لم يكن السقوط مؤلماً.
كان مربكاً.
شعر ادريان كأن جسده تفكك إلى ذرات صغيرة في لحظة واحدة، ثم أعيد تجميعه في لحظة أخرى، وبين اللحظتين لم يكن هناك شيء. لا ظلام ولا نور، لا صوت ولا صمت، لا بارد ولا دافئ. كأنه توقف عن الوجود للحظة قصيرة جداً لا يستطيع قياسها.
ثم كان الأرض.
ضربته من الأسفل بعنف غير متوقع، كتفه الأيسر اصطدم أولاً بسطح طري ومبلل، ثم جسده كله تدحرج مرتين قبل أن يتوقف. بقي ثانيتين على ظهره لا يتحرك، عيناه مفتوحتان، يحاول أن يعيد الهواء إلى رئتيه.
فوقه كانت أشجار.
لكن ليست أشجاراً عادية.
كانت ضخمة بطريقة لا يجد لها ادريان كلمة مناسبة في أي لغة يعرفها. جذوعها أوسع من سيارات، قشرتها رمادية داكنة مع خطوط ذهبية رفيعة تسري فيها كالأوردة، وأغصانها تمتد في كل اتجاه فوق رأسه كأقواس كاتدرائية يبنيها عمالقة. أوراقها بعضها أخضر عادي وبعضها أرجواني اللون، كبيرة كدروع صغيرة، تتحرك ببطء رغم غياب أي ريح محسوسة.
جلس ببطء.
أول شيء تحقق منه كان السيف. مد يده إلى ظهره فلمس المقبض المألوف، فأخرج نفس نفس بارد وأعاده إلى غمده. ثم نظر حوله.
الغابة.
لم يكن قد رأى غابة في حياته بهذه الكثافة. في النرويج كانت الأشجار كثيرة نعم، لكنها كانت تترك مساحات للضوء، للهواء، للسماء. هنا لم يكن للسماء مكان تقريباً. الأشجار العملاقة تتشابك في الأعلى وتخلق سقفاً من الأوراق والأغصان يحجب معظم الضوء، وما يتسرب منه يصل إلى الأرض على شكل خيوط ذهبية رفيعة تخترق الظلام الأخضر وتسقط على الطحلب الكثيف الذي يغطي الأرض بالكامل.
كان الطحلب ناعماً تحت يديه. لونه أخضر داكن تقريباً بني، وكان مبللاً بندى كثيف رغم أنه لم ير أي مطر. نظر إلى يديه فوجد أصابعه ملطخة بلون أخضر خفيف.
وقف.
كانت قامته الطويلة، متراً وخمسة وثمانين، تبدو صغيرة نسبياً تحت هذه الأشجار التي يصل ارتفاعها إلى ما لا يستطيع تخمينه. رفع رأسه ونظر إلى الأعلى حتى أحس بألم خفيف في رقبته، ومع ذلك لم يستطع أن يرى قمم الأشجار بوضوح، كانت تختفي في الظلام الأخضر العلوي.
ثم سمع الأصوات.
كانت الغابة تتنفس.
ليس بالمعنى الحرفي، لكن كان هناك صوت خلفية مستمر لا يتوقف، مزيج من طنين حشرات لم يرها، وأصوات طيور لا يعرف أسماءها تصدر نغمات لم يسمعها من قبل، وأصوات حركة بعيدة في العمق، أغصان تتكسر، أوراق تتحرك، شيء ما يعيش ويتحرك في هذا الظلام الأخضر العميق.
لم يكن يعرف أين هو.
لكنه كان يعرف شيئاً واحداً بيقين تام: لم يكن على الأرض.
لم يكن هذا استنتاجاً، كان إحساساً جسدياً. الهواء هنا كان له نكهة مختلفة تماماً، ثقيل قليلاً ومشبع برائحة التراب الرطب والأوراق المتعفنة والشيء الأخضر الحي الذي لا اسم له. وكان أدفأ مما توقع، ليس دافئاً بالمعنى الكامل، لكنه بعيد جداً عن صقيع تريسل الذي غادره قبل دقائق أو ساعات، لم يعد يعرف.
خطا خطوة إلى الأمام.
الطحلب الكثيف خمد صوت خطوته تماماً، كأنه يمشي على سجادة سميكة. نظر إلى الأمام فلم يرَ سوى الأشجار تتكرر إلى ما لا نهاية، كل شجرة تشبه التي قبلها وتختلف عنها في نفس الوقت. لم يكن هناك طريق واضح، لا ممر، لا أثر لأي كائن مشى هنا من قبل.
أو ربما كان هناك.
توقف وانحنى قليلاً. بين جذعين ضخمين رأى شيئاً أثار انتباهه، خطاً رفيعاً في الطحلب، كأن قدماً ضغطت عليه مؤخراً وتركت أثراً خفياً. ثم رأى آخر بجانبه، وثالثاً بعده.
آثار أقدام.
صغيرة نسبياً. إنسان، ليس حيواناً.
نظر في الاتجاه الذي تشير إليه الآثار، ظلام أخضر وأشجار وصمت ثقيل. ثم وضع يده على مقبض الكاتانا ببطء دون أن يسلها، وبدأ يتبع الآثار.
مشى عشر دقائق.
كان يتحرك بهدوء تام، قدم تتبع قدم، جسده منخفض قليلاً، حواسه كلها مفتوحة. في النرويج كان يخرج أحياناً في الغابات المحيطة بتريسل ليتدرب في الطبيعة، وكان والده قد علمه منذ الصغر كيف تتحرك دون أن تُسمع، كيف تقرأ الأرض من حولك، كيف تجعل نفسك جزءاً من المكان بدلاً من دخيل عليه.
لكن هذه الغابة لم تكن تريسل.
توقف فجأة.
بين الأشجار من أمامه، على بعد ثلاثين متراً تقريباً، رأى لمعاناً أبيض.
ضيّق عيناه.
كان شيئاً كبيراً، أكبر من أي حيوان رآه في حياته، أبيض اللون بالكامل تقريباً مع خطوط رمادية خفيفة على ظهره. كان يتحرك ببطء بين الأشجار، خطواته صامتة رغم حجمه الهائل، ورأسه منخفض قريب من الأرض كأنه يتبع رائحة ما.
نمر.
نمر أبيض بحجم لم يره ادريان في أي حديقة حيوان أو في أي كتاب. كان طول جسده يتجاوز المترين ونصف، وعضلاته تتحرك تحت فروه الأبيض كأمواج بطيئة ومخيفة. أذناه منتصبتان، وذيله الطويل يتأرجح بإيقاع منتظم وهادئ.
ثم رأى ادريان ما كان النمر يتبعه.
كانت فتاة.
كانت تمشي بين الأشجار على بعد عشرة أمتار من النمر، ظهرها إليه، لا تعرف أنه خلفها. كانت ترتدي عباءة سوداء ثقيلة فوق ملابس داكنة، وشعرها الأسود اللامع يسقط على كتفيها، وفي يدها اليمنى كانت تمسك بسيف بقبضة واحدة. كانت تمشي بثقة، لكنها واضح أنها لم تشم الخطر الذي يتقرب منها من الخلف.
لم يفكر ادريان.
كان هذا شيئاً تعلمه في سنوات التدريب، أن التفكير الزائد في لحظات الخطر يقتلك. الجسد يعرف ما يجب أن يفعله إذا دربته جيداً.
سل الكاتانا.
الصوت المعدني الرفيع لنصل السيف وهو يخرج من غمده كان حاداً وواضحاً في صمت الغابة. التفت النمر على الفور، عيناه الصفراوان الكبيرتان استقرتا على ادريان، وفي نفس اللحظة التفتت الفتاة أيضاً.
رأى وجهها للحظة. عيونها زرقاء فاتحة، واسعة الآن من الدهشة.
ثم انقض النمر.
لم ينقض على الفتاة، انقض على ادريان، الخطر الجديد الأكثر إلحاحاً في تقديره. قفز بقفزة واحدة هائلة، جسده كله في الهواء، مخالبه ممدودة، فمه مفتوح يكشف عن أنياب بيضاء بطول إصبعين.
ادريان تحرك.
تراجع خطوة واحدة إلى اليمين وانحنى، فمرت مخالب النمر على بعد سنتيمترات من كتفه الأيسر، وفي نفس اللحظة التي مر فيها جسم النمر بجانبه أدار الكاتانا بضربة واحدة سريعة وعميقة.
سقط النمر.
لم يقف مرة أخرى.
أمسك ادريان الكاتانا بإحكام وقلبه يضرب بسرعة، عيناه على النمر الساقط، ينتظر أي حركة. لكن الحيوان لم يتحرك. كانت الغابة صامتة الآن صمتاً مختلفاً، كأن كل شيء فيها توقف ليرى ما حدث.
رفع رأسه ببطء.
كانت الفتاة تقف على بعد خمسة أمتار منه، سيفها ممسوك بكلتا يديها الآن، عيناها الزرقاوان لا تتركانه. لكنها لم تكن تنظر إلى وجهه، كانت تنظر إلى يده، إلى السيف الذي فيها.
إلى الكاتانا.
مرت ثوانٍ لم يتكلم فيها أحد. الغابة بدأت تستعيد أصواتها ببطء، طائر هنا، حفيف أوراق هناك. ادريان مسح نصل الكاتانا ببطء بقطعة قماش صغيرة من جيبه وأعادها إلى غمدها، محاولاً أن يبدو هادئاً رغم أن كل شيء فيه كان منتبهاً ومشدوداً.
ثم تكلمت الفتاة.
كانت كلماتها غريبة، لغة لم يسمعها من قبل، حروفها لها نعومة في بعض المقاطع وحدة في مقاطع أخرى. لكن نبرتها كانت واضحة حتى بدون فهم الكلمات، كانت تسأل. ربما: من أنت؟ ربما: من أين أتيت؟
فتح ادريان فمه، ثم أغلقه.
ماذا يقول؟ بأي لغة؟
حاول بالنرويجية أولاً.
— لا أفهم ما تقولين.
رمشت الفتاة. لم تفهم هي أيضاً.
حاول بالإنجليزية.
— I don't understand you. Do you speak English?
نفس الرمشة. نفس الصمت.
نظرا إلى بعضهما في صمت محرج وغريب، غريبان تاما في غابة تجمعهما فوق جثة نمر أبيض.
ثم أشارت الفتاة إلى نفسها وقالت بوضوح:
— لانا.
فهم ادريان.
أشار إلى نفسه وقال:
— ادريان.