببطء وتستمع لدقات قلبها الجريح الذي ينبض بالانكسار.
فجأة، سمعت صوت حركة غريبة وغير طبيعية تأتي من جهة الشرفة الكبيرة المطلة على الحديقة الخلفية المظلمة للقصر.
تجمدت أنفاسها في صدرها وهي ترى مقبض الباب الزجاجي يتحرك ببطء شديد من الخارج.
الستائر المخملية الثقيلة تحركت بخفة، وظهر ظل رجل ضخم يحمل خنجرًا حادًا يلمع في الظلام، يتقدم نحو سريرها بخطوات صامتة كالموت.