Chapter 2 of 8

Chapter 2: الضحية رقم 1012 وبداية العاصفة

2.6k words

توقف الزمن تماماً في تلك اللحظة المجنونة. ساد صمت مميت غطى على صوت أمواج البحر المتلاطمة في الخلفية. تصلبت أجساد الحراس الشخصيين كالتماثيل الحجرية، واتسعت أعينهم بذهول يحمل رعباً حقيقياً من العواقب. لم يجرؤ أحد من الحاضرين على التنفس أو حتى رمش عين واحدة. كاد قلب المساعد الشخصي لزعيم المافيا أن يتوقف تماماً وهو يرى تلك الفتاة الغريبة ذات الشعر الأبيض كالثلج مستلقية بالكامل فوق حجر الرجل الأكثر رعباً وقسوة في البلاد. كانت مغطاة بالكامل برمال الشاطئ الرطبة، وقطرات الماء المالح تقطر من أطراف خصلات شعرها الفوضوي لتسقط مباشرة على قميص كايل الأسود الفاخر المصنوع يدوياً من الحرير الإيطالي. ارتعشت رموشها البيضاء الطويلة مثل جناحي فراشة فزعة بللها المطر. نظرت آريا بعينيها الزرقاوين السماويتين الواسعتين مباشرة إلى العينين الحمراوين اللتين كانتا تشتعلان ببريق غاضب ومميت. بدت في تلك اللحظة الحرجة مثل قطة صغيرة بللها المطر، عاجزة عن الحركة تماماً ومذعورة من نظراته الحادة. توقع الجميع المحيطين بكايل أن يلقي بها في عمق المحيط دون أدنى تردد أو يكسر عنقها بيده العارية. انتظر الحراس الإشارة المعتادة لإنهاء حياتها بسبب تجرؤها على تلويث جسده وملابسه وهو المعروف بوسواس النظافة الشديد والمرضي. امتدت يد كايل الطويلة ذات العروق البارزة نحو كتفيها ببطء شديد يحمل تهديداً خفياً يحبس الأنفاس. قبض على كتفيها النحيلين بقوة كافية لتثبيتها ومنعها من الحركة العشوائية. رفعت آريا رأسها برعب طفولي، مغلقة عينيها بقوة ومنتظرة الضربة القاتلة التي ستنهي حياتها القصيرة. بدلاً من دفعها بعنف أو سحق عظامها النحيلة، رفعها كايل بخفة مذهلة ووضعها على قدميها فوق الرمال برفق غير متوقع بالمرة. تأكد من وقوفها بثبات وتوازن قبل أن يسحب يديه بسرعة كبيرة وكأنها لامست جمرة مشتعلة من النار. تراجع خطوة واسعة إلى الوراء، وعيناه الحمراوان تمسحان قميصه المبتل والمليء بحبيبات الرمل اللامعة التي تشبثت بالقماش الفاخر. انقبض فكه الصارم بقوة، وظهر عرق نابض عند صدغه الأيسر يعبر عن غضب مكبوت يكفي لحرق المدينة بأكملها. لم ينطق بحرف واحد وسط ذهول حراسه الذين تراجعوا خطوات للخلف خوفاً من انفجاره الوشيك. استدار ببرود قاتل، وسار بخطوات واسعة ومنتظمة نحو مقصورته الخاصة الفاخرة المبنية على أطراف الشاطئ. تبعه مساعده المرتجف بضع خطوات قبل أن يشير للحراس بالبقاء في مواقعهم ومراقبة الفتاة الغريبة. داخل المقصورة المكيفة ذات الرائحة العطرة والمنظمة بدقة متناهية، كان الهدوء يسود المكان بشكل غريب. اندفع كايل مباشرة نحو الحمام الخاص، وبدأ بخلع ثيابه المتسخة بحركات سريعة خالية تماماً من الصبر. فتح صنبور المياه الساخنة على أقصى درجة، ووقف تحتها تاركاً الماء يغسل آثار الرمل والملح عن بشرته الشاحبة. أمسك بفرشاة الاستحمام الخشنة وبدأ بفرك جلده بعنف شديد وكأنه يحاول التخلص من لوثة أصابته. تحول لون بشرته الشاحبة إلى الأحمر القاني من شدة الفرك، لكن وسواس النظافة لديه كان يصرخ في عقله بضرورة إزالة كل أثر لتلك الفتاة الغريبة. تذكر ملمس شعرها الرطب الناعم، ونظرة عينيها الزرقاوين الواسعتين التي بدت بريئة وخالية من أي خبث بشكل مستفز للغاية. عشر دقائق كاملة قضاها تحت الماء الساخن حتى شعر بالهدوء والبرود يعودان تدريجياً إلى أنفاسه المضطربة. خرج مرتدياً قميصاً أسود جديداً وبنطالاً متناسقاً، مجففاً شعره الأسود القصير بمنشفة ناصعة البياض تفوح منها رائحة اللافندر. أعاد ترتيب خصلات شعره أمام المرآة الكبيرة، متجاهلاً الغضب الطفيف الذي لا يزال يداعب أطراف عقله الواعي. عاد إلى الشاطئ بخطوات هادئة تنم عن هيبة وسيطرة لا يمكن لأي عاصفة أن تهزها. توقع أن يجد الشاطئ خالياً تماماً بعد تلك الفوضى العارمة التي أحدثتها الفتاة الطفولية الغريبة. مشى نحو مقعده الخاص المظلل، لكن عينيه الحادتين التقطتا شيئاً غريباً موضوعاً فوق الطاولة الخشبية الصغيرة بجانب مقعده. خطا نحو الطاولة ببطء، وحواجبه السوداء تعقدت بريبة وشك حيال هذا الجسم الغريب. كانت هناك بطاقة ورقية صغيرة مطوية بعناية فائقة، وموضوعة بجانب قطعة حلوى دائرية مغلفة بغلاف وردي لامع. انحنى قليلاً، مستخدماً منديلاً ورقياً معقماً ليلتقط البطاقة دون أن يلمسها بيده العارية مباشرة. فتح الورقة ببطء وقرأ الكلمات المكتوبة بخط يد طفولي غير منظم وممتلئ بالاعتذارات المضحكة: "أنا آسفة جداً يا سيدي المخيف ذو العيون الحمراء! لم أكن أقصد الطيران في الهواء والهبوط فوقك بتلك الطريقة الدرامية. أرجوك لا تأكلني أو تقتلني! أنا الضحية والمصابة رقم 1012 من ضحايا تعثري المستمر لليوم... وهذه الحلوى السحرية بنكهة الفراولة هي عربون اعتذار بسيط لتعالج غضبك الشديد. أتمنى ألا تموت من الرمل الملوث!" ارتعشت زاوية شفتي كايل في محاولة صعبة لقمع ابتسامة غير مألوفة كادت تظهر على وجهه الصارم. نظر إلى قطعة الحلوى الوردية الرخيصة التي بدت غريبة للغاية وسط ممتلكاته الفاخرة والراقية. التفت برأسه يبحث عن أي أثر لصاحبة الخط الطفولي في الأرجاء المحيطة بالشاطئ الخاص. لم يجدها واقفة أو مختبئة خلف الصخور الكبيرة كما توقع عقله الشكاك. امتد بصره الحاد نحو التلال الرملية الناعمة التي تحيط بالمنطقة الخاصة التابعة لأملاكه. هناك، عند حافة المنحدر الرملي المرتفع، رأى شيئاً أبيض يتحرك بطريقة تثير الضحك والدهشة في آن واحد. كانت آريا تتدحرج على طول المنحدر الرملي للأسفل ببطء وغباء طريف. بدت من هذا البعد مثل كرة ثلجية لطيفة أو ثعلب ثلجي صغير يحاول الفرار بأقصى سرعة ممكنة من صياد شرس غاضب. سقطت وتدحرجت عدة مرات، ثم حاولت الوقوف لتركض مثل الكتكوت الصغير، لتتعثر مجدداً وتسقط متدحرجة عدة أمتار أخرى للأسفل. راقبها كايل بصمت مطبق، وعيناه تتابعان حركاتها العشوائية والمليئة بالحيوية الطفولية الغريبة عن عالمه المظلم. لم يسبق له أن رأى شخصاً يمتلك هذا القدر من عدم التوازن والبرائة المطلقة في بيئة مليئة بالمؤامرات والدماء والقتل. دحرجت نفسها حتى وصلت أخيراً إلى أسفل التل، لتنهض بسرعة وتنفض الرمل عن ثيابها بحركات سريعة ومضحكة مثل الهامستر الذي ينظف فروه. اختفت خلف المنعطف الصخري المؤدي إلى الشاطئ العام المزدحم، تاركة خلفها هدوءاً غريباً خيم على المكان مجدداً. أرجع كايل البطاقة الصغيرة المطوية بعناية إلى جيب قميصه الأسود الجديد ببطء. نظر إلى قطعة الحلوى الوردية للحظات طويلة تملأها الأفكار المتضاربة والوساوس المتتالية. مد يده الطويلة، والتقط الحلوى ببطء شديد، متجاهلاً وسواس النظافة الذي كان يصرخ في عقله بضرورة غسلها وتعقيمها بالكامل أولاً. وضع الحلوى في جيبه بجانب البطاقة، وعاد ليجلس على مقعده الفاخر متأملاً البحر الهادئ بنظرات غامضة. شعر بفضول غريب وغير مبرر يغزو عقله البارد لأول مرة منذ سنوات طويلة من العزلة والصرامة المافياوية. من تكون هذه الفتاة الغريبة التي تجرأت على تلويث جسده ثم تركت له اعتذاراً طفولياً مضحكاً وقطعة حلوى رخيصة الثمن؟ --- مرت الساعات سريعة ومتلاحقة، وبدأت الشمس تغرب لتلون السماء بظلال برتقالية وحمراء دافئة وساحرة. كان كايل قد عاد بالفعل إلى قصره الشاهق المحصن كقلعة عسكرية والواقع في قلب العاصمة المزدحمة. جلس في مكتبه الفاخر المليء بالكتب القديمة والأثاث الجلدي الأسود، يراجع بعض التقارير المالية والخطط الأمنية الهامة. طرق خفيف ومنتظم على الباب الخشبي الثقيل قاطع تركيزه الحاد ونظراته المركزة. أذن للمطارق بالدخول بصوت عميق وبارد بعث القشعريرة في أرجاء الممر الخارجي. دخل مساعده الشخصي، ليو، وهو يحمل ملفاً جلدياً أسود رقيقاً بيده، وبدت على وجهه ملامح التردد والقلق غير المعتاد. تقدم ليو بخطوات مدروسة وهادئة حتى وقف أمام المكتب الكبير، وانحنى باحترام شديد وتقدير لزعيمه. "سيدي، لقد قمنا بالتحريات الدقيقة التي طلبتها بشأن الفتاة التي اقتحمت شاطئك اليوم،" قال ليو بصوت منخفض ومحايد للغاية. وضع الملف الأسود على سطح المكتب اللامع، منتظراً رد فعل زعيمه الصارم الذي لا يرحم الخطأ. رفع كايل عينيه الحمراوين الحادتين عن الأوراق التي أمامه، ونظر إلى الملف بنظرة غامضة يصعب تفسيرها. أشار بيده لليو ليكمل حديثه وسرد التفاصيل دون أن يفتح الملف المغلق بعد. نحنح ليو برفق لتصفية حنجرته قبل أن يبدأ في سرد المعلومات الصادمة التي عثر عليها رجاله خلال الساعات الماضية. "الفتاة تدعى آريا، تبلغ من العمر اثنان وعشرون عاماً، وتعيش بمفردها في شقة صغيرة متواضعة بضواحي المدينة،" بدأ ليو الشرح بحذر شديد. "سجلها المدني والأمني نظيف تماماً من أي نشاط إجرامي أو مشبوه، وتعمل في متجر صغير لبيع الزهور والحلويات اليدوية." "لكن... هناك أمر غير طبيعي وخطير للغاية يتعلق بوجودها على ذلك الشاطئ الخاص بك اليوم بالذات." ضاقت عينا كايل الحمراوان، واستقرت نظراته الباردة والمهددة على ليو الذي شعر بالتوتر يزداد تحت تلك النظرات المحرقة. "تحدث يا ليو دون تردد، أنت تعلم أنني لا أحبذ اللف والدوران في حضرتي،" قال كايل بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً مبطناً. أومأ ليو بسرعة وتابع قائلاً: "لقد عثرنا على تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالمنطقة الخارجية للشاطئ قبل وصولك بنصف ساعة كاملة." "لم تكن آريا هناك بمحض الصدفة البحتة كما بدا للجميع في البداية من تصرفاتها العفوية." "لقد تم إلقاؤها بعنف من سيارة سوداء مجهولة الهوية ومصفحة على بعد مسافة قصيرة جداً من شاطئك الخاص، وكانت تبكي بحرقة قبل أن تبدأ بالتصرف بتلك الطريقة الطفولية وترتعش خوفاً." "يبدو أن هناك جهة غامضة خططت لزرعها في طريقك اليوم، أو ربما يتم استخدامها كطعم بريء لشيء أكبر بكثير مما نتخيل ونخطط له." ظل كايل صامتاً كالموت، لكن عروق يده بدأت تبرز بوضوح مريع وهو يضغط على القلم الفاخر الذي يمسكه بيده اليمنى. أفكار سوداء وشكوك مظلمة بدأت تدور في عقله، ففي عالمه الدموي لا وجود للمصادفات اللطيفة أو البرائة العفوية. هل كانت تلك البرائة المفرطة، والتعثرات المضحكة، وتصرفاتها الشبيهة بالحيوانات الأليفة مجرد قناع متقن ومدروس لإيقاع زعيم المافيا في فخ مميت؟ فتح كايل الملف الأسود ببطء شديد، لتظهر أمامه صورة شخصية لآريا وهي تبتسم ابتسامة دافئة ومشرقة تظهر غمازتيها الصغيرتين الجذابتين. كان شعرها الأبيض المحيط بوجهها الطفولي يجعلها تبدو كالملاك الساقط من السماء، وعيناها الزرقاوان تشعان حيوية نادرة وخالية من أي خبث ظاهر. قلب الصفحة ليقرأ تفاصيل حياتها اليومية البسيطة، وعلاقاتها الاجتماعية شبه المعدومة، حتى توقفت عيناه الحادتان عند سطر معين جعله يتصلب في مكانه كالصخر. كان السطر يشير بوضوح تام إلى اسم عائلتها الأصلي والقديم الذي تم تغييره وتزييفه قبل عشر سنوات كاملة لحمايتها من التصفية. "عائلة... لومباردي،" همس كايل بالاسم بصوت منخفض للغاية يحمل نبرة مميتة جعلت ليو يتراجع خطوة غريزية للوراء خوفاً من هالة الموت التي انبعثت فجأة. كانت عائلة لومباردي هي العدو اللدود والدامي لعائلة كايل منذ عقود طويلة، والمسؤولة المباشرة عن حرب الشوارع التي راح ضحيتها الكثير من رجاله المقربين. تلك الفتاة البريئة التي سقطت في حضنه، والتي تصرفت مثل كتكوت مذعور وتاه في الرمال، كانت تنتمي مباشرة إلى السلالة التي أقسم على إبادتها ومحوها من الوجود. شعر كايل ببرودة مميتة تجتاح جسده بالكامل، وتلاشت كل مشاعر الفضول اللطيف السابقة لتحل محلها رغبة عارمة في الانتقام والسيطرة المطلقة. أغلق الملف بعنف شديد أحدث صدى قوياً ومرعباً في الغرفة الواسعة، ونهض من مقعده بخطوات بطيئة ومتزنة متجهاً نحو النافذة الزجاجية الكبيرة. وضع يديه في جيبي بنطاله، ملامساً قطعة الحلوى الوردية التي لا تزال هناك، والبطاقة الصغيرة التي تحمل اعتذارها الطفولي الساذج. أخرج الحلوى ونظر إليها ببرود قاتل، ثم ضغط عليها بقبضته القوية حتى تفتت غلافها اللامع وتكسرت القطعة الصلبة إلى أجزاء صغيرة تساقطت على الأرض الرخامية. "إذاً... لقد أرسلوا لي أثمن ما يملكون ليلعب دور الضحية البريئة تحت أقدامي وبداخل منطقتي،" قال كايل بصوت هادئ ومخيف يقطر سماً زعافاً. التفت إلى مساعده ليو الذي كان ينتظر أوامره بترقب شديد لمعرفة مصير الفتاة المسكينة التي لا تدري شيئاً على الأرجح. "أحضرها إلي الليلة يا ليو، وبأي ثمن كان،" أمر كايل وعيناه الحمراوان تشتعلان ببريق شيطاني مرعب خالٍ من أي رحمة. "أريدها هنا في هذا القصر مقيدة ومستسلمة قبل شروق شمس الغد، ودعنا نرى كم ستصمد تلك البرائة المزيفة أمام حقيقتي المظلمة والدموية." أومأ ليو برأسه بسرعة واحترام قائلاً: "علم وينفذ فوراً يا سيدي الزعيم، سيتم جلبها بضربة واحدة ودون إثارة أي جلبة في منطقتها." --- في تلك الأثناء المتأخرة من الليل، كانت آريا تجلس في شقتها الصغيرة الدافئة، وهي تلف نفسها ببطانية صوفية ناعمة مثل شرنقة قطنية لطيفة. كانت تتناول كوباً من الحليب الساخن وتلتهم قطع البسكويت الصغيرة بسرعة تشبه سرعة الهامستر الجائع وهو يجمع طعامه بنشاط. تذكرت فجأة الرجل المخيف ذو العيون الحمراء والشعر الأسود الطاغي الذي سقطت في حضنه بطريقة غبية ومحرجة على الشاطئ اليوم. شعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها الصغير عندما تذكرت نظرته الباردة والمهيبة التي كادت تجمد الدماء في عروقها الضعيفة. "أتساءل إن كان قد تناول قطعة الحلوى اللذيذة التي تركتها له على الطاولة،" همست آريا لنفسها بصوت رقيق وهي تميل رأسها بفضول طفولي بريء. "لقد بدا غاضباً جداً بسبب حبيبات الرمل... ربما يعاني من هوس النظافة والترتيب مثل أولئك الأشخاص الأثرياء في الأفلام القديمة!" ضحكت بخفة طفولية وهي تقفز من فوق أريكتها المريحة مثل الأرنب الصغير متجهة نحو نافذة شقتها لتغلق الستائر وتستعد للنوم الهادئ. لكن بمجرد أن اقتربت من النافذة، لفت انتباهها حركة غير عادية ومريبة في الشارع المظلم والضيق أسفل بنايتها المتواضعة. كانت هناك ثلاث سيارات سوداء ضخمة ومصفحة ذات زجاج داكن تقف ببطء وتنطفئ مصابيحها الأمامية في تزامن مريب للغاية يثير القلق. ترجل من السيارات رجال ضخام الجثة يرتدون بدلات سوداء متطابقة ويضعون سماعات أذن صغيرة، وبدؤوا بالانتشار حول مداخل البناية بخطوات صامتة وسريعة كالأشباح. تراجعت آريا خطوة إلى الوراء بذعر، واتسعت عيناها الزرقاوان بخوف حقيقي بدأ يتسلل إلى أعماق قلبها الصغير الصافي والخالي من الهموم. سقط كوب الحليب الساخن من يدها المرتجفة ليتناثر الزجاج الأبيض والسائل على الأرض الرمادية محطماً هدوء الليل الساكن بحدة. قبل أن تتمكن من الركض نحو باب الخلفي أو الاختباء في خزانة ملابسها، سمعت صوتاً قوياً ومرعباً لكسر قفل باب شقتها الخشبي بعنف شديد أدى إلى تحطمه بالكامل وسقوطه. اندفع الحراس المدججون بالسلاح إلى داخل شقتها الصغيرة، يتقدمهم ليو بنظرته الجادة والخالية من أي تعاطف أو تردد. تراجعت آريا حتى التصق ظهرها تماماً بالجدار البارد، ممسكة ببطانيتها الصوفية بقوة وإصرار وكأنها درع يحميها من الخطر الداهم. "آنسة آريا لومباردي،" قال ليو بصوت هادئ وحازم للغاية وهو يخطو نحوها بخطوات ثابتة ومخيفة. "زعيمنا، كايل، يرغب في رؤيتك ومقابلتك فوراً في قصره الخاص، وننصحك بشدة بعدم المقاومة أو الصراخ حرصاً على سلامتك الشخصية." ارتعشت شفتي آريا وبدأت الدموع تتجمع بغزارة في عينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين بدتا كبحر هائج من الخوف والارتباك الطفولي الصادم. "أنا... أنا لم أفعل شيئاً سيئاً على الإطلاق! لقد اعتذرت وتركت له قطعة حلوى سحرية لترضيه!" صرخت بصوت مرتجف وهي تحاول التراجع أكثر دون جدوى. لم يعر ليو كلماتها الطفولية أي اهتمام، وأشار برأسه لرجاله الذين تقدموا بسرعة فائقة وقبضوا على ذراعيها النحيلتين برفق متقن لمنعها من الحركة. سحبوها خارج الشقة بينما كانت تقاوم بضعف وتصرخ وتتحرك بعشوائية مثل كتكوت يقع ويحاول النهوض مجدداً وسط مخالب الصقور الجارحة التي لا ترحم. تم إدخالها بعنف لطيف إلى المقعد الخلفي للسيارة السوداء الضخمة، وانطلقت القافلة بسرعة جنونية شاقة ظلام الليل الحالك نحو قصر المافيا المهيب. كانت آريا تبكي بصمت وخوف، ممسكة بطرف فستانها الأبيض المتسخ ببعض الرمل، متسائلة برعب عن المصير المظلم والمجهول الذي ينتظرها بين يدي ذلك الرجل المرعب. ولم تكن تعلم أن سر عائلتها الحقيقي والقديم، الذي تجهله هي نفسها تماماً بسبب صغر سنها، هو الذي سيحدد إن كانت ستخرج من ذلك القصر حية أم ميتة. --- وصلت السيارات الفخمة إلى البوابة الحديدية الضخمة لقصر كايل، والتي فتحت ببطء كأنه فم وحش كاسر يستعد لابتلاع فريسته الجديدة والبريئة. سارت السيارات عبر الممر الطويل المحاط بالأشجار الكثيفة والمظلمة حتى توقفت تماماً أمام المدخل الرئيسي الفاخر المصنوع من الرخام الأسود المصقول. أنزل الحراس آريا من السيارة، وكان جسدها الصغير يرتجف بالكامل من شدة الخوف والبرودة التي اجتاحت المكان مع نسمات الليل المتأخرة والقاسية. قادها ليو عبر الممرات الطويلة والشاهقة للقصر، حيث كانت الصور القديمة والسيوف المعلقة على الجدران تزيد من رعب المكان في عينيها الطفوليتين الفزعتين. توقفت الخطوات الصارمة أخيراً أمام الباب الخشبي الضخم لمكتب كايل، والذي كان ينبعث من أسفله خيط رفيع من الضوء الأصفر الدافئ والغامض. طرق ليو الباب مرتين بخفة، ثم فتحه ببطء ودفع آريا برفق إلى داخل الغرفة الواسعة والمخيفة لتبدأ المواجهة المنتظرة. كان كايل يقف وظهره للباب تماماً، متأملاً أضواء المدينة البعيدة من خلف زجاجه الكبير، ممسكاً بكأس زجاجي يحتوي على سائل داكن يلمع بوضوح. أغلق ليو الباب من خلف آريا بهدوء، تاركاً إياها بمفردها مع زعيم المافيا المجنون والمسيطر بالكامل على أنفاسها ومصيرها الليلة. ساد الصمت المطبق أرجاء الغرفة لعدة دقائق بدت كأعوام طويلة بالنسبة لآريا التي كانت تحاول كتم أنفاسها المضطربة حتى لا تثير انتباهه. التفت كايل ببطء شديد، ووقعت عيناه الحمراوان اللامعتان كالجمر المشتعل مباشرة على وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين الغارقتين بالدموع الغزيرة. سار نحوها بخطوات بطيئة ومنتظمة للغاية، وصوت حذائه الجلدي الفاخر يحدث صدى مرعباً يحبس الأنفاس في أرجاء المكتب الواسع. توقفت خطواته المهيبة على بعد إنشات قليلة جداً منها، وانحنى بجسده الطويل ليصبح في مستوى وجهها تماماً، مرسلاً أنفاسه الباردة التي جعلت خصلات شعرها الأبيض تتحرك برفق مريب. "أهلاً بكِ في جحيمي الخاص والمليء بالدماء، يا صغيرة لومباردي،" همس كايل بنبرة هادئة ومرعبة تفيض بالوعيد القاسي والانتقام الوشيك. اتسعت عينا آريا بذهول حقيقي ورعب شديد لم تشعر به من قبل، متسائلة عن معنى الاسم الذي نطقه للتو وعن اللعبة الخطيرة التي وجدت نفسها عالقة فيها. ونظر إليها كايل بابتسامة غامضة وباردة خالية من أي مشاعر إنسانية، واضعاً يده الطويلة فجأة حول عنقها النحيل برفق مريب للغاية كاد يقطع أنفاسها الضعيفة والمذعورة. "والآن... دعينا نرى كيف ستحميكِ برائتكِ الطفولية الساذجة من العقاب المميت الذي ينتظركِ وينتظر عائلتكِ اللعينة تحت يدي،" قال كايل، ليتجمد جسد آريا بالكامل وهي ترى البريق الأحمر المتعطش للدماء يتوهج في عينيه الشيطانيتين بشكل غير مسبوق في تلك اللحظة القاتلة.

End of Chapter 2