Chapter 4 of 8

Chapter 4: شظايا الزجاج المكسور

1.1k words

تجمدت الدماء في عروق زعيم المافيا وهو يحدق في الأوراق التي بين يديه. شعر ببرودة الموت تتسلل إلى أطرافه، تلك البرودة التي لم يسبق له أن شعر بها طوال سنوات حكمه الدموي. كانت الحقيقة واضحة، ناصعة، وقاسية كحد السكين. سقطت الأوراق من أصابعه المرتعشة لتتناثر على البلاط البارد للمشفى المعقم. نظر إلى يديه اللتين لطالما تفاخر بنظافتهما المطلقة، ووسواسه الشديد تجاه الجراثيم والقاذورات. الآن، كانت هاتان اليدان ملطختين بشيء لا يمكن لأي معقم في العالم أن يزيله: دم براءتها. نظر ليون إلى رئيسه بعيون يملؤها الأسى والخوف من ردة فعله القادمة. كان يعلم أن الوحش الذي بداخله قد استيقظ، ليس ليدمر أعداءه هذه المرة، بل ليمزق نفسه إربًا. لم يجرؤ المساعد على نطق كلمة واحدة، فالصمت في هذه اللحظة كان أبلغ من أي عزاء. ببطء شديد، تحركت نظرات كايل نحو الزجاج الفاصل بينه وبين غرفة العناية المركزة. كانت هناك، ممددة كعصفور صغير بللته أمطار الخريف العاصفة. شعرها الأبيض الناصع كان مبعثرًا على الوسادة البيضاء، ورموشها البيضاء الطويلة كانت ساكنة فوق وجنتيها الشاحبتين اللتين خلبتا لونهما الطبيعي. تحت الأضواء النيونية الفاقعة، بدت آيلاند—أو آريا كما كان يطلق عليها—أشبه بجثة هامدة لولا الأجهزة الكثيرة المتصلة بجسدها الصغير. كانت الأنابيب تخترق فمها الصغير، وجهاز مراقبة نبضات القلب يصدر أصواتًا رتيبة، بطيئة، وتكاد تتلاشى. صرخ أحد الممرضين فجأة داخل الغرفة، معلنًا حالة الطوارئ القصوى. انقطع الخط الأخضر على الشاشة ليتحول إلى خط مستقيم مرعب، مطلقًا صفيرًا متواصلًا يمزق القلوب. اندفع الأطباء والممرضات كخلية نحل هائجة نحو السرير. تحولت الغرفة الهادئة إلى ساحة حرب لإنقاذ حياة تلفظ أنفاسها الأخيرة. لم يعد هناك مكان للتردد، فالوقت كان يهرب من بين أيديهم كحبات الرمل. خلف الزجاج، شعر كايل بأن رئتيه قد أفرغتا تمامًا من الهواء. تجمد مكانه، وعيناه الحمراوان اللتان لطالما أثارتا الرعب في نفوس أعتى الرجال، اتسعتا بذهول وصدمة لا حد لها. شعر بقلبه يتوقف عن النبض في تلك اللحظة بالذات. تجعدت ملامحه الفولاذية وهو يرى الطبيب يشحن جهاز الصدمات الكهربائية. ارتجف جسدها الصغير بعنف إثر الصدمة الأولى، ليرتفع عن السرير قليلًا ثم يسقط بهدوء مميت. لم يتغير الخط المستقيم على الشاشة. ضرب كايل بقبضته العارية على الزجاج السميك، متجاهلًا الألم الذي سرى في يده. أراد أن يكسر الفاصل، أن يدخل ويمنحها من أنفاسه، من روحه، من أي شيء يملك ليعيدها إلى الحياة. كان يصرخ بداخل صدره صرخة صامتة كادت أن تمزق حنجرته. ارتفع صوت الطبيب آمرًا بزيادة الشحنة الكهربائية إلى الحد الأقصى. تكررت العملية مرة ثانية، وثالثة، وجسدها الطفولي يستجيب للصدمات كدمية خشبية مكسورة الأوصال. كانت الممرضة تضغط على صدرها بقوة، في محاولة يائسة لإنعاش ذلك القلب الصغير. شحبت وجوه الطاقم الطبي، وبدأ اليأس يتسلل إلى عيونهم. أشار الطبيب بيده مستعدًا لإعلان وقت الوفاة، فالوقت قد شارف على الانتهاء، والمخ لا يمكنه الصمود أكثر دون أكسجين. --- داخل غرفة العمليات، كانت المعركة تقترب من نهايتها المأساوية. لكن، وفي اللحظة الأخيرة التي كاد فيها الطبيب أن يرفع يديه مستسلمًا، صدر صوت خافت من الجهاز. لم يتحرك أحد لثوانٍ، ظنًا منهم أن الأمر مجرد خطأ في الأجهزة. ثم تبعه نبض آخر، يليه نبض ثالث، أضعف من أن يصدق، لكنه كان كافيًا ليعيد الحياة إلى تلك الغرفة المظلمة. تنهد الطبيب بعمق، ومسح حبات العرق الشديد عن جبينه. انفتح الباب الزجاجي ببطء، ليخرج الطبيب الرئيسي متعبًا، يجر خطاه الثقيلة نحو زعيم المافيا الذي كان يقف كتمثال من جليد، ينتظر حكم الإعدام أو العفو. خطا الطبيب خطوة للوراء عندما رأى الهالة المظلمة المحيطة بكايل، لكن واجبه المهني أجبره على الحديث. ابتلع ريقه الجاف وحاول جاهدًا أن يثبت نبرة صوته أمام النظرات المرعبة الموجهة إليه. التقت الأعين، وبدأ الطبيب يشرح الحالة بصوت منخفض: "لقد أعدنا قلبها في اللحظة الأخيرة، سيد كايل. لكن... الوضع حرج للغاية، بل إنه في غاية الخطورة." همس الجراح مكملًا بتوجس: "بسبب ضعف بنيتها الجسدية الشديد، وطبيعة جسدها الهشة التي تشبه زجاجًا رقيقًا، لم يتحمل جسدها الصغير التعذيب الذي تعرضت له. لقد تكسرت الكثير من أضلاعها الصدرية." تراجعت دقات قلب كايل وهو يستمع للكلمات القاتلة. تابع الطبيب: "الأضلاع المكسورة تضغط الآن بشكل مباشر وخطير على رئتيها وعضلة القلب. أي حركة خاطئة، أو حتى ضغط بسيط، قد يؤدي إلى ثقب في القلب أو الرئة. هذا يعني أن قلبها معرض للتوقف في أي لحظة ولأتفه الأسباب." بصوت يرتجف، واصل الطبيب تحذيره: "علينا أن نبقيها تحت التخدير الكامل والرقابة المشددة. إنها معجزة أنها ما زالت تتنفس، ولكنها معجزة معلقة بخيط رفيع جدًا. أي انتكاسة قادمة قد تكون القاضية." ساد وجوم ثقيل في الممر بعد مغادرة الطبيب. تراجع كايل خطوتين إلى الوراء حتى اصطدم بالجدار الصلب، ثم انزلق ببطء حتى استقر على الأرض، واضعًا رأسه بين ركبتيه في منظر لم يجرؤ أحد من رجاله على تخيله يوماً. شعر كايل بخناجر غير مرئية تمزق صدره. تذكر تصرفاتها الطفولية، كيف كانت تقفز كالأرنب عندما تفرح، وكيف كانت تنام وئيدة كالقطة، وتأكل بوجنتيها المنتفختين مثل الهامستر الصغير. تذكر ركضها المتعثر وسقوطها المتكرر الذي كان يثير غضبه وضيق صدره. أغمض عينيه بقوة، لتتحول تلك الذكريات اللطيفة إلى كوابيس تهاجم عقله. كان هو السبب في تحطيم هذه الكائن البريء. هو، بيده هذه، عذب الفتاة التي تغلغلت في أعماق قلبه المظلم دون أن يشعر، الفتاة التي أحبها بجنون وحاول إنكار ذلك خلف قناع القسوة والبرود والشك. تحركت خطواته الثقيلة بعد وقت طويل نحو غرفتها. دفع الباب ببطء شديد، كأنما يخشى أن يوقظ شبح الموت الحائم حول سريرها. تخلت خطواته عن كبريائها المعتاد، وبدا كأنه رجل عجوز مكسور يحمل أوزار العالم على كتفيه. بدت آريا أصغر بكثير وسط ذلك السرير الضخم والأجهزة المحيطة بها. وجهها الشاحب كان خاليًا من أي تعبير، وجسدها النحيل كان يبدو ضائعًا تحت الغطاء الطبي المعقم. ركع الطاغية بجانب سريرها، واضعًا جبهته على حافة الفراش. تخلت يده التي اعتادت حمل السلاح وصنع الموت عن حذرها، وامتدت لتمسك بأصابعها الصغيرة الباردة المحاطة بأجهزة قياس النبض. لامست أصابعه بشرتها البيضاء الناصعة التي كانت تشبه الثلج، لكنها الآن كانت تحمل ندوبًا زرقاء وبنفسجية تركها وراءه. ضغط على يدها برفق شديد، خوفًا من أن يؤذيها أكثر مما فعل بالفعل. انهمرت الدموع من عيني زعيم المافيا، حارة وصادقة، لتغسل برود سنوات طويلة من القسوة والقتل. كانت هذه هي المرة الأولى التي يبكي فيها منذ طفولته، بكاءً مرًا يمزق الروح ويعصر الفؤاد. غص حلقه بنحيب مكتوم وهو يهمس بالقرب من أذنها: "أنا آسف... أنا آسف يا صغيرتي... أرجوكِ لا تتركيني... عاقبيني، اقتليني، لكن لا ترحلي وتتركيني في هذا الظلام الفاسد بمفردي." كان يعلم أن كلماته قد لا تصل إليها، لكنه استمر في التوسل لعل روحه تلتقي بروحها في ذلك البرزخ بين الحياة والموت. تمنى لو كان بإمكانه تبادل الأماكن معها، لو أن تلك الأضلاع المكسورة كانت أضلاعه هو، وتلك الآلام آلامه. وفجأة، أصدر جهاز مراقبة نبضات القلب صوتًا غريبًا ومتقطعًا. شعر كايل برعشة خفيفة تسري في الأصابع الصغيرة التي كان يحتضنها بين كفيه. فتحت جفنيها ببطء شديد، لتظهر تلك العيون الزرقاء السماوية التي كانت كالبحر الصافي، لكنها الآن كانت باهتة ومغطاة بغشاوة من الألم والتعب الشديد. تلاقت النظرات لثوانٍ معدودة بدا فيها الزمن كأنه قد توقف تمامًا. لم يكن في عينيها عتاب أو غضب، بل كان هناك شيء واحد فقط جعل قلب كايل ينخلع من مكانه ويسقط في هاوية سحيقة من الرعب. صرخت أجهزة الإنذار مجددًا وبقوة أكبر، بينما اتسعت عينا آريا برعب قاتل بمجرد أن استوعب عقلها الصغير هوية الرجل الجاثي أمامها، لتتحول نبضات قلبها إلى فوضى عارمة تهدد بإنهاء حياتها في تلك اللحظة بالذات.

End of Chapter 4