Chapter 1 of 8

Chapter 1: حساء البحر والعيون الحمراء

1.2k words

تضرب أشعة الشمس الحارقة رمال الشاطئ الذهبية، معلنة عن يوم صيفي صاخب يضج بالحياة والحركة. تتدافع الأمواج الزرقاء وتتكسر على الضفاف مصدرة رذاذاً بارداً يلطف الأجواء الحارة. تجمع الناس من كل حدب وصوب، يملأون المكان بضحكاتهم وصيحاتهم، مستمتعين بالرمال والمياه المنعشة. يجلس كايل تحت مظلة ضخمة بيضاء، معزولاً عن العالم الصاخب من حوله في منطقته الخاصة المجهزة بأعلى سبل الراحة. يرتدي قميصاً أسود من الكتان الفاخر، غير مبالٍ بالحرارة، وعيناه الحمراوان اللامعتان كالجمر تراقبان الأفق ببرود قاتل. يحيط به طاقم من الحراس الشخصيين الذين يقفون كأعمدة صخرية، يمنعون أي شخص من الاقتراب من مساحته الخاصة. تمسح أنامله الطويلة منديلًا معقمًا للمرة العاشرة في غضون دقائق قليلة، حيث يبدي اشمئزازاً واضحاً من ذرات الرمل التي تحاول التسلل إلى مقعده. يعاني زعيم المافيا الشاب من وسواس نظافة قهري، يجعل من وجوده على شاطئ عام تجربة شبه تعذيبية بالنسبة له. يشد على فكه العريض، وتبرز عروق يده القوية مع كل حركة يمسح بها كرسيه الأبيض الناصع. تقترب والدته، السيدة إليزابيث، بخطوات هادئة وهي تحمل كوباً من العصير البارد، محاولة تلطيف الأجواء المتوترة التي يفرضها حضور ابنها الطاغي. تنظر إليه بعتب دافئ، متسائلة عن سبب إصراره على البقاء بملابسه الرسمية وعدم مشاركتهم متعة السباحة. تحاول إقناعه بشتى الطرق بأن يسترخي قليلاً، لكن دون جدوى. همس بنبرة منخفضة حادة جعلت الحراس يتراجعون خطوة إلى الخلف من فرط هيبتها، معلناً أنه جاء فقط لمرافقتهم ولن يضع قدماً واحدة في تلك المياه الملوثة بآلاف البشر. تنهدت والدته بيأس، معترفة داخلياً بأن عناد ابنها الأكبر لا يمكن قهرُه أبداً. تراجعت لتترك له مساحته الخاصة التي يفضلها دائماً. تحركت مجموعة من الفتيات الجميلات بخطوات متثاقلة متظاهرات بالبحث عن مكان مناسب للجلوس، لكن أعينهن كانت معلقة بالكامل على ذلك الرجل القابع تحت المظلة. سقطت نظارات إحداهن عمدًا بالقرب من حدود منطقته الخاصة، لتنحني بدلال مبالغ فيه محاولة جذب انتباهه. كانت عطورهم القوية تتداخل مع نسيم البحر، مما أثار حنق كايل بشدة. رمق الفتيات بنظرة مرعبة من عينيه الحمراوين، نظرة كفيلة بإنهاء حياة رجل شجاع في ثوانٍ. تيبست الفتاة في مكانها، والتقطت نظاراتها بسرعة بالغة وعلامات الرعب ترتسم على وجهها، قبل أن تفر هاربة برفقة صديقاتها. لم يزدد فك كايل إلا تشنجاً، وهو يشعر بالرغبة في مغادرة هذا المكان فوراً والعودة إلى قصره المعقم. --- فجأة، تعالت أصوات ضحكات طفولية عذبة من مسافة غير بعيدة، كاسرة جدار الصمت والنكد الذي يفرضه الزعيم الشاب على محيطه. لفتت هذه الضحكات انتباه الجميع، بما في ذلك كايل الذي تحركت عيناه ببطء شديد نحو مصدر الصوت، مدفوعاً بفضول غريب لم يعهده في نفسه من قبل. ركضت فتاة شابة بدت في الثانية والعشرين من عمرها، لكن تصرفاتها وجسدها الصغير يمنحانها مظهر طفلة في العاشرة. تميزت ببشرة بيضاء ناصعة كالحليب، وشعر أبيض ثلجي طويل يتطاير خلفها كأنه خيوط من النور، ورموش بيضاء طويلة تحيط بعينين زرقاوين بلون السماء الصافية. كانت تبدو وكأنها مخلوق أسطوري ضل طريقه إلى هذا الشاطئ الصاخب. سقطت فجأة على وجهها بعد أن تعثرت بقدميها الصغيرتين، ليرتطم جسدها اللطيف بالرمال الناعمة بقوة. خيم الصمت للحظة على من حولها، لكنها لم تبكِ ولم تشتكِ. رفعت رأسها ببطء، والرمال تغطي طرف أنفها الصغير المحمر، وبدأت تنظر إلى الرمال بذهول شديد كأنها تتساءل كيف تجرأت الأرض على عرقلتها. فركت أنفها بطريقة تشبه الهامستر الذي ينظف وجهه، ثم التفتت لتنظر إلى قدميها الصغيرتين بعتب طفولي بريء. أشارت بإصبعها نحو أصابع قدميها وتحدثت معها بصوت منخفض مسموع، متهمة إياها بالخيانة وعدم التنسيق مع عقلها. جعل هذا المشهد الغريب والمضحك بعض المارة يبتسمون بلطف لشدة براءتها. نهضت بسرعة ونفضت الرمال عن فستان السباحة السماوي اللطيف الذي ترتديه، والذي يماثل لون عينيها تماماً. بدأت تجري مجدداً، لكن مشيتها كانت غريبة ومضحكة للغاية، حيث كانت تتأرجح يميناً ويساراً كالبطريق الصغير. تقفز بضع قفزات كالأرنب، ثم تعود لتجري ككتكوت صغير فقد أمه، لتتعثر مجدداً وتسقط بعد عشر خطوات بالضبط. قفزت بضع خطوات إضافية لتصل أخيراً إلى شقيقها الأكبر رايان وشقيقتها الكبرى ميلا اللذين كانا يراقبانها بقلة حيلة وصبر نافد. يمتلك رايان جسداً رياضياً ممتلئاً بالعضلات وشعراً بنياً، بينما تتمتع ميلا بملامح هادئة وناضجة. يمثل الاثنان درع الحماية لهذه الكتلة المتحركة من البراءة والجنون الطفولي. تنهد شقيقها رايان ومسح على وجهه بيده، متسائلاً بصوت مسموع كيف يمكن لشخص في الثانية والعشرين من عمره أن يمتلك هذا الكم الهائل من عدم التوازن الجسدي. ضحكت ميلا بخفة وطبطبت على كتف شقيقتها الصغرى آريا، معبرة عن اعتيادها الكامل على هذه السقطات المتكررة التي تشكل روتين حياة آريا اليومي. دخلت المياه اللطيفة بخطوات حذرة، وصيحات الفرح الطفولية تنطلق من حنجرتها مع كل موجة صغيرة تلامس قدميها. بدأت تضرب الماء بيديها الصغيرتين بحماس شديد، غير مبالية بنظرات الناس من حولها. كانت تبدو في قمة سعادتها، كأنها امتلكت الكون بأسره بمجرد لمس مياه البحر الباردة. غمرتها موجة متوسطة الحجم فجأة، لتختفي آريا تماماً تحت الماء لثوانٍ معدودة. ارتعب رايان وتحرك بسرعة لإنقاذها، لكنها كانت قد ظهرت بالفعل وهي تسعل بشدة وتلوح بيديها في الهواء كطير مبلل. سحبت كمية كبيرة من الماء المالح داخل جوفها، وبدت ملامحها متفاجئة ومصدومة مما حدث لها. سحبها شقيقها من يدها إلى الشاطئ لتجلس على الرمال الرطبة وهي لا تزال تسعل وتتنفس بصعوبة. ركعت ميلا بجانبها وبدأت تربت على ظهرها برفق، متسائلة بقلق إن كانت بخير أو إن كانت قد أصيبت بأذى. نظرت آريا إليهما بعيون دامعة محمرة من أثر الملح، لكن علامات الغضب لم تكن موجودة على وجهها بل حلت محلها ملامح تفكير عميق. نظرت إليهما بجدية بالغة، ثم رفعت يدها لتشير إلى قطعة صغيرة من الطحالب الخضراء التي علقت بكتفها الصغير. تحدثت بنبرة واثقة قائلة إنها شربت ماءً مالحاً جداً يحتوي على طحالب بحرية، وتساءلت ببراءة إن كان هذا يعني أنها تناولت حساءً بحرياً مجانياً ولذيداً دون أن تدفع ثمنه في المطعم. ضحكت شقيقتها ميلا بصخب حتى دمعت عيناها من شدة الكوميديا التي تطرحها شقيقتها الصغرى في أكثر المواقف حرجاً. ضرب رايان جبهته بكف يده بقلة حيلة، متسائلاً كيف يمكن لعقل بشري أن يربط بين الغرق وشرب ماء البحر الملوث وبين الحصول على حساء بحري مجاني. كانت آريا جادة تماماً في تساؤلها، وتنتظر الإجابة بشغف. راقب كايل هذا المشهد بالكامل من مكانه المرتفع، ولم تفارق عيناه الحمراوان تلك الفتاة ذات الشعر الأبيض منذ اللحظة الأولى التي تعثرت فيها. شعر برغبة غريبة في الضحك، وهو أمر لم يفعله منذ سنوات طوال، لكنه كتم ملامحه خلف قناعه البارد المعتاد. أثار تساؤلها الطفولي عن الحساء البحري اشمئزازه كصاحب وسواس نظافة، وفي نفس الوقت أثار فضوله الشديد لمعرفة سر هذه الكائن اللطيف. --- قررت الفتاة فجأة النهوض مجدداً بعد أن استعادت نشاطها بالكامل، متجاهلة تحذيرات شقيقها بالبقاء هادئة. بدأت تجري وتتنقل على الرمال الرطبة، لكن هذه المرة كانت خطواتها أسرع وغير متزنة بالمرة بسبب تبلل قدميها بالماء اللزج والرمال الناعمة. كانت تندفع ككتلة بيضاء صغيرة لا يمكن السيطرة على مسارها. اندفعت نحو منطقة الخيام الخاصة، متجاوزة الحدود الوهمية التي تفصل المصطافين العاديين عن منطقة كبار الشخصيات. لم تنتبه للعلامات التحذيرية ولا للحراس الذين بدأوا بالتحرك لإيقافها. تعثرت قدمها اللطيفة بحبل إحدى المظلات القريبة، لتفقد توازنها بالكامل وتتحول إلى قذيفة بشرية متجهة نحو مكان محدد. حاول الحراس التدخل لإمساكها، لكن حركتها العشوائية وسقوطها المتكرر جعلهم يخطئون تقدير مسارها لتمر من بينهم كالأرنب البري. كانت تتجه بسرعة جنونية مباشرة نحو المظلة الخاصة بزعيم المافيا، كايل، الذي كان يجلس مسترخياً يتابع المشهد ببرود قبل أن يدرك أنها تتجه إليه هو شخصياً. طارت في الهواء لثوانٍ معدودة، وجسدها الصغير المبلل يرتفع عن الأرض بفعل قوة الدفع. اتسعت عيناها الزرقاوان بذهول وخوف طفولي وهي ترى الرجل ذو العيون الحمراء يقبع أمامها مباشرة. حاولت التشبث بالهواء بأصابعها الصغيرة، لكن الجاذبية كانت أسرع منها بكثير. استقرت مباشرة فوق جسد كايل، لتهبط بكامل ثقلها المبلل والمليء بالرمال والطحالب البحرية في حضنه الدافئ وعلى قميصه الأسود الفاخر المعقم. ساد صمت رهيب وقاتل في أرجاء الشاطئ بأسره، وتيبست حركة الحراس تماماً وهم ينظرون برعب إلى زعيمهم الذي لا يسمح لأحد بلمسه، وهو الآن مغطى بالكامل بالماء المالح، الرمال، وقطع الطحالب البحرية اللزجة.

End of Chapter 1

Previous
Next Chapter