Chapter 1 of 2

1:عهد تحت ظلال التنين

1.2k words

❄️ الفصل الأول ❄️ --- في قلب عاصمة إمبراطورية ولفادور، كان الرواق الخارجي لغرفة الولادة الإمبراطورية أشبه بسفينة في عاصفة صامتة. وقف الإمبراطور هاروين ولفادور، ممسكاً بقبضتيه خلف ظهره بإحكام حتى بيضت مفاصله. كان يعد الخطوات على الرخام البارد - واحد، اثنان، ثلاثة - ليصرف عقله عن التخبط في سيناريوهات لا يجرؤ على اكتمالها. إلى جانبه، وقف الدوق إلياس رودفار كمرآة مخلصة، يفرك إبهامه بمقبض سيفه الفارغ من الغمد، عادة قديمة ترسخت فيه منذ أيام الحرب. لم يتبادل الرجلان كلمة منذ ساعة. كل ما يحتاجانه قيل بنظرات مختلسة وارتعاشات لا إرادية في زوايا الشفاه. ثم، فُتح الباب. خرجت الطبيبة الملكية، ووجهها يتنقل بين القلق والابتسامة كمن يحمل رسالة لا يعرف كيف يسلمها. انحنت بسرعة وقالت: "مبارك لجلالتك وللسيد الدوق... لقد أنجبت كل من الإمبراطورة والدوقة طفلتين كالقمر في جمالهما." لكن ابتسامتها تلاشت كشمعة في ريح، وتابعت بنبرة تخفضها كل كلمة: "ولكن..." انقبض قلبا الرجلين. تقدما خطوة كرجلين يهمان بالقفز في هاوية. "هل أصاب زوجتينا مكروه؟" سألا في صوت واحد، ولهفتهما كادت تخلع هيبتهما الملكية. طأطأت الطبيبة رأسها: "الحالة الصحية للإمبراطورة والدوقة مستقرة الآن، جلالتي... ولكن..." رفعت عينيها نحو الإمبراطور، "هل يمكنني التحدث على انفراد؟" أشار الإمبراطور بيده حازماً، فأخلى الحراس الرواق بخطوات سريعة لا صوت لها. ثم التفت إليها: "الدوق رودفار هو أخي وموضع ثقتي المطلقة. تكلمي بصراحة أمامه." تنهدت الطبيبة كمن يلقي بحجر في ماء راكد: "ولادة جلالة الإمبراطورة كانت معقدة وصعبة للغاية... وللأسف الشديد، لن تتمكن جلالتها من الإنجاب مجدداً." خيم صمت كالجدار الحجري. تبادل الإمبراطور والدوق نظرةً حملت ما لا تحتمله الكلمات. ابتلع الإمبراطور غصته بصعوبة: "هل... تعلم ماري؟" "نعم، جلالتك. هي من طلبت مني إخبارك بنفسها." وقفة. ثم: "هل يمكننا الدخول إليها؟" "بالتأكيد. لكن الصغيرتين في غرفة الوقاية السحرية للاطمئنان على هالاتهما. سترونهما بعد قليل." --- مشاعر دافئة خلف أبواب ثقيلة دلف الرجلان إلى الجناح الملكي حيث كانت الزوجتان تستلقيان على أسرّة من الحرير المطرّز. اندفع الدوق إلياس نحو زوجته كمن يعود من غياب طويل، جلس على حافة سريرها، وطبق يديه على يدها المرتعشة: "كاترين... حبيبتي... كيف تشعرين؟ هل أتعبكِ المخاض؟ هل السرير وثير كفاية؟ هل أستدعي..." "أنا بخير، إلياس." قطعته الدوقة كاترين بابتسامة برغم شحوب وجهها. "بخير حقاً. أنا أم الآن." كان صوتها يحمل دهشة الطفلة التي عثرت على كنز، وهز إلياس رأسه ماسحاً دمعة لم تسقط بعد. في الجانب الآخر، جلس الإمبراطور هاروين إلى جوار الإمبراطورة ماري. كانت دموعها تنساب على خديها كخرز زجاجي، عيناها الزرقاوان تلمعان كبحيرة بعد مطر. انحنى نحوها وقبل جبينها: "ماري... لماذا تبكين؟ هل أتعبكِ الألم؟ هل أستدعي الطبيبة؟" غطت وجهها بكفيها الصغيرتين وقالت بصوت مخنوق: "أنا آسفة يا هاروين... أعلم كم كنت تتمنى عائلة كبيرة، وأبناء يملأون القصر... ولكنني الآن..." تلاشت كلماتها في شهقة مرتجفة. مدَّ الإمبراطور يده فمسح دمعها برفق أصابع الرجل الذي لم يلمس سوى السيوف والمراسيم طوال حياته، لكنه كان الآن يرتجف كغصن في مهب الريح: "اسمعيني يا ماري." صوته كان منخفضاً لكنه حمل ثقل عرشه. "عندما تزوجتك، كنت طفلة مدللة في قصر والدك. حملتك بين ذراعيَّ كأول طفلة لي. ثم منحتني إدوارد. والآن... منحتني ابنة أخرى. أنا لم أطلب جيشاً من الأبناء، أنا أردت عائلة دافئة. وأنتِ... صنعتِ لي هذه العائلة. هذا يكفيني ويزيد." نظرت إليه، وفمها يفتح ويغلق كسمكة خارج الماء، ثم أسندت رأسها على صدره وبكت بصمت - هذه المرة ليس من ألم، بل من ارتياح. --- اللقاء الأول تحت النقوش الزرقاء بعد فترة وجيزة، عادت الطبيبة لتعلن أن الصغيرتين جاهزتان. ساعد الإمبراطور والدوق زوجتيهما على النهوض، واتجهوا جميعاً إلى غرفة الوقاية السحرية - غرفة دائرية جدرانها من الحجر الأبيض، تغطيها نقوش رونية تموج بوهج أزرق خافت، وكأن الغرفة تتنفس. في الطريق، شبكت الإمبراطورة ماري يدها بيد الدوقة كاترين، وأمالت رأسها نحو صديقتها: "أنا سعيدة لأنني أشاركك هذه اللحظة. كل اللحظات الجميلة في حياتي كانت معك، حتى لحظة الأمومة." "لقد نجح الأمر يا ماري." ردت كاترين بابتسامة دافئة، ونظرة تخترق جدار الزمن. "أتذكرين حين تعاهدنا في حديقة القصر الشتوية؟ وعدنا بأن ننجب طفلتين في نفس الوقت، لتنشآ معاً ولا تفترقا أبداً. ها هو حلمنا يصبح حقيقة." ضحكت الإمبراطورة بخفة: "نعم. أتمنى أن تكون علاقتهما قوية وعميقة كعلاقتنا. رغم أنني أعتقد أنهما ستكونان صديقتين رائعتين، دون أن تبلغا أبداً قوة رابطتنا الفريدة!" أطلقت الدوقة ضحكة هادئة، ونظرت إلى صديقتها بنظرة غامضة ذكية: "أنا أعتقد أن الأمر سيكون مختلفاً، بطريقتهما الخاصة." عندما وصلوا إلى المهد الخشبي الكبير، المنحوت عليه رموز الحماية القديمة، تطلع الجميع إلى الداخل. كان المهد يشبه سفينة صغيرة، تطفو على أمواج من وهج سحري هادئ. "إنهما تفيضان جمالاً." همس الدوق بإعجاب. "لطيفتان وهادئتان..." علق الإمبراطور وعيناه تلمعان. "عكس إدوارد تماماً. أذكر أنه حين وُلد كان يبدو غاضباً - نظرته كانت جادة وباردة - وكأنه يطالب بالعرش منذ ساعته الأولى!" التفت إليه الدوق بابتسامة واثقة، ونظرته حملت أكثر من مجرد كلمات: "لا تنسَ يا هاروين... إدوارد ليس مجرد ابن لك. إنه يحمل في عروقه ما لم تحمله عائلة ولفادور منذ قرون. دماء التنين المقدس التي ظنت الأجيال أنها اندثرت إلى الأبد - ها هي تعود من جديد في ابنك." أطبق الدوق لحظة، ثم أكمل بنبرة أخفض: "لهذا هو مختلف. نظراته الباردة منذ ولادته ليست مجرد مزاج طفل - إنها بصمة الدماء التي اختارته قبل أن يختار هو العالم." تدخلت الإمبراطورة ماري بضحكة ناعمة، ونظراتها تاهت للحظة وكأنها تسترجع ذاكرة بعيدة: "لكنه كان لطيفاً... بطريقته الخاصة. أتذكر حين كان رضيعاً، لم يبكِ أبداً في الليل مثل باقي الأطفال. كان يحدق في السقف بساعات، كأنه يراقب شيئاً لا نراه. لكن حين أحمله بين ذراعيَّ، كان يهدأ ويضع رأسه الصغير على كتفي، وكأنه يعرف أن هذه هي أمه." ابتسمت الإمبراطورة بصوت خافت: "نعم، كان باراً ولطيفاً... لكن بطريقة لا تشبه لطف الأطفال العاديين. كان وكأنه يختار متى يكون طفلاً، ومتى يكون شيئاً آخر." --- ولي العهد والوعد الصغير وفجأة، انفتح باب الغرفة بهدوء، ودلف منه فتى في الثالثة من عمره - الأمير إدوارد، ولي عهد إمبراطورية ولفادور. كان شعره الأصفر منفوشاً كأنه هبَّ من نومه لتوه، وعيناه الزرقاوان تحملان نظرة جادة تتجاوز عمره بكثير، كمن يقرأ العالم بعقلية جنرال عجوز. سار بخطواته الطفولية المتثاقلة نحو المهد، متشبثاً بحافته الخشبية، واتسعت عيناه الفضوليتان على المخلوقتين الصغيرتين أمامه. على الجانب الأيمن، كانت الأميرة يوليا كقطعة من سحابة. بشرتها ناعمة بيضاء، وخصلات شعرها الصفراء الخفيفة تلمع كخيوط الشمس تحت الوهج الأزرق. فتحت عينيها - الخضراوين الزمرديتين - لثوانٍ معدودة، نظرت إلى العالم من حولها بفضول مائي نقي، ثم عادت إلى نومها كزهرة تطوي بتلاتها. على الجانب الأيسر، كانت الليدي روزالين مستلقية كتمثال صغير من العاج. بشرتها ناصعة البياض، ويحيط بوجهها المستدير زغب شعر أسود كالليل. شفتاها الصغيرتان تحملان حمرة طبيعية رقيقة. وعندما تحركت في نومها، فتحت عينيها الزرقاوين الواسعتين للحظة، لتنظر حولها بنظرة غامضة كمن يبحث عن شيء في الذاكرة قبل أن تُخلق. وقف إدوارد صامتاً ينظر إليهما. ثم رفع إصبعه الصغير - إصبع وريث عرش التنين - وأشار نحو الفتاتين، وعبس بعقدة حاجبين طفولية لكنها جادة كتوقيع على معاهدة حرب: "سأكون الأقوى. ولن يجرؤ أحد على إبكائهما." انطلقت ضحكات الإمبراطور والدوق في الرواق، ضحكات فخر وعجب من جرأة هذا الصغير. لكن الإمبراطورة والدوقة تبادلتا نظرةً أعمق - نظرة أمهات يعرفن أن هذه الكلمات الصغيرة ستكبر مع الفتاتين، وسيأتي يوم لن تكون فيه مجرد وعد طفولي. في الخارج، كان القمر يرتفق خلف نوافذ القصر، يلقي ظلاله الطويلة على عاصمة ولفادور. تحت تلك الظلال، كان عهد جديد يبدأ - عهد تحت ظلال التنين، حيث كانت طفلتان تنامان بسلام، لا تعلمان كم ينتظرهما من خيوط القدر المتشابكة. --- نهاية الفصل الأول

End of Chapter 1

Previous
Next Chapter