Chapter 3 of 8

الفصل الثالث: حقيقة تحت الأنقاض

1.5k words

في زوايا القبو المعتم، حيث تفوح رائحة الرطوبة والعفن، كانت الأنفاس المرتجفة تصنع صوتًا خافتًا يمزق الصمت الرهيب. ضمّت آريا جسدها الصغير المتكور على الأرض الخرسانية الباردة، محاولة الاحتماء بشعرها الأبيض الطويل الذي انسدل حول كتفيها كغطاء كثيف من الثلج الناعم. ارتعشت رموشها البيضاء الفريدة مع كل شهقة خوف تخرج من صدرها، بينما كانت عيناها الزرقاوان السماويتان تلمعان بالدموع الحائرة في العتمة. صرير حاد ومفاجئ انبعث من الباب الحديدي الثقيل، مما جعلها تقفز في مكانها كأرنب بري مباغت، لتلتصق بالجدار الحجري البارد. خطوات منتظمة وقاسية دوت في الممر، معلنة وصول الرجل الذي يرتجف لمجرد ذكر اسمه أقوى رجال المدينة. دخل كايل إلى الغرفة المعتمة، يرتدي معطفه الأسود الطويل وبذلته الفاخرة التي لم تشبها شائبة واحدة، وكأنه خرج للتو من قصر ملكي وليس إلى سرداب تعذيب. برقت عيناه الحمراوان ببرود مميت تحت إضاءة المصباح الخافت، ووجهه المنحوت بدقة بدا كقطعة من الجليد لا تعرف الرحمة. أخرج منديلًا معقمًا من جيبه الحريري، يمسح به أصابعه الطويلة ببطء شديد وبملامح يعلوها القرف، متجنبًا ملامسة أي جدار أو سطح في هذا المكان المتسخ. بصوت هادئ لكنه يحمل تهديدًا يقطع الأنفاس، قال: "انظري إليّ عندما أتحدث معكِ، يا ابنة لومباردي القذرة." مالت برأسها الصغير إلى الجانب ببراءة طفولية غريبة، ترمقه بعيونها الواسعة وكأنها لا تفهم الكلمات القاسية التي وجهها إليها. همست بصوت يرتجف كأنها قطة بللها المطر: "أنا... أنا لست قذرة... لقد غسلت يديّ بالماء قبل أن يأخذني رجالك الطوال إلى هنا..." تصلب فك كايل وضغط على أسنانه بقوة حتى برزت عضلات فكه القوية، معتبرًا تصرفاتها العفوية مجرد أسلوب رخيص للتلاعب بعقله. تقدم نحوها بخطوات سريعة، يقبض على ياقة ثوبها الصغير ويرفعها في الهواء بيد واحدة، دون أن تهتز ملامحه الباردة. تعلقت في الهواء، تحرك قدميها الصغيرتين بحركات عشوائية سريعة ككتكوت صغير يحاول الطيران والإفلات من مخالب صقر جارح. بمنتهى القسوة، رماها على الأرض لتصطدم بالخرسانة الصلبة، مما جعلها تطلق صرخة ألم حادة مزقت سكون القبو. سالت خيوط الدم الأحمر القاني من ركبتها الصغيرة التي جُرحت إثر السقوط، لتلوث بشرتها البيضاء الناصعة كالحليب. حاولت النهوض وهي تبكي بصوت مكتوم، تجري وتتعثر بخطوات طفولية متتالية، تسقط على وجهها وتنهض مجددًا لتختبئ خلف صندوق خشبي قديم في الزاوية. انتزعها كايل من مخبئها بعنف، ممسكًا بذراعها النحيلة بقبضة حديدية كادت أن تكسر عظامها الهشة. زأر في وجهها بغضب مكتوم: "تكلمي! ما هي الخطط التي تضمرها عائلة لومباردي؟ ما هي المعلومات التي جئتِ لسرقتها من قصري؟" ارتجفت شفتيها الورديتان، وحاولت التحدث لكن الخوف لجم لسانها تمامًا، لتكتفي بهز رأسها نفيًا وهي تحاول مسح دموعها بظهر يدها الصغيرة. دفعة قوية منه أرسلتها لتصطدم بحافة الطاولة المعدنية، لتسقط أرضًا وتغيب عن الوعي لعدة دقائق بينما كانت الدماء تسيل من جبينها الصغير وتلطخ شعرها الأبيض الثلجي. بصق على الأرض بقرام شديد، ثم التفت إلى حرّاسه الواقفين عند الباب بملامح متصلبة لا ترحم. أمرهم بنبرة حاسمة كقطع السيف: "احرموها من الماء والطعام... لا أريد أن يلمسها أحد حتى تقرر الاعتراف بكل ما تعرفه عن عائلتها اللعينة." توالت الأيام الطويلة والقاسية على الفتاة الصغيرة داخل تلك الزنزانة المظلمة، دون أن يرق قلب الزعيم البارد لها ولو للحظة. كان البرد القارس يتسلل عبر شقوق الجدران الحجرية، لكن آيلاند لم تكن تملك سوى فستانها الرقيق الممزق ليدفئ جسدها المرتعش كغصن شجرة في عاصفة خريفية. رغم الجوع والوجع اللذين كانا ينهشان أحشاءها، ظلت متمسكة بروحها المرحة وتصرفاتها الغريبة التي حيرت الحراس الواقفين خلف الباب الحديدي المغلق. أمضت ساعات النهار الأولى في محاولة ملاحقة شعاع شمس ضئيل يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة للغاية، تقفز كأرنب متحمس لتلمس خيط النور الدافئ بأطراف أصابعها الباردة. عندما كانت تفشل في الوصول إليه، تسقط على الأرض ضاحكة بطفولية قبل أن تعاود الكرة مجددًا دون كلل أو ملل، وكأنها في حديقة ألعاب وليست في زنزانة موت. رسمت بأصابعها الصغيرة على الغبار المتراكم خرائط خيالية لبلاد الأحلام، حيث البيوت مصنوعة من السكر والأنهار تتدفق بالحليب الدافئ الذي تشتاق إليه. نامت كل ليلة متقوقعة كقطة صغيرة تحتفظ بآخر قطرات الدفء في جسدها، وتصدر همهمات ناعمة تعبر عن أحلامها البسيطة بلقاء والدتها التي لم تَعرفها قط. كلما دخل أحد الحراس لتقديم كوب ماء متسخ أو لتفتيش الزنزانة، كانت تنظر إليه بعيونها الزرقاء السماوية الواسعة، وتسأله ببراءة إن كان يملك حبة فراولة حمراء. ظن الحراس أن هذه التصرفات ما هي إلا تمثيلية بارعة وخداع نفسي مدرب عليه بدقة لإثارة تعاطفهم، فكانوا يقابلون تساؤلاتها بالصمت والضرب الجاف في بعض الأحيان. تابع كايل تقارير مراقبتها عبر الكاميرات الخفية، وكان فكه يزداد تشنجًا مع كل لقطة يراها وهي تبتسم للغبار أو تقفز بمرح طفولي لا يناسب وضعها كجاسوسة مفترضة. اعتبر صمودها الطريف وتظاهرها بالبراءة تحديًا شخصيًا له، وهو الرجل الذي لم يستعصِ عليه عقل أو إرادة من قبل في عالم المافيا المظلم. تلقى كايل صدمة قوية في ليلة شاتية عاصفة، عندما وصلته أنباء عن هجوم مسلح ومباغت شنته عائلة لومباردي على مستودع أسلحته الرئيسي في المرفأ. اشتعلت عروقه بالغضب كالسم الزعاف، وظن أن الفتاة الصغيرة نجحت بطريقة ما في إرسال إشارات أو معلومات سرية لأفراد عائلتها من داخل محبسها. اندفع نحو الزنزانة وعيناه تشعان بوميض أحمر قاتل، وجسده مشدود كوتر قوس مستعد للإطلاق، محطمًا الباب الحديدي بقدمه بقوة هائلة. رآها تجلس على الأرض الباردة، تمسك بكسرة خبز يابسة ومتعفنة قذفتها لها الفئران، تقضمها بأسنانها الأمامية كالهامستر الصغير بلذة غريبة وخوف ظاهر. سحبها من شعرها الأبيض الطويل بقسوة مفرطة دون أدنى اكتراث بصرخات ذعرها، ليرمي بكيانها الهزيل في منتصف الغرفة الخرسانية. انهال عليها بالضرب المبرح مستخدمًا سوطه الجلدي الأسود الغليظ، ليمزق ما تبقى من فستانها الرقيق ويترك جروحًا غائرة تنزف بغزارة على بشرتها الحليبية. بكت بنحيب مرير يقطع نياط القلوب، ممسكة بحذائه الأسود اللامع بيديها المرتجفتين وهي تتوسل إليه بصوت متقطع: "أرجوك... توقف... هذا مؤلم جدًا... أنا لم أفعل شيئًا سيئًا..." ركلها بعيدًا عنه بقوة مفرطة، لتصطدم بجدار الغرفة الصلب وتتوقف صرخاتها فجأة، محلة محلها صمت مطبق ومرعب تغلغل في أركان الزنزانة. سقطت آيلاند على الأرض كالدمية المكسورة، وشعرها الأبيض الثلجي تلطخ بالكامل بالدماء الحمراء الداكنة التي بدأت تنساب على الخرسانة الباردة. تمتمت بكلمات خافتة بالكاد سُمعت، وهي تحاول فتح عينيها الزرقاوين اللتين بدأ بريقهما يتلاشى بسرعة: "أنت... تبدو وسيمًا جدًا... عندما لا تكون غاضبًا..." أطبقت جفونها البيضاء ببطء، وارتخى جسدها تمامًا لتفقد الوعي، بينما توقفت الأنفاس الضعيفة التي كانت تخرج من صدرها الصغير. شعر كايل ببرودة مفاجئة وغير مألوفة تغزو قلبه، ليقترب منها بخطوات متثاقلة وغير واثقة، ممسكًا بخصرها النحيل ليتفحص نبضها. وضع أصابعه المرتجفة على عنقها الرقيق، لكنه لم يجد أي حركة أو خفقان؛ لقد توقف قلبها الصغير عن العمل تمامًا تحت وطأة العذاب والبرد والجوع. صرخ بأعلى صوته بنبرة هستيرية غاضبة ومرعوبة لم يعهدها رجاله منه أبدًا، آمرًا إياهم باستدعاء الفريق الطبي فورًا وتهيئة سيارة الإسعاف. حمل جسدها الصغير والبارد بين ذراعيه، متجاهلاً تمامًا الدماء الكثيرة التي لوثت معطفه الفاخر وبذلته الأنيقة، واندفع بها نحو المشفى السري الخاص بالمافيا. خلف الأبواب المعدنية لغرفة العمليات، وقف كايل ووجهه شاحب كالموتى، يذرع الممر الطويل ذهابًا وإيابًا وعقله يغلي في حالة فوضى عارمة لم يسبق له مثيل فيها. لماذا يشعر بهذا التمزق الداخلي والخوف القاتل الذي يعتصر صدره من أجل فتاة كان يعتبرها مجرد حشرة وجاسوسة لعدوه اللدود؟ خرج الطبيب الرئيسي بعد ساعات طالت كأنها دهور، يمسح حبات العرق البارد عن جبينه المتعب وينظر إلى زعيم المافيا بخوف وارتجاف ظاهرين. قال الطبيب بنبرة متهدجة: "سيدي... لقد تمكنا من إنعاش قلبها بصعوبة بالغة باستخدام الصدمات الكهربائية المتكررة... لكن حالتها حرجة للغاية وجسدها يعاني من انهيار تام." تنهد كايل بعمق شديد، يشعر بثقل غامض يزول عن صدره، لكن ملامحه تجمدت فورًا عندما اقترب منه مساعده الوفي، ليون، ومعه ملف جلدي أسود سميك. قدم ليون الملف بيدين مرتعشتين، وقال بنبرة مليئة بالصدمة والذهول: "زعيم... لقد انتهت تحرياتنا العميقة والسرية حول هوية الفتاة... وهناك حقيقة مرعبة يجب أن تطلع عليها فورًا." فتح كايل الملف ببطء، لتسقط منه صور قديمة ووثائق رسمية تثبت هوية الفتاة الحقيقية التي كانت ترقد خلف الزجاج الأبيض غائبة عن الوعي. اتسعت عيناه الحمراوان بذهول لم يسبق له مثيل، وهو يقرأ السطور المكتوبة بعناية فائقة والتي كشفت الحقيقة الكاملة. لم تكن الفتاة ابنة عائلة لومباردي الحقيقية على الإطلاق، بل كانت مجرد يتيمة بائسة تُدعى "آيلاند"، تم اختطافها وإجبارها تحت تهديد السلاح على انتحال شخصية ابنتهم الهاربة. كشف التقرير السري أن آيلاند عاشت طفولة مريرة في ملجأ للأيتام، حيث كانت تُعامل كمنبوذة بسبب مظهرها الفريد وشعرها الأبيض الناصع وعيونها الزرقاء التي كانت تثير ريبة الجهلاء. اشترتها عائلة لومباردي قبل أسابيع قليلة فقط، وقاموا بحبسها وتدريبها تحت وطأة الضرب والتهديد بحرق الملجأ الذي نشأت فيه إن لم تنفذ أوامرهم بدقة وتلعب دور ابنتهم. كانوا يعلمون تمام العلم أن كايل لوسيفر، بقسوته المعروفة ووسواسه المفرط، سيعذبها حتى الموت فور رؤيتها في قصره، مما يمنحهم الوقت الكافي لترتيب صفوفهم وضرب مصالحه الحيوية. تذكر كايل كل سوط ضرب به جسدها، وكل إهانة وجهها إليها، وكل صرخة ألم أطلقتها وهي تتوسل إليه بلطف وبراءة حقيقية لم تكن تمثيلاً قط. أحسّ ببرودة قاتلة تجتاح أطرافه، ويده التي كانت تمسك بالملف بدأت تهتز بعنف بينما كان ينظر إلى وجهها الشاحب عبر نافذة العناية المركزة. نظر إلى جسدها الصغير محاطًا بالأجهزة والأسلاك، شاحبة كالملاك المكسور الذي دنسه بقسوته الشيطانية دون أن تذنب في حقه يومًا. دوت فجأة صافرات الإنذار من الأجهزة الطبية داخل الغرفة، معلنة توقف نبضات قلب آيلاند مجددًا وسط ذعر الأطباء الذين هرعوا نحوها وصعقات الكهرباء تستعد لضرب صدرها الضعيف للمرة الأخيرة.

End of Chapter 3