Chapter 4 of 6

Chapter 4: غضب الأجنحة السماوية

974 words

تغلغلت خيوط السواد الباردة داخل الجناح الإمبراطوري الفخم، ناشرة رعباً صامتاً يحبس الأنفاس في الصدور ويجمد الدماء في العروق. اضطرب الهواء الدافئ فجأة، وتحول إلى صقيع يلسع البشرة العارية بعنف، تاركاً وراءه رائحة أوزون خانقة تدل على سحر أسود خبيث. انقبض فك قيصر القوي، وبرز عرق نابض عند صدغه الأيمن وهو يشعر بانتهاك حرمة جناحه الخاص الذي لم يجرؤ أحد على تدنيسه من قبل. تلوى الكيان المظلم في وسط الغرفة كأفعى سوداء عملاقة تبحث عن فريستها، مصدراً فحيحاً مرعباً يتردد صداه بين الجدران الرخامية العالية. اهتز الجسد الصغير للسنجاب الأبيض ذي العيون الزرقاء الصافية، لكن هذا الاهتزاز لم يكن نابعاً من الخوف بل من غضب عارم بدأ يشتعل في أعماق روحها. عرفت آريا فوراً هوية هذا الكيان السحري المظلم، وتعرفت على البصمة الروحية الفريدة التي تميز طاقة صانعه الخبيث. تذكرت هذا السحر البغيض الذي ينتمي إلى الدوق رونالد، المستشار السياسي اللدود للإمبراطور، والذي يسعى بكل قوته للإطاحة بالعرش الإمبراطوري. خطط هذا العجوز الماكر لإرسال هذا المسخ السحري لاختطاف آريا، مستغلاً فرصة وجودها في جناح قيصر لإثارة الفوضى واتهامه بالفشل في حماية ممتلكاته. اشتعلت نيران الغيظ في قلب الفتاة الصغيرة، وشعرت بإهانة بالغة لمحاولة استغلالها كطعم رخيص في هذه المؤامرة السياسية القذرة. تلاشت وداعة السنجاب الصغير تماماً، وحل مكانها كبرياء ملكي عظيم لا يقبل الهوان ولا يرضى بأن يكون مجرد ضحية مستضعفة. فجأة، انبعث نور باهر من جسد السنجاب الصغير، طارداً الظلمة الكثيفة التي كادت تطبق على الغرفة الإمبراطورية وتخنق أنفاس قاطنيها. تراجع قيصر خطوة إلى الوراء، واضعاً ذراعه القوية أمام عينيه ليتقي شدة الضياء المتفجر الذي ملأ كل زاوية من زوايا الجناح. تمدد الجسد الصغير وبدأ يتحول بسرعة مذهلة، كاشفاً عن طاقة سحرية سماوية قديمة ومقدسة لم تشهد القارة مثلها منذ قرون طويلة. ظهرت آريا في هيئتها البشرية الفاتنة ذات الشعر الأبيض الحريري الطويل الذي يتدفق بحرية، وبشرتها الناصعة كالثلج وعيونها السماوية البريئة. برزت من ظهرها هذه المرة أجنحة ملكية عملاقة، ذات ريش أبيض متوهج يشع بنقاء سحري يبدد كل طاقة مظلمة تحاول الاقتراب منها. خفقت الأجنحة بقوة عاصفة، مسببة تياراً هوائياً هائلاً داخل الجناح الإمبراطوري بعثر الستائر الحريرية الفاخرة وحطم الأواني الخزفية الثمينة. صرخت آريا بنبرة ملؤها الغضب والوعيد، نبرة هزت أركان القصر بأكمله وأعلنت عن استيقاظ قوة مرعبة كانت نائمة خلف قناع اللطف. مدت يدها الرقيقة البيضاء نحو الفجوة المظلمة التي كان الكائن السحري الأسود يحاول التسلل منها والهرب بعد فشل مهمته. قبضت أصابعها الناعمة على عنق الكيان الهلامي الأسود، جارة إياه بقوة خارقة لا تتناسب أبداً مع مظهرها الأنثوي الرقيق والفتان. صرخ الكائن المظلم متألماً من ملامسة النور المقدس المنبعث من كفي آريا، والذي بدأ يحرق جسده المصنوع من طاقة سحرية فاسدة. تحطم زجاج النافذة الضخمة إلى آلاف القطع المتناثرة بفعل الضغط السحري الهائل الذي ولدته خفقات أجنحتها البيضاء المتوهجة. اندفعت آريا خارج الغرفة طائرة في كبد السماء، جارة وراءها المسخ الأسود الذي بدا ضئيلاً وعاجزاً أمام هذه القوة الأسطورية الساحقة. تجمعت حشود الجنود والفرسان في الساحة الكبرى أسفل الجناح الإمبراطوري، مستعدين بأسلحتهم لمواجهة أي هجوم خارجي قد يهدد القصر. شهق الجميع في وقت واحد وهم يرفعون رؤوسهم نحو السماء الليلية، غير مصدقين ما تراه أعينهم من مشهد يفوق الخيال والوصف. وقفت الإمبراطورية الأم في شرفتها المقابلة، تراقب بعيون متسعة ابنة صديقتها الراحلة وهي تحلق بكبرياء ملكي مهيب كآلهة الحرب. تملكت الدهشة قلوب الجميع وهم يرون الفتاة ذات الأجنحة البيضاء تخوض معركة سحرية شرسة ضد الكيان المظلم في الهواء الطلق. تبادل الطرفان الضربات السحرية، حيث أطلقت آريا كرات ضوئية متفجرة كانت تمزق جسد المسخ الأسود مع كل ضربة دقيقة توجها إليه. أطلقت آريا العنان لقدراتها الكاملة، متجاهلة رغبتها السابقة في إخفاء حقيقتها، فلم يكن هناك مجال للتراجع بعد أن تم تهديد سلامتها. حاول المسخ الأسود إطلاق مقذوفات من السحر المظلم الفاسد، لكن أجنحة آريا البيضاء شكلت درعاً منيعاً بدد كل هجماته بيسر وسهولة. أيقن الكائن المظلم بفشله الذريع أمام هذه القوة السماوية الساحقة، وقرر التراجع والفرار نحو الغابة الكثيفة المحيطة بأسوار القصر الإمبراطوري. ضحكت آريا بنبرة باردة ومهيبة تركت قشعريرة في نفوس كل من سمعها، ورفعت كفيها نحو السماء السادسة مستعدة لإنهاء هذا العبث. بدأت تترنم بكلمات قديمة بلغة الجنيات الملكية البائدة، لغة لم تسمع على الأرض منذ آلاف السنين وتملك سلطة على الطبيعة. اهتزت الأرض تحت أقدام الحاضرين بعنف غير مسبوق، وتصدعت بعض الجدران الحجرية للحصون الخارجية المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية. شعر الجميع بضغط جوي خانق يكتم الأنفاس ويجبر النبلاء والفرسان على الركوع على ركبهم رغماً عنهم بفعل الهالة السحرية المرعبة. شق زئير مرعب ومدوٍ عنان السماء، متسبباً في تشتيت الغيوم السوداء وكاشفاً عن نجوم الليل التي بدت وكأنها ترتجف خوفاً. ظهر من بين السحاب التنين الأسطوري العظيم "ماثيوس"، الكائن السحري العملاق الذي رقد في سبات عميق لآلاف السنين ولم يجرؤ أحد على إزعاجه. تراجع الفرسان والحراس رعباً وهم يرون التنين الضخم المغطى بحراشف ذهبية وزرقاء صلبة تعكس ضوء القمر بطريقة تخطف الأبصار. هبط ماثيوس بجسده المهيب نحو الساحة، منحنياً برأسه العملاق أمام آريا بكل طاعة وخضوع، معلناً ولاءه المطلق لمليكته السماوية. أشارت آريا بإصبعها الرقيق نحو الكائن الأسود الفار في الأفق، مصدرة أمرها الحاسم والنهائي للتنين الأسطوري بإنهاء وجود هذا الخطر. نفث ماثيوس نيراناً زرقاء مقدسة من فمه الضخم، محاصراً الكائن المظلم في دائرة من الجحيم الطاهر الذي لا يبقي ولا يذر. تلاشى الكائن المظلم كلياً وتحول إلى رماد تذرية الرياح الباردة، دون أن يترك أي أثر لطاقته الخبيثة التي حاولت تدنيس القصر. حلق التنين ماثيوس دورة أخيرة في السماء حول سيدته، ملقياً عليها نظرة احترام عميق قبل أن يختفي مجدداً بين السحب الكثيفة. هبطت آريا ببطء شديد نحو الشرفة المحطمة لجناح قيصر، وأجنحتها البيضاء العظيمة تبدأ بالتلاشي تدريجياً حتى اختفت تماماً خلف ظهرها. غمر الصمت المطبق المكان بأكمله، ولم يجرؤ حارس أو نبيل على النطق بحرف واحد أمام هذه القوة الساحقة والمذهلة التي كشفت عنها الفتاة. تقدم قيصر نحوها بخطوات بطيئة وواثقة، وعيونه الحمراء تشتعل بمزيج حارق من الذهول والغضب العارم والتملك المطلق الذي لا يعرف الرحمة. أمسك بمعصمها الرقيق بقبضته الحديدية، وسحب جسدها الأنثوي الناعم نحو صدره العريض بقوة جعلت أنفاسها المتسارعة تتوقف لشدة المفاجأة. همس في أذنها بصوت منخفض وبارد حرك خصلات شعرها الأبيض الطويل، بينما كانت عيناه الحمراوان تخترقان روحها كخنجرين مصقولين: "من أنتِ حقاً يا صغيرتي، وكيف تجرئين على إخفاء كل هذا السحر عن إمبراطورك؟"

End of Chapter 4