كانت السماء فوق تريسل بلون الرصاص.
لم تكن هذه السماء الرمادية الباردة التي يعرفها الناس في المدن الكبيرة، تلك التي تجلس فوق الأبنية كسحابة ثقيلة لا روح فيها. كانت سماء تريسل من النوع الذي يجعلك تشعر أن العالم كله قرر أن يصمت، أن يتوقف عن التنفس للحظة، وأن يكتفي بالنظر إلى الأسفل بعيون شاحبة وهادئة.
وكان الثلج ينزل.
لم يكن ينزل بعنف أو بصخب، بل كان يتساقط بهدوء مدروس، كأن السماء تختار كل رقيقة بعناية وترسلها إلى الأرض برفق. كانت الرقائق الصغيرة تلتفت في الهواء البارد قبل أن تستقر على حافة الشرفة الحجرية، على قمم الأبراج، على الأشجار العارية التي تحيط بقصر تريسل من كل جانب كحراس صامتين منذ قرون.
وفي وسط كل هذا الصمت الأبيض، كان ادريان يتحرك.
وقف على الشرفة الواسعة في الطابق الثالث من القصر، شرفة تطل على الوادي المتجمد الذي يمتد أمامها لأميال. كان يرتدي سراويل تدريب رمادية وقميصاً أبيض بأكمام طويلة، لم يكترث للبرد الذي كان يعض أطراف أصابعه ويحمر وجنتيه، فقد اعتاد عليه منذ طفولته في هذه المدينة التي لا تعرف الدفء إلا في أشهر قليلة من السنة.
في يده اليمنى كان يمسك الكاتانا.
كانت الكاتانا طويلة ورفيعة، نصلها مصنوع من فولاذ ياباني أزرق اللون تقريباً عندما يمسه ضوء الشمس الشاحبة، ومقبضها مغلف بخيوط سوداء منسوجة بدقة شديدة. كان والده قد أحضرها له من اليابان عندما كان في السابعة من عمره، ليس كلعبة أو هدية، بل كرسالة واضحة: هذا العالم لا يرحم، فتعلم كيف تعيش فيه.
وقد تعلم.
أمال ادريان جسده إلى الأمام قليلاً، قدمه اليسرى أمام اليمنى، ركبتاه منحنيتان بزاوية دقيقة، ظهره مستقيم رغم انحناء جسده. ثم رفع السيف ببطء فوق رأسه بكلتا يديه، عيناه الخضراوان مغلقتان، شعره الأشقر الطويل المربوط خلف رأسه يتحرك قليلاً مع نسمة هواء باردة.
صمت.
ثم انفجر.
في أقل من ثانية تحول الجسد الهادئ إلى عاصفة، قدماه تنزلقان على الحجارة المبللة بالثلج المذاب بخطوات سريعة ومحسوبة، ذراعاه تقطعان الهواء البارد بضربات متتالية، كل ضربة تصدر صوتاً حاداً وهي تشق الهواء. كانت الرقائق الثلجية الصغيرة تتناثر حوله وهو يتحرك، كأنها تفر منه.
خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة.
لم يتوقف.
لم يكن يتدرب لأنه يريد أن يصبح محارباً. كان يتدرب لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يسكت الضجيج داخل رأسه، ذلك الضجيج الهادئ الذي يصاحبه منذ سنوات، أصوات أسئلة لا إجابات لها. لماذا هو هنا في هذا القصر البعيد وحيداً؟ لماذا اختار والده أن يبقيه بعيداً عن قصر الحكم؟ ماذا يعني أن تكون الأمير الرابع في خط الحكم، الأمير الذي لن يحكم أبداً؟
ضربة. ضربة. ضربة.
الأسئلة تصمت عندما يتحرك السيف.
توقف فجأة.
ليس لأنه تعب، بل لأن شيئاً ما استوقفه.
كان في البداية مجرد إحساس، كأن الهواء أمامه تغير نوعه قليلاً، صار أثقل أو أكثر كثافة بطريقة لا يستطيع وصفها. نظر إلى الأمام فلم ير شيئاً في البداية، فقط الثلج ينزل والوادي الأبيض الممتد في الأفق.
ثم رآها.
كانت تموجات خفيفة في الهواء، مثل الموجات التي تراها فوق الأسفلت الساخن في الصيف، لكنها كانت هنا في البرد وفي الثلج، وكانت تأخذ شكلاً دائرياً بطيئاً. لم تكن تصدر أي صوت، لم يكن حولها أي ضوء أو نار، كانت مجرد تشوه هادئ في الهواء البارد، كأن المكان نفسه يتنهد.
أمسك ادريان السيف بإحكام أكبر.
نظر إلى التموجات بعيون ضيقتين، ثم نظر حوله. لم يكن أحد على الشرفة. لم يكن أحد في الحديقة أسفله. الثلج ينزل وحده والقصر صامت كعادته.
ارتدى معطفه الجلدي الثقيل المعلق على الحاجز الحجري للشرفة، وأغمد سيفه على ظهره، ونزل الدرج الحجري إلى الحديقة الأمامية للقصر.
كان الثلج يصل إلى كاحليه.
اقترب من التموجات ببطء، كل خطوة مدروسة كأنه يقترب من حيوان غير معروف. وقف أمامها على بعد متر واحد ونظر. كانت أوضح الآن من قريب، دائرة قطرها متر تقريباً من الهواء المتموج، لا لون لها ولا صوت.
مد يده ببطء.
أصابعه اقتربت من التموج، والبرد حولها يزداد حدة كلما اقترب. لمس حافة التموج بأطراف أصابعه فأحس بشيء يشبه الماء البارد جداً لكن بدون بلل، وبشيء يشبه الكهرباء الخفيفة لكن بدون ألم.
ثم ابتلعت يده كلها.
قبل أن يستطيع أن يسحبها، قبل أن يفكر، قبل أن يقرر، شعر بشفط هائل وعنيف، كأن العالم كله من ورائه قرر أن يدفعه للأمام. صرخ بكلمة واحدة لم يسمعها أحد في القصر الصامت، ثم اختفى.