Chapter 3 of 4
اول حوار
1.0k words
بقيا هكذا لثوانٍ.
ادريان يقف فوق النمر الساقط، والكاتانا في غمدها، وعيناه على الفتاة التي تقف أمامه بسيفها ممسوكاً بكلتا يديها. لم تكن في وضع هجوم، لكنها لم تكن في وضع ارتياح أيضاً. كانت تنظر إليه بتلك العيون الزرقاء الواسعة بطريقة يعرفها ادريان جيداً، طريقة من يحاول أن يقرر في أقل من ثانية إذا كان الشخص أمامه خطراً أم لا.
قال لها بهدوء وبصوت منخفض، محاولاً أن تسمع فيه نبرة الطمأنينة حتى لو لم تفهم الكلمات:
— لن أؤذيكِ.
لم تتحرك.
رفع ادريان يديه ببطء شديد، راحتاه مفتوحتان نحوها، إشارة واضحة لا تحتاج ترجمة. ابتعد خطوة صغيرة إلى الخلف، بعيداً عن جثة النمر، ثم أنزل يديه ببطء نفسه.
مرت ثانيتان.
أعادت الفتاة سيفها إلى غمده.
أخرج ادريان نفساً طويلاً لم يدرك أنه كان يحبسه. نظر إلى الفتاة بتمعن للمرة الأولى منذ سقط النمر. كانت في عمر التاسعة عشرة أو ما حولها، قصيرة القامة نسبياً مقارنة به، لكن في وقفتها شيء يجعلها تبدو أكبر من حجمها. شعرها الأسود اللامع يسقط حتى كتفيها، وعيناها الزرقاوان تحملان تعبيراً غريباً مزيجاً من الحذر والفضول في وقت واحد.
ملابسها كانت ملابس سفر لا ملابس قتال، عباءة سوداء ثقيلة فوق قميص داكن وسراويل جلدية، وعلى ظهرها حقيبة صغيرة مربوطة بإحكام. واضح أنها كانت في طريقها إلى مكان ما.
أشارت إلى نفسها مرة أخرى وكررت:
— لانا.
ثم أشارت إليه بسؤال واضح في عينيها.
— ادريان، — قال مرة أخرى، ثم أشار إلى الأرض من حوله وفتح يديه بتساؤل واضح، كأنه يسأل: أين أنا؟
فهمت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، أول ابتسامة يراها منها، وقالت كلمة واحدة بوضوح:
— سيران.
كررها ادريان بنطق أبطأ:
— سيران.
أومأت.
جلست لانا على جذع شجرة ضخم بجانبها وأخرجت من حقيبتها قطعة قماش صغيرة وبدأت تمسح نصل سيفها بحركات هادئة ومنتظمة، كأنها قررت أنها ستبقى هنا للحظة. نظرت إليه وأشارت بيدها إلى الجذع المقابل.
جلس ادريان.
كانت الغابة من حولهما تستعيد إيقاعها ببطء بعد الضجة، أصوات الطيور عادت واحداً واحداً، وحفيف الأوراق الأرجوانية فوقهما عاد إلى تلك الحركة البطيئة الغريبة التي لاحظها ادريان منذ البداية.
نظرت لانا إلى الكاتانا في غمدها على ظهر ادريان ثم إليه، وقالت جملة كاملة لا يفهم منها شيئاً. لكن إصبعها كان يشير إلى السيف بوضوح.
— الكاتانا، — قال ادريان، وسل السيف ببطء وأمسكه بيده ومده نحوها بحيث ترى النصل كاملاً دون أن تلمسه.
اتسعت عيناها.
مدت يدها ببطء شديد وأمسكت حافة النصل بأطراف أصابعها بحذر، كأنها تتحقق من أنه حقيقي. ثم نظرت إليه ونطقت الكلمة التي قالها:
— كاتانا؟
— نعم، — قال ادريان، ثم أدرك أنها لن تفهم هذه الكلمة أيضاً فأومأ بدلاً منها.
أعادت يدها. بقيت تنظر إلى السيف بتعبير لم يستطع ادريان قراءته بالكامل، شيء بين الدهشة وشيء آخر أعمق، كأن هذا السيف يذكرها بشيء ما أو يخبرها بشيء ما.
ثم رفعت عينيها إليه وقالت جملة واحدة بنبرة مختلفة، أهدأ وأكثر جدية. لم يفهم كلماتها لكنه فهم نبرتها. كانت تسأله سؤالاً مهماً.
أشار ادريان إلى السماء فوقهما، ثم إلى الأرض تحتهما، ثم فتح يديه بتساؤل واضح.
نظرت إليه لحظة ثم فهمت قصده.
أشارت هي أيضاً إلى السماء فوقهما، ثم قالت كلمة ببطء:
— سيليون.
— سيليون، — كررها ادريان.
أومأت.
نظر ادريان إلى الأعلى حيث الأشجار العملاقة تخفي السماء، ثم إلى يديه، ثم إلى الغابة الممتدة من حوله في كل اتجاه. سيليون. هذا المكان اسمه سيليون.
إذن لم يكن على الأرض.
كان يعرف هذا بالطبع منذ اللحظة الأولى، لكن سماع اسم هذا المكان من فم شخص حقيقي جعل الأمر أكثر واقعية بطريقة غريبة. جعله أثقل.
قاطعت لانا تفكيره بصوتها. كانت تقول شيئاً وتشير إلى الاتجاه الذي جاءت منه، ثم تشير إليه، ثم إلى نفسها، ثم إلى ذلك الاتجاه مرة أخرى.
فهم ادريان المعنى العام. كانت تعرض عليه أن يذهب معها.
نظر إلى الغابة من حوله. لم يكن لديه أي خيار آخر في الواقع، فالغابة تمتد إلى ما لا نهاية في كل اتجاه، ولا يعرف أين يذهب ولا من يسأل ولا حتى كيف يسأل. هذه الفتاة هي الشيء الوحيد المفهوم في هذا المكان.
أومأ.
وقفت لانا وأعادت تحزيم حقيبتها على ظهرها ثم نظرت إليه بتعبير جدي وقالت كلمة واحدة بنبرة تحمل معنى واضحاً حتى بدون ترجمة:
— تعال.
وانطلقت بين الأشجار.
تبعها ادريان.
مشيا في صمت لبعض الوقت. كانت لانا تعرف الغابة جيداً، تتجنب بعض الأشجار وتمر قرب أخرى، تنحني تحت أغصان منخفضة وتتجاوز جذوراً ضخمة بارزة من الأرض بخطوات مألوفة. ادريان يتبعها ويراقب كل شيء في نفس الوقت، الأشجار، الأرض، الظلال، الأصوات.
في لحظة ما توقفت لانا فجأة.
أمسكت ادريان بذراعه وأشارت إلى الأمام بإصبع واحد.
على بعد عشرين متراً بين الأشجار كانت تتحرك ظلال ثلاثة حيوانات، أصغر من النمر الذي قتله ادريان لكن ليست صغيرة. مشت ببطء من اليسار إلى اليمين دون أن تلاحظهما، واختفت في الظلام الأخضر.
أخرجت لانا نفساً خفيفاً وتحركت مرة أخرى لكن بخطوات أهدأ هذه المرة.
بعد دقائق همست له بشيء وأشارت إلى الأشجار من حولهما. كانت قد تغيرت قليلاً، أصبحت أقل كثافة، وبدأ بعض الضوء الحقيقي يتسرب من فوق بشكل أوضح. كانت الغابة تنتهي.
ثم سمع ادريان صوتاً جديداً.
صوت بشري.
أصوات متعددة في الواقع، بعيدة لكن واضحة، وصوت ما يشبه حوافر خيول على أرض صلبة.
نظر إلى لانا فرأى في وجهها شيئاً تغير. شيء بين الارتياح والحذر في نفس الوقت. تحركت بخطوات أسرع نحو حافة الغابة، وعندما وصلا إلى آخر الأشجار توقفت وأشارت إلى الأمام.
وقف ادريان بجانبها ونظر إلى الخارج للمرة الأولى منذ سقط في هذا العالم.
كان ما رآه يختلف عن كل ما توقعه.
امتدت أمامه أرض واسعة مغطاة بثلج أبيض نظيف، وفي المسافة المتوسطة كانت تقف أسوار حجرية ضخمة وعالية، رمادية اللون مع برودة معدنية تعكس ضوء سماء شاحبة. كانت الأسوار تلتف حول شيء أكبر بكثير خلفها، برج يظهر فوقها وبرج آخر وسقوف مبانٍ عديدة. وخلف كل هذا كانت تقف سلسلة جبال شاهقة جبالها مغطاة بثلج كثيف حتى القمم، قمم تختفي في الغيوم الرمادية الثقيلة.
كان المشهد كله يشبه شيئاً من الحلم. أو من كتاب لم يقرأه أحد.
أشارت لانا إلى الأسوار وقالت بوضوح:
— كورونا.
نظر ادريان إلى المدينة البعيدة، ثم إلى الجبال خلفها، ثم إلى السماء الرمادية فوقها. كان الثلج يبدأ يتساقط مرة أخرى، رقائق بيضاء صغيرة تسقط ببطء على الأرض الصامتة.
لم يكن يعرف ما الذي ينتظره خلف تلك الأسوار. لم يكن يعرف كيف سيشرح نفسه لمن سيقابله. لم يكن يعرف شيئاً عن هذا العالم أو كيف سيعود من حيث أتى.
لكنه كان يعرف شيئاً واحداً.
لم يكن لديه خيار آخر.
تحرك إلى الأمام.