٦كان الثلج يسقط بجدية أكبر الآن.
لم تعد الرقائق الخفيفة التي رآها ادريان في غابة سيران، بل صارت أثقل وأكثر كثافة، تسقط بزاوية خفيفة مع نسمة هواء باردة قادمة من الشمال. كان الطريق بين حافة الغابة وأسوار كورونا يمتد عبر أرض مكشوفة مغطاة بالثلج الأبيض النظيف، لا أشجار فيها ولا مخبأ، مجرد فضاء مفتوح بين الغابة والمدينة.
مشيا بسرعة.
كان ادريان يدرس الأسوار وهو يقترب منها. كانت مبنية من حجارة رمادية داكنة ضخمة، كل حجرة بحجم رجل بالغ تقريباً، مرصوصة فوق بعضها بدقة وإتقان واضحين. ارتفاع السور لا يقل عن عشرة أمتار، وعلى فترات منتظمة كانت تقف أبراج مراقبة مستطيلة تطل فوق السور بمترين إضافيين. على كل برج كان يقف حارسان على الأقل، يرتديان دروعاً معدنية ثقيلة فوق ملابس سميكة، وفي أيديهم رماح طويلة.
رآهم ادريان يراقبان مقدمهم من بعيد.
قبل أن يصلا إلى البوابة بعشرين متراً نادى أحد الحراس من فوق السور بصوت عالٍ. كلمات لا يفهمها ادريان لكن النبرة واضحة، توقف وعرّف عن نفسك.
ردت لانا بصوت هادئ وواثق، كلمات قليلة لكنها أحدثت أثراً فورياً. الحارس الذي نادى نظر إلى زميله ثم نزل من مكانه. بعد لحظات سمع ادريان صوت قضبان معدنية ثقيلة تتحرك خلف الباب الخشبي الضخم، ثم فُتح الباب.
خرج منه أربعة حراس.
كانوا كلهم طوال القامة، عريضو الأكتاف، بشعر أسود ووجوه شاحبة تحمل تعبيراً لا يتغير. نظروا إلى لانا أولاً ثم انتقلت أعينهم إلى ادريان وبقيت هناك. نظرة تقييم صريحة لا تحاول إخفاء نفسها، نظرة تمسح الجسد والملابس والسيف على الظهر وتحفظ كل شيء.
تكلم قائدهم مع لانا بجمل قصيرة. ردت عليه بهدوء ثم أشارت إلى ادريان. تكلم القائد مرة أخرى بنبرة أكثر حدة هذه المرة.
كان ادريان يراقب كل شيء بهدوء تام. يداه على جانبيه، جسده مسترخٍ، لكن حواسه كلها كانت مفتوحة بالكامل. كان يعرف أن الطريقة التي يقف بها الآن مهمة. أي توتر في جسده سيُقرأ كتهديد.
نظر إليه القائد مباشرة وقال شيئاً.
قالت لانا لادريان شيئاً بنبرة تشرح وتطمئن في نفس الوقت، ثم أشارت إلى سيفه.
فهم ادريان.
يريدون السيف.
لم يتحرك لثانية كاملة. لم يكن التردد من الخوف، بل كان يفكر. الكاتانا ليست مجرد سيف بالنسبة له، لكن رفض تسليمها الآن سيغلق الباب قبل أن يفتح. نظر إلى لانا وفي عيونها شيء يقول إنها ستضمن سلامته.
أمسك مقبض الكاتانا ببطء ومدها إلى القائد. أمسك القائد الغمد ونظر إلى المقبض ثم سحب النصل قليلاً فرأى الفولاذ الأزرق يلمع تحت السماء الرمادية. رفع حاجبيه قليلاً، التعبير الوحيد الذي سمح به لنفسه، ثم أعاد النصل إلى غمده وأمسك السيف تحت إبطه.
أشار إلى الداخل.
كانت كورونا من الداخل مختلفة عما توقعه ادريان.
لم يكن يتوقع مدينة حديثة بالطبع، لكنه لم يتوقع هذا الحجم. المبانيَ كانت كثيرة ومتلاصقة، مبنية كلها من نفس الحجارة الرمادية الداكنة للسور، شوارعها ضيقة ومرصوفة بحجارة مسطحة تغطيها طبقة رقيقة من الثلج المدعوس. كانت هناك أسواق صغيرة على جانبي بعض الشوارع، بائعون خلف طاولات خشبية يعرضون بضائع ملفوفة في قماش سميك، وناس يمشون بملابس ثقيلة ورؤوس منحنية أمام البرد.
لاحظ ادريان أن كثيرين منهم توقفوا عن ما يفعلونه ونظروا إليه.
ليس نظرة عدائية، بل نظرة فضول صريح. ملابسه كانت مختلفة بوضوح، معطفه الجلدي الأسود وسرواله الرمادي وحذاؤه العسكري لا يشبهان أي شيء يرتديه أحد في هذه الشوارع. وشعره الأشقر الطويل المربوط خلف رأسه كان نادراً بوضوح في مدينة يبدو أن سكانها كلهم يحملون شعراً أسود.
مشى خلف لانا والحراس عبر شوارع عدة، يحاول في نفس الوقت أن يحفظ الطريق ويراقب كل تفصيلة حوله. المدينة أكبر مما بدت من الخارج. كلما دخلوا في شارع ظهر شارع آخر خلفه. كان يسمع أصوات حدادة من مكان ما، ورائحة طعام يُطهى تتسرب من بعض الأبواب المغلقة.
ثم رأى القصر.
كان في قلب المدينة على ارتفاع أعلى قليلاً من الأرض المحيطة، كأن الأرض نفسها ارتفعت تحته. مبنى ضخم متعدد الطوابق من حجارة أكثر صقلاً وعناية من بقية المباني، أبراجه الأربعة ترتفع في السماء الرمادية وعلى قمة كل برج كانت ترفرف راية سوداء عليها رسم أبيض لم يستطع ادريان رؤيته بوضوح من هذه المسافة. أمام القصر كانت ساحة واسعة مرصوفة يقف على حدودها حراس آخرون.
عندما اقتربوا من الساحة رأى ادريان الراية بوضوح للمرة الأولى.
قمة جبل مغطاة بثلج أبيض، يقف فوقها نمر أبيض.
قاعة الاستقبال في القصر كانت طويلة وعالية السقف.
جدرانها من حجارة رمادية داكنة مثل كل شيء في هذه المدينة، لكنها مزينة بأسلحة معلقة على طول الجدران، سيوف ودروع ورماح ورايات بأحجام مختلفة. كانت مشاعل كبيرة ثابتة في حاملات حديدية على الجدران تضيء القاعة بضوء برتقالي دافئ يتناقض مع برودة الحجارة من حوله.
في نهاية القاعة كان يقف رجل.
لم يكن يجلس على عرش أو كرسي. كان يقف بظهره إليهم أمام نافذة كبيرة تطل على الجبال، يداه خلف ظهره، يرتدي درعاً جلدية داكنة فوق قميص بني ثقيل. عندما سمع خطواتهم التفت.
كان في الثالثة والعشرين، أكبر بسنتين من ادريان، لكن جسده كان جسد رجل اعتاد الحرب منذ زمن. عريض الكتفين، عنقه سميك، يداه كبيرتان. شعره أسود مثل كل عائلته ومشعث قليلاً كأنه لم يهتم بترتيبه منذ الصبح. وعيناه الزرقاوان كانتا تقيّمان ادريان بنفس الطريقة التي قيّمه بها الحراس على الباب، لكن بذكاء أكثر وسرعة أكبر.
تكلمت لانا. كلام طويل هذه المرة، يشرح ويروي. كان ادريان يسمعها ويحاول أن يقرأ وجه الرجل أمامه. لم يتغير كثيراً، بقي هادئاً وثابتاً وهو يسمع، لكن في لحظة واحدة انتقلت عيناه إلى الكاتانا التي يمسكها القائد تحت إبطه، وبقيتا هناك لثانيتين قبل أن ترتدا إلى وجه لانا.
انتهت لانا من كلامها.
صمت الرجل لحظة ثم نظر إلى ادريان مباشرة وتكلم بجملة واحدة قصيرة.
لم يفهم ادريان الكلمات لكنه فهم السؤال في نبرتها. نظر إليه بهدوء وقال بالنرويجية بصوت ثابت:
— اسمي ادريان. جئت من بعيد وأنا لا أعرف هذا المكان. لا أريد مشكلة مع أحد.
لم يفهم الرجل الكلمات بالطبع لكنه سمع النبرة. بقي ينظر إليه بضع ثوانٍ ثم قال شيئاً للقائد الذي جاء بهم، فمد القائد الكاتانا نحو ادريان. أخذها ادريان بيد واحدة وأعادها إلى غمدها على ظهره.
تكلم الرجل مرة أخرى، هذه المرة أشار إلى ادريان ثم إلى الأرض.
فهمت لانا وترجمت بإيماءة واضحة لادريان، ستبقى هنا.
أومأ ادريان.
ثم التفت الرجل ليذهب وكأن الأمر انتهى، لكنه توقف قبل أن يدير ظهره بالكامل ونظر إلى الكاتانا مرة أخيرة بنظرة سريعة لا يستطيع ادريان تفسيرها. ثم مضى.
همست لانا لادريان وأشارت إلى الرجل المبتعد:
— تايلور.
أُعطي ادريان غرفة في الجناح الشرقي من القصر.
كانت غرفة بسيطة وكبيرة، جدرانها من الحجارة الرمادية المعتادة، نافذة واحدة تطل على الساحة الأمامية للقصر، سرير خشبي بغطاء صوفي سميك، طاولة وكرسي، ومشعل واحد على الجدار. لم تكن فندقاً لكنها كانت دافئة.
جلس ادريان على حافة السرير وأخرج الكاتانا من غمدها ووضعها على ركبتيه.
نظر إلى النصل الأزرق اللامع في ضوء المشعل.
كان يفكر.
كان يستطيع أن يخبرهم بالحقيقة كاملة، أنه من كوكب آخر، من عالم آخر، من عام ٢٠٠٥ في مدينة أوسلو في النرويج. كان يستطيع أن يشرح البوابة والتموجات وكيف وجد نفسه في غابة سيران. لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لا أحد سيصدقه.
أو ربما سيصدقه البعض وهذا أخطر. لأن شخصاً جاء من عالم آخر إما أن يكون هدية أو تهديداً، ولا يريد ادريان أن يكون أياً منهما في مكان لا يعرفه ولا يفهمه بعد.
قرر في تلك اللحظة.
لن يخبر أحداً. ليس الآن.
سيقول أنه من أرض بعيدة لا يعرف عنها أهل هذا العالم شيئاً، وهذا ليس كذباً كاملاً. وسيبقى في كورونا حتى يتعلم هذه اللغة الغريبة ويفهم هذا العالم ويجد طريقة للعودة. أو على الأقل حتى يعرف ما يريد فعله بعد ذلك.
أعاد الكاتانا إلى غمدها.
نظر من النافذة إلى الساحة أسفله. كان الثلج لا يزال ينزل، يغطي الحجارة الرمادية بطبقة بيضاء هادئة. في الساحة كان حارسان يمشيان ببطء في دوريتهما المعتادة، أنفاسهما تتصاعد في الهواء البارد على شكل بخار أبيض خفيف.
أغمض ادريان عينيه لحظة.
في ذهنه كانت صورة قصره في تريسل. الثلج ينزل على الشرفة. التموجات في الهواء. يده تمتد نحوها.
فتح عينيه.
الغرفة الحجرية البعيدة عن كل شيء يعرفه كانت لا تزال هناك.
أخرج نفساً طويلاً وبارداً.
غداً سيبدأ.