Chapter 5 of 8
الفصل الخامس: شروق على جزيرة الشفاء
861 words
مرت الساعات كأنها دهور داخل تلك الغرفة المبردة بالمشفى، حيث كانت الأجهزة الطبية تصدر رنينًا متواصلًا يمزق هدوء المكان.
راقب كايل الآلات بنظرات حمراء خالية من النوم، بينما كان جسد آريا الضئيل يصارع الموت بصمت مفجع بعد توقف قلبها المفاجئ.
قرر في تلك اللحظة الحرجة أن يهرب بها بعيدًا عن صخب المافيا وجدران قصره المظلمة التي شهدت على عذابها ونزيفها.
بسرعة فائقة، جهز طائرته الخاصة الطبية لينقلها إلى جزيرة نائية تقع في أطراف المحيط الهادئ، يملكها سرًا ولا يعرفها أحد.
أراد مكانًا نقيًا، بعيدًا عن الأتربة والميكروبات والعيون المتربصة، مكانًا يناسب وسواسه الشديد بالنظافة ورغبته في حمايتها.
حملها بين ذراعيه كأنها قطعة من الخزف النادر القابل للكسر مع كل شهيق وزفير يصدر من صدرها المصاب.
ساد الهدوء المطبق على قمرة الطائرة الطبية الفاخرة الطائرة فوق السحاب، ولم يكن هناك سوى صوت الأجهزة الطبية التي تقيس نبضات قلبها الضعيفة.
جلس كايل بجانب فراشها المعلق، ممسكًا بيدها الصغيرة الشاحبة التي بدت كقطة صغيرة دافئة بين كفيه الكبيرتين.
كان يتأمل وجهها الملائكي، وشعرها الأبيض الناعم المسترسل حول وجهها، ورموشها البيضاء التي لم تتحرك منذ ساعات.
شعر بندم يحرق أحشاءه، ندم على كل لحظة قسوة وكل ضربة تسببت في تهشيم عظامها الرقيقة وصدرها الهش.
أقسم في نفسه أنه إذا نجت هذه المرة، فسوف يكرس كل ثانية من حياته لتعويضها وجعلها أسعد فتاة على وجه الأرض.
عندما حطت الطائرة على المدرج السري للجزيرة، كان الفجر يلقي بخيوطه الأولى على المياه الفيروزية الصافية.
استقبلهم طاقم طبي خاص تم اختياره بعناية فائقة وتطهيرهم بالكامل لضمان خلوهم من أي أمراض قد تنتقل لآريا الضعيفة المناعة.
نقلها كايل بنفسه إلى الجناح الرئيسي في الفيلا المبنية من خشب الصندل العطري والمجهزة بأحدث التقنيات الطبية والتعقيم المستمر.
كان الهواء هناك نقيًا وخاليًا من ملوثات المدن الصاخبة، مما ساعد رئتيها الصغيرتين على التنفس بشكل أفضل دون مساعدة الأجهزة.
بدأ الخوف يتبخر تدريجيًا من قلبها بعد أيام، وحل محله فضول طفولي دفعها لمحاولة الاقتراب منه خطوة بخطوة.
في الأيام الأولى، كانت آريا ترفض فتح عينيها عندما تشعر بوجوده في الغرفة، متظاهرة بالنوم العميق لتجنب مواجهته.
لكن كايل كان يعلم حيلتها الطفولية، فكان يجلس على مقعد مريح بجانب سريرها، يراقب حركات جفونها المرتعشة وصوت أنفاسها غير المنتظمة.
لم يكن يضغط عليها، بل يكتفي بالبقاء قريبًا، يتأكد من درجة حرارة الغرفة ونظافة الأغطية التي كان يغيرها بنفسه ثلاث مرات يوميًا.
كان يغسل يديه بالمعقمات الكيميائية عشرات المرات قبل أن يجرؤ على لمس طرف ثوبها، حماية لها وتهدئة لوسواسه القهرية.
بدأت رحلة العلاج الطويلة والقاسية لجسدها الصغير فور وصولهم إلى تلك الجنة الاستوائية المعزولة.
تولى كايل كل شيء بنفسه، رافضًا دخول أي طبيب أو ممرض غريب إلى غرفتها المعقمة بعناية فائقة تفوق المشافي العالمية.
مسح جبينها بلطف مستخدمًا قطعًا قطنية معقمة، حيث كان وسواس النظافة لديه يدفعه لتطهير كل شبر تلمسه يداها الصغيرتان.
استيقظت آريا بعد أيام من الغيبوبة لتجد نفسها مستلقية على سرير وثير أبيض كالثلج، تطل نوافذه على البحر مباشرة.
ارتجفت في البداية عندما رأت طول قامته وعينيه الحمراوين اللتين كانتا تراقبانها بصمت من زاوية الغرفة المظلمة.
تذكرت التعذيب والألم، فانكمشت على نفسها كقطة صغيرة خائفة تحاول الاختباء تحت الأغطية الحريرية الثقيلة.
لكنه لم يقترب بغضب هذه المرة، بل جثا على ركبتيه ببطء شديد بجانب السرير وقدم لها كوبًا من الحليب الدافئ.
"اشربي"، همس بصوت منخفض وعميق، خالٍ تمامًا من تلك النبرة الحادة والجليدية التي اعتادت على سماعها منه.
نظرت إليه بعينين زرقاوين سماويتين يملؤهما الخوف والتردد، ورموشها البيضاء الطويلة ترفرف بسرعة كأجنحة فراشة مذعورة.
تغلبت غريزة الجوع عليها في النهاية، فمدت يديها الصغيرتين المرتعشتين لتتناول الكوب الدافئ بحذر شديد.
شربت ببطء، مصدرة أصواتًا خفيفة ولطيفة تشبه قطة صغيرة ترتشف حليبها بامتنان تحت أنظار حارسها الصارم.
ابتسم كايل ابتسامة خفيفة للغاية، كادت تظهر على ملامحه الرجولية الحادة، وهو يرى قطرات الحليب البيضاء تعلو شفتيها الوردية.
أخرج منديله الحريري المعقم بعناية ومسح فمها برقة متناهية، متجنبًا الضغط على شفتيها الرقيقتين أو إزعاجها.
كانت عظام صدرها المكسورة تحتاج إلى وقت طويل لتلتئم، وكان يمنعها بصرامة من القيام بأي حركة مفاجئة قد تؤذيها.
أجبرها على البقاء في السرير لأسابيع متتالية، مغذيًا إياها بيديه ملعقة تلو الأخرى من الأطعمة الصحية المغذية.
عندما بدأت تستجيب للعلاج وتتناول طعامها ببطء، كان كايل يحرص على إعداد الشوربات الدافئة والوجبات الخفيفة بنفسه.
كان يقف في المطبخ المعقم بالكامل، يقطع الخضار بمهارة ودقة متناهية، متأكدًا من غسل كل ورقة وكل حبة بالماء والخل لمرات عديدة.
تناولت الطعام بنهم كالهامستر، حيث كانت تخزن اللقيمات في فمها الصغير وتنفخ وجنتيها البيضاوتين وهي تمضغ ببطء شديد.
كان هذا المنظر يبعث في قلب كايل المظلم شعورًا غريبًا بالراحة والدفء، متناسيًا تمامًا شؤون عصابته الدولية المعقدة.
أصبح يدير إمبراطوريته الإجرامية عبر الهاتف لدقائق معدودة في اليوم، مخصصًا بقية وقته للعناية بطفلته الصغيرة.
تجاوزت آريا مرحلة الخطر الجسدي بعد مرور ثلاثة أشهر، وبدأت جروحها النفسية والجسدية تلتئم بفضل دلاله ورعايته الفائقة.
سمح لها أخيرًا بالخروج إلى الشاطئ الخاص بالفيلا الخشبية، لتستنشق الهواء النقي المنعش الممزوج برائحة البحر.
أصبحت خطواتها الأولى على الرمال الناعمة تشبه مشية البطريق، تتمايل بجسدها يمينًا ويسارًا بطفولية بالغة أثارت دهشته.
ذات صباح مشمس، بينما كان كايل يرتب الأوراق في مكتبه، تسللت آريا نحو الباب بخطواتها المتأرجحة الشبيهة بمشية البطريق.
كانت ترتدي فستانًا أصفر فضفاضًا يجعلها تبدو ككتلة صغيرة من البهجة المتحركة، تمشي يمينًا وتتأرجح يسارًا ببطء شديد لمنع الألم في صدرها.
توقفت عند عتبة الباب، ونظرت إليه بعيون زرقاء سماوية واسعة، واضعة إصبعها الصغير في فمها بتردد طفولي ساحر.
رفع كايل رأسه، وتلاشت النظرة الجادة من عينيه الحمراوين فورًا لتتحول إلى نظرة دافئة ومليئة بالحب والترقب.