Chapter 1 of 6
الفصل الأول: هبة الغابة الملعونة
1.2k words
تحت حوافر الجياد الثقيلة، كانت جذوع الأشجار القديمة تهتز بعنف صامت، كأن الغابة الملعونة ترتعد خوفًا من تقدم الموكب الإمبراطوري المهيب الذي لا يرحم.
ساد الصمت المطبق بين صفوف الفرسان النخبة، ولم يكن يُسمع سوى قعقعة الدروع الحديدية الثقيلة وأنفاس الخيل المتعبة في هذا الجو البارد المليء بالضباب الكثيف.
يمتطي الطاغية سيزار حصانه الأسود العملاق، متقدمًا الجميع كأنه إله الموت نفسه، بعينيه الحمراوان اللامعتين كالجمر المشتعل في عتمة الغابة الموحشة.
خلفه مباشرة، كان الحراس الشخصيون يسيرون بخطى متناسقة وحذرة، تملأ قلوبهم رهبة شديدة من هذا الحاكم الذي لا يعرف معنى الرحمة أو الشفقة.
فجأة، تعثرت خطى أحد الفرسان في مؤخرة الموكب بسبب غصن شجرة ملتف على الأرض الطينية، مما تسبب في جلبة خفيفة كسرت هدوء المكان.
أصوات صرير خفيف، أشبه بأنين يائس لحيوان جريح، انبعثت من شجيرة قريبة كثيفة الأوراق، لتجذب انتباه الفرسان الذين كانوا يحاولون استعادة توازن الموكب.
لمح أحد الفرسان حركة مريبة تحت كومة من الأوراق الجافة، واعتقد للوهلة الأولى أنه وحش سحري متسلل أو جاسوس أرسله الأعداء لاغتيال الإمبراطور.
بسرعة متناهية وقسوة مفرطة، تقدم الفارس ورفع جزمتها الحديدية الثقيلة، مستعدًا لسحق ذلك الكائن الصغير تحت وطأة وزنه دون أي تردد.
توقفت حركته تمامًا في الهواء، كأن الزمن قد شُل بغتة، عندما التقت نظرته بنظرة الإمبراطور التي استدارت نحوه ببطء شديد وقاتل.
تجمد الفارس في مكانه كأنه تمثال من الجليد الصلب، وشعر ببرودة الموت تسري في عروقه بينما كانت تلك العيون الحمراء تركز عليه بوعيد صامت.
نظرة واحدة من سيزار كانت كافية لشل حركة أعتى المحاربين، فكيف بفارس عادي تجرأ على إثارة الفوضى وإصدار جلبة في حضرته المهيبة.
شحب وجه الفارس حتى صار بلون الرماد، وتصبب عرقه باردًا رغم الصقيع الشديد الذي يلف المكان، مدركًا أنه قد يلقى حتفه في أي لحظة.
ترجل سيزار من على صهوة جواده بحركة رشيقة ومهيبة جعلت جميع الفرسان يحبسون أنفاسهم، مترقبين العقاب القاسي الذي سينزله بالفارس المذنب.
بخطوات واثقة وثقيلة جعلت الأرض ترتج تحت حذائه الفاخر، تجنب الإمبراطور الفارس تمامًا واقترب من الشجيرة التي كانت تخبئ ذلك الصوت الضعيف.
انحنى بجسده الضخم والقوي، الذي فاحت منه رائحة الحرب والحديد، وأبعد الأغصان الشائكة بيده العارية دون أن يكترث بالخدوش الطفيفة التي أصابت جلده القوي.
هناك، وسط الطين وأوراق الشجر المتساقطة، كان يرقد مخلوق صغير للغاية، حجمه لا يتعدى حجم أصغر ثمرة فاكهة قد تراها العين.
كانت سنجابة صغيرة ذات فرو أبيض ناصع كالثلج، مزين بنقوش فضية غامضة وساحرة تلمع ببريق خافت يعكس ضوء النهار الضعيف المتسلل عبر الأشجار.
رفعت رأسها الصغير ببطء شديد، ونظرت مباشرة إلى عيني الإمبراطور القاسي، دون أن تبدي أي رغبة في الهروب أو تظهر علامات الذعر المعتادة.
عيناها الزرقاوان الصافيتان، بلون السماء في أشد أيام الربيع ناصعة، حملتا براءة غامرة واسترخاء غير مألوف بالمرة لم يسبق لسيزار أن رآه في حياته.
مد سيزار كفه الكبيرة ذات الندوب الناتجة عن المعارك العنيفة، وقربها من السنجابة الصغيرة المرتجفة بتردد طفيف للغاية لم يلحظه أحد غيره.
بكل هدوء ودون أدنى خوف، خطت السنجابة الصغيرة بقدميها القصيرتين نحو الكف العريضة والثابتة، كأنها وجدت ملجأها الآمن والمنتظر منذ زمن طويل.
استقرت في وسط كفه الواسعة، ثم جلست على مؤخرتها ورفعت ذيلها الأبيض الكثيف، ناظرة إليه بفضول طفولي أذاب جليد قلبه القاسي في ثوانٍ معدودة.
شعر سيزار بلمسة دافئة تسري في يده، وتعجب بشدة من حجمها الذي بدا أصغر من أي سنجاب رآه في حياته، بل كانت أصغر من راحة يده نفسها.
شكلها الفريد واللطيف أثار فضوله بشكل لم يحدث من قبل، فقرر في تلك اللحظة أن هذا الكائن الصغير لا يجب أن يمسه أي سوء من فرسانه.
التفت الإمبراطور نحو فرسانه الذين كانوا يراقبون الموقف بأعين متسعة من الصدمة، غير مصدقين أن حاكمهم القاسي يظهر اللين تجاه حيوان صغير.
ابتلع الفارس الذي كان على وشك ركلها ريقه بصعوبة، وانحنى بجسده حتى كاد يلمس الأرض، طالبًا العفو الصامت والرحمة من سيده المرعب.
أصدر سيزار أمره بصوت عميق ومنخفض تردد صداه في أرجاء الغابة كزئير أسد هادئ: "تراجعوا، هذا الكائن الصغير ملك لي من الآن فصاعدًا".
تحرك الموكب مجددًا ببطء، لكن هذه المرة كان الإمبراطور يحمل في كفه السنجابة البيضاء اللطيفة، التي استسلمت للنوم بسلام مستندة إلى إبهامه الضخم.
داخل العربة الإمبراطورية الفاخرة، التي تليق بملك الملوك وتفوح منها رائحة خشب الصندل الثمين، كانت الأجواء دافئة ومريحة للغاية بعيدًا عن صقيع الخارج.
وضع سيزار السنجابة الصغيرة بلطف شديد على وسادة مخملية حمراء مطرزة بخيوط الذهب، وجلس على مقعده المقابل لها يراقبها بتركيز غريب وغير معتاد.
تمددت الصغيرة على الوسادة بكل راحة واسترخاء، كأنها في قصرها الخاص وليست بين يدي أكثر أباطرة العالم قسوة وبطشًا ومهابة.
راقبها سيزار بصمت مطبق، وعيناه الحمراوان لا تفارقان جسدها الصغير، متسائلاً في نفسه عن السر الذي يكمن وراء هذا المخلوق العجيب والجميل.
لم يكن هذا الإمبراطور البارد، الذي يمتلك من المحظيات الحسان بعدد شعر رأسه في قصره الشاسع، يلتفت لأي جمال، لكن هذه السنجابة سرقت انتباهه تمامًا.
أحضر أحد الخدم طبقًا فضيًا صغيرًا يحتوي على بعض الفواكه الطازجة والمكسرات المقشرة بعناية، ووضعه بتوتر شديد وخوف بجانب الوسادة المخملية الحمراء.
بأطراف أصابعه الضخمة، دفع سيزار حبة توت بري حمراء ناضجة نحو السنجابة، ليرى كيف ستتصرف هذه الصغيرة مع طعامها الجديد والمغري.
تناولت السنجابة الحبة بيديها الصغيرتين وفتحت عينيها الزرقاوين ببطء، ثم بدأت تقضم التوت بشهية ولطافة لا توصف، محركة ذيلها الأبيض بسعادة غامرة.
ارتسمت على شفتي الإمبراطور الباردتين شبه ابتسامة خفيفة، وهي علامة نادرة للغاية لو رآها وزراؤه لظنوا أن معجزة كبرى قد حدثت في الإمبراطورية.
مرت الساعات سريعة وثقيلة، وبدأ النهار يلملم أطرافه الذهبية ليفسح المجال لظلام الليل الحالك، وبدأت العربة تقترب من أسوار العاصمة الشاهقة.
بدأت السنجابة الصغيرة تصدر أصواتًا ضعيفة ومكتومة، وراحت تتقلب على الوسادة بحركة مضطربة كأنها تعاني من ألم مفاجئ أو حمى شديدة اجتاحت جسدها.
تغير الهواء داخل العربة الفاخرة فجأة، وأصبح ثقيلاً ودافئًا بشكل غير معتاد، مما جعل سيزار ينهض من مقعده ويقترب منها بعينين متسعتين من القلق.
أحس سيزار بحرارة غريبة تنبعث من جسد المخلوق الصغير، وبدأت تلك النقوش الفضية على فروها الأبيض تلمع ببريق ذهبي وهاج غطى أركان العربة بالكامل.
توسعت عينا الإمبراطور بدهشة عارمة وهو يرى جسد السنجابة الصغيرة يبدأ في التمدد والتغير أمام ناظريه، بطريقة سحرية لا تصدق وتتحدى العقل البشري.
تلاشت معالم الفرو الأبيض الناعم تدريجيًا، ليحل محلها بشرة بيضاء نقية كالحليب الصافي، ورموز بيضاء غريبة وساحرة منقوشة بدقة على جسدها الفاتن.
نما شعر أبيض حريري طويل يتدفق على الوسادة المخملية كخيوط متدفقة من الفضة السائلة، ليتطاير بلطف بفعل الطاقة السحرية الكثيفة المنبعثة من جسدها المتحول.
انتشر الضوء الساطع ليملأ أركان العربة، كاشفًا عن فتاة غاية في الجمال والأنوثة، ترتدي ملابس جريئة وشفافة مصنوعة من الحرير الناعم الذي يبرز مفاتنها.
كانت ملابسها تشبه أزياء الراقصات المثيرات، محاطة بتغطية حريرية تزيدها جاذبية وغموضًا بشفافيتها الرائعة التي تكشف وتخفي بشرتها البيضاء الناصعة.
استلقت الفتاة الشابة على الوسادة، وفتحت عينيها السماويتين الصافيتين والبريئتين، لتنظر مباشرة إلى الإمبراطور المذهول بملامح طفولية ناعمة وجذابة للغاية.
تجمدت الكلمات في حلق سيزار، واشتبكت دقات قلبه بعنف وهو ينظر إلى هذا الجمال الأسطوري والملامح البريئة التي ظهرت فجأة من جوف سنجابته الصغيرة المدللة.
حاولت الفتاة التحرك أو النطق بكلمات غير مفهومة، لكنها أطلقت تنهيدة ضعيفة، بينما التف الحرير الأبيض حول جسدها بطريقة جعلت أنفاس الإمبراطور تتسارع بغضب ورغبة.
مد سيزار يده المرتجفة للمرة الأولى في حياته، واقترب من وجهها الأبيض الناصع، متسائلاً إن كان ما يراه حقيقة أم مجرد وهم من أوهام السحر الأسود الملعون.
همست الفتاة بصوت عذب وناعم كالموسيقى، محاولة النطق بكلمات غير مفهومة، قبل أن تمسك بيده الضخمة وتضعها على وجنتها الدافئة بضعف بريء وأمل كبير.
في تلك اللحظة بالذات، توقفت العربة الإمبراطورية فجأة أمام بوابات القصر الشاهقة، ليرتفع صوت قائد الحرس معلنًا وصول الإمبراطور إلى مقر حكمه المهيب.
انفتح باب العربة ببطء، ليدخل ضوء الفوانيس الخارجية ويكشف الستار عن السر الذي تخفيه العربة، وسط ترقب الفرسان والحراس الواقفين بالخارج بفضول كبير.
نظر سيزار إلى الباب المفتوح، ثم إلى الفتاة العارية تقريبًا والمستلقية في عربته، ليرد ببرود قاتل على قائد الحرس الذي كان على وشك النظر إلى الداخل.