Chapter 2 of 6

الفصل الثاني: الملاك الغامض وغضب الإمبراطور

998 words

ساد الصمت أرجاء العربة الإمبراطورية الفاخرة، صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس الإمبراطور قيصر المتسارعة. تلاشت السنجابة الصغيرة ذات الفراء الأبيض الناعم، وحلّت مكانها فتاة غامضة تنبض بالفتنة والجمال الأسطوري. كانت ترقد هناك، على المقعد المخملي الوثير، غارقة في نوم عميق كأنها ملاك هبط من السماء للتو. ارتجفت الستائر الحريرية بفعل نسمات الليل الباردة، لتكشف عن جسدها النحيل المغطى بملابس راقصة جريئة. نسيج حريري شفاف يلتف حول جسدها، يبرز أكثر مما يخفي، ويضفي عليها جاذبية ساحرة تحبس الأنفاس. بشرتها البيضاء الحليبية كانت مطرزة برموز بيضاء غامضة تتوهج بخفوت، كأنها نقوش سحرية من زمن غابر. بخطوات وئيدة، اقترب قيصر منها، وعيناه الحمراوان اللتان طالما بثتا الرعب في قلوب الملوك تشتعلان الآن ببريق لم يعهده من قبل. تفرس في ملامحها البريئة، وعينيها السماويتين المغلقتين برموش طويلة بيضاء كالثلج. شعرها الأبيض الطويل كان مبعثراً حولها كانسياب فضي دافئ، يتباين بصورة صارخة مع ثوبه الأسود القاتم. تراجع نبضه المضطرب تدريجياً ليحل محله شعور جارف بالرغبة في التملك، رغبة وحشية في إخفاء هذا الجمال الصاعق عن عيون العالم أجمع. تأمل قيصر ملامحها بدقة متناهية، وهو الذي لم تخلب لبه امرأة قط رغم مئات المحظيات في قصره. شعر بفكيه ينقبضان بشدة عندما تذكر أن فرسانه وحرسه يقفون في الخارج، على بعد خطوات قليلة فقط من هذا المشهد. تحركت يدها الصغيرة الناعمة ببطء لتلامس صدره العريض، مغروسة بلطف في قماش ثوبه الملكي المزين بالذهب. أصدرت صوتاً خافتاً، أشبه بنواحٍ رقيق، وهي تتقلب في نومها وتبحث عن الدفء والأمان بجسده الدافئ. تشنج جسد قيصر بأكمله لمسها الرقيق، وارتفع نبضه بقوة بينما راح يتأمل تفاصيل وجهها الصغير البريء. "مولاي الإمبراطور؟ هل حدث مكروه بالداخل؟" تعالى صوت قائد الحرس، كاسيوس، من خلف الباب الخشبي الثقيل للعربة، نبرته تحمل مزيجاً من الفضول غير اللائق. تلتها حركة خفيفة ليد القائد وهي تحاول دفع الباب بلطف للاطمئنان على سيده واستكشاف ما يجري بالداخل. انقبض فك قيصر بقوة أحدثت صريراً خافتاً بين أسنانه، وبرز عرق غليظ عند صدغه الأيمن وهو يلتفت نحو الباب. تحولت عيناه الحمراوان إلى جمرتين متقدتين من الغضب الخالص، وشعر بقبضته تشتد حتى ابيضت مفاصل أصابعه. كيف يجرؤ هذا الفاني على محاولة النظر إلى ما أصبح ملكاً خاصاً للإمبراطور القاسي؟ برز الغضب في صوته الذي انخفض إلى نبرة حادة وباردة كشفرة السيف: "تراجع، كاسيوس، قبل أن أجعل من رأسك عبرة لمن لا يعتبر." خارج العربة، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الشديد، حيث تجمد الفرسان في أماكنهم عند سماع نبرة الإمبراطور الغاضبة. كان كاسيوس يقف بصلابة، لكن قلبه كان يخفق بعنف خلف درعه الفولاذي الثقيل بعد أن أدرك خطأه. عندما فُتح الباب وظهر قيصر بجسده العملاق، تراجع القائد خطوة إلى الوراء وشحب وجهه من فرط الرعب الفظيع. لم يكن قيصر مجرد حاكم عادي، بل كان تجسيداً للموت الحتمي بالنسبة لأعدائه ولمن يعصي أوامره الصارمة. سحب قيصر الباب بقوة مفاجئة كادت تقتلعه من مفصلاته، ليقف بجسده الضخم والمهيب ساداً الفتحة بالكامل. ارتعد القائد كاسيوس، وحاول تبرير موقفه بصوت متلعثم: "عذراً يا صاحب الجلالة... كنت فقط... أردت التأكد من سلامتكم..." "أنت مطرود من الخدمة ومن رتبتك العسكرية." قاطعه قيصر ببرود قاتل، وعيناه لا ترمشان وهي تثبتان نظراتهما في عيني القائد المرتعد كأنه يقرأ روحه. تابع بنبرة حاسمة لم تترك مجالاً للنقاش: "جردوه من رتبه، واطردوه من حدود القصر الإمبراطوري فوراً، وإن رأيت وجهك مجدداً فستقتل." تراجع الجنود الآخرون في صمت مطبق، ورؤوسهم منحنية نحو الأرض، يرتجفون من شدة الخوف والوجل والمهابة الكبرى. سارعوا إلى تنفيذ الأمر دون نبسة واحدة، حيث تم سحب كاسيوس الذي تهاوت كبرياؤه ونفوذه في لحظات معدودة. استدار قيصر وعاد إلى الفتاة النائمة التي لم تشعر بكل هذه الجلبة، وظلت تتنفس ببطء وعمق غريبين. انحنى بلطف لم يعهده جسده الضخم والمملوء بالعضلات القوية والندوب الناتجة عن المعارك الشرسة الطاحنة. نعومة فائقة تلك التي شعر بها عندما امتدت يده الكبيرة لترفع معطفه الإمبراطوري الثقيل المصنوع من الفراء الأسود. دثرها بمعطفه بعناية فائقة، لافاً إياها بالكامل حتى لم يعد يظهر منها سوى وجهها الملائكي وشعرها الأبيض. حرص على أن يغطي الحرير الشفاف والملابس الجريئة التي كانت ترتديها، حامياً إياها من أي نظرات متطفلة خبيثة. عندما رفعها بين ذراعيه، شعر بمدى خفتها وصغر حجمها مقارنة بجسده العملاق المهيب كأنه يحمل ريشة ناعمة. مشى بخطوات عريضة وواثقة خارج العربة، حاملاً كنزاً غامضاً بين يديه وسط ذهول وخشية جميع الجنود الحاضرين. ارتجف جسد الفتاة الصغير بين ذراعيه، وكأنها طفل رضيع يحاول الاحتماء من عواصف العالم الخارجي القاسي بالدفء. تطايرت خصلات شعرها الأبيض الفضي مع كل نسمة هواء ليفوح منه عبير غامض يمزج بين الياسمين والمطر الدافئ. --- تحرك الموكب الإمبراطوري ببطء عبر البوابات الحديدية الضخمة للقصر، حيث كانت الأضواء الساطعة تنعكس على الجدران الرخامية. وقفت جموع من الخدم والنبلاء في صمت مطبق، وعيونهم متسعة من المفاجأة والصدمة لرؤية المشهد غير المتوقع. امتلأت الساحة الملكية بوجود المحظيات اللاتي تجمّعن لاستقبال سيدهن، مرتديات أبهى حلهن ومزينات بأفخر الجواهر اللامعة. كنّ يطمعن في لفتة رضا واحدة من عينيه الحمراوين، لكن ملامحهن تبدلت في لحظة واحدة إلى وجوم شديد. تعالت الهمسات الخافتة كفحيح الأفاعي بين الصفوف المتراصة من النساء اللاتي تملكهن الغيظ والحسد والغيرة القاتلة. نظرات حارقة أطلقتها المحظية المفضلة السابقة، ليدي إيزابيلا، وهي ترى الإمبراطور يمر بجانبها دون أن يعيرها أي اهتمام. كانت يداها المزينتان بالخواتم الذهبية ترتجفان غضباً، وأظافرها تنغرس في راحة يدها حتى كادت تدمي جلدها الناعم. في الجهة المقابلة من الساحة الرخامية، كانت إيزابيلا تشعر بمرارة تفوق أي مرارة ذاقتها في حياتها داخل هذا القصر. كانت قد قضت سنوات طويلة تبني نفوذها، لتأتي هذه الفتاة الغامضة وتسلب منها مكانتها في طرفة عين وبلا جهد. نظرت إيزابيلا إلى ملابس الفتاة الشفافة التي تكشفت جزئياً بفعل الرياح، والحرير الشفاف الذي يلتف حول جسدها الفاتن. برزت الزوجة الأولى والإمبراطورة الأم من الشرفة المطلة على الساحة، وارتسمت على وجهها أمارات القلق والوجوم الشديدين. هبت نسمة هواء باردة ومفاجئة، تلاعبت بأطراف المعطف الأسود الثقيل الذي يغطي آريا النائمة بوقار ملائكي غريب. انزاح الفراء قليلاً ليكشف عن جزء من عنقها وكتفها الأبيض الناصع، حيث كانت الرموز البيضاء تلمع كالنور الساطع. تجمدت الدماء في عروق الحاضرين عندما انفتحت عيناها السماويتان الصافيتان ببطء شديد، لتنظر ببراءة تامة نحو الوجوه المذهولة. خطا كبير الكهنة خطوات مرتجفة للأمام، ممسكاً بقلادته الذهبية القديمة، وعيناه متسعتان من فرط الرعب والهلع التاريخي. أشار بإصبع ترتجف نحو الرموز البراقة على بشرتها، وصرخ بصوت متهدج تردد صداه في أرجاء الساحة الصامتة: "جلالة الإمبراطور... إن هذه الفتاة ليست بشرية على الإطلاق... إنها تحمل علامات الوحش الملعون المذكور في نبوءة الفناء القديمة!"

End of Chapter 2