Chapter 3 of 4
Chapter 3: همسات الماضي
3.5k words
آية واقفة في نص أوضة رياض المقلوبة، ريحة الورق القديم والمكتوم مالية المكان. المزيكا الهادية بتاعة الفالس لسه بتلعب، بتلف حواليها زي ضباب تقيل، حزينة أوي بس فيها حاجة غريبة بتشدها. إيديها بتلمس مكتب رياض الخشب الغامق، عليه طبقة خفيفة من التراب كأن محدش قرب منه من سنين. رياض كان بيقفل الأوضة دي بالمفتاح، وده لوحده كان بيخليها مكان غامض وممنوع. دلوقتي، بعد ما العلامة اللي على كتفه اختفت وغاب عن الوعي، كل حاجة بقت مختلفة. قلبتها واجعها عليه. عايزة تفهم إيه اللي حصل، إيه السر ورا كل ده. إيه العلامة دي اللي اختفت بالمنظر الغريب ده؟ وإيه اللي جابها من الأول؟ كل الأسئلة دي كانت بتدور في دماغها، من غير أي إجابة. عينيها بتلمع، محاولة تستوعب كل التفاصيل اللي حواليها. بتركز على لوحة قديمة على الحيطة، مرسوم عليها سماء ليلية مليانة نجوم غريبة، مش زي النجوم اللي بنشوفها في سمانا. بترجع للكلمات اللي سمعتها منه، عن عالمه، عن القارئ. كل ده بيعمل جو من الغموض حواليها، بيخليها عايزة تعرف أكتر. عايزة تخترق حواجز عالمها وتوصل لعالمه عشان تفهم وتقدر تساعده. لازم تكون قوية. هو محتاجها قوية. مش هتسيبه يواجه ده لوحده. هتكون جنبه، زي ما هو كان دايماً جنبها. بتحس بقوة غريبة جواها، قوة الحب اللي بيجمعها بيه، قوة الإصرار على إنها تحميه، حتى لو كان ده معناه إنها تخوض حرب مع عالم كامل مجهول بالنسبة لها.
بتمشي ناحية رفوف الكتب العالية، اللي مليانة مجلدات متراصة جنب بعضها، ألوانها باهتة من كتر السنين. بتشد كتاب قديم، غلافه من الجلد البني ومكتوب عليه كلام بلغة غريبة ميعادش حد بيستعملها. بتفتحه ببطء، الورق مصفر وملمسه خشن. مفيش صور، بس رسومات غريبة، رموز معقدة وشخبطات شبه الخرائط. عينيها بتجري على الصفحات، محاولة تفهم أي كلمة، أي إشارة. دماغها مش مستوعبة، بس قلبها بيقولها إن الإجابات كلها هنا. بترجع للكلمات اللي رياض قالهولها قبل ما يغمى عليه، عن عالمه القديم، عن القارئ. عنهم جايين ياخدوه. الكلمة دي، 'القارئ'، كانت بتتردد في ودانها زي صدى بعيد. إيه هما بالظبط؟ وإيه علاقة كل ده بالأوضة دي؟ بتسحب كرسي قديم عليه غطا قماش تقيل، وتسحب الدرج بتاع المكتب. درج مقفول. بتفتكره وهو بيحط المفتاح تحت لوح الأرضية، وهي بتندهش من سهولة وصولها للأسرار بتاعته دلوقتي. بتمد إيدها تحت لوح الأرضية، وبتلاقي المفتاح، نفس المفتاح اللي فتحت بيه الباب. بتفتح الدرج، وبتلاقي جواه أكتر من مجرد أوراق.
جواه علبة خشب صغيرة، منحوت عليها نفس الرموز الغريبة اللي على الكتب. قلبها بينبض بسرعة. بتفتح العلبة بحذر، كأنها خايفة تكسر حاجة. جواه خصلة شعر أسود لامع، ملفوفة في قطعة قماش حرير غامقة. وجمبها، رسالة مطوية بعناية. الرسالة دي مختلفة عن كل الأوراق اللي شافتها. مكتوبة بخط إيد رياض، بس مش الخط اللي هي متعودة عليه. خط قديم، كأنه بيتكلم بلغة تانية. بتفردها، وبتلاقي أول سطر محفور في دماغها زي وشم. السطر بيقول: 'البداية حيث النهاية، حيث ظل القمر يرقص فوق الماء الساكن.' الجملة دي، لوحدها، كانت لغز كبير. إيه معنى النهاية دي؟ وإيه علاقة القمر والماء؟ بتحس إنها دخلت في متاهة. بتحاول تربط أي حاجة، أي كلمة. بتتذكر مرة رياض قالها إنهم بيسموا عالمه 'أرض الظلال'. هل ده ليه علاقة بالظل بتاع القمر؟ بتحس بحماس غريب، ممزوج بخوف أعمق. حماس لأنها ممكن تفهم رياض أكتر، وخوف من اللي ممكن تلاقيه. هي مش لوحدها في اللغز ده، رياض هناك، مستنيها. لازم تفهم.
---
بتسيب كل حاجة مكانها في الأوضة، وبترجع لغرفة النوم. رياض لسه نايم على السرير، ملامحه هادية أوي، كأنه طفل. بس فيه شحوب غريب على وشه، كأنه استنزف كل طاقته. بتقرب منه ببطء، وبتمد إيدها تلمس جبينه. سخن. مش حُمى، بس حرارة غريبة، كأن جسمه فيه نار من جوه. بتفتكر اللحظة اللي العلامة الحمرا ولعت فيها على كتفه، صوت الصرخة اللي طلعها، وبعدين الصمت الرهيب اللي جه بعدها. الإغماء ده غريب، كأنه جزء من عملية تحول كبيرة. العلامة اختفت، وده معناه إن فيه حاجة اتغيرت، حاجة مش عادية. بتحاول تفتكر كل كلمة قالها، كل إشارة. مكنش بيحب يتكلم عن عالمه القديم ده، كان دايماً بيفضل الحاضر معاها. بس دلوقتي، عالمه القديم ده هو اللي بيطاردهم، بيطارده هو. وده بيخليها هي كمان جزء من المطاردة دي.
بتسحب كرسي من جنب السرير، وبتقعد جنبه. بتفضل تبص عليه، على تفاصيل وشه اللي بتحفظها عن ظهر قلب. رموشه الطويلة، أنفه المستقيم، الشفايف اللي كانت بتهمس بأجمل الكلمات ليها. قد إيه بتحبه، وقد إيه حياتها بقت مرتبطة بيه. من ساعة ما دخل حياتها، كل حاجة اتغيرت. اللون دخل حياتها من تاني. مكنتش تتخيل يوم إنها ممكن تحب الجني ده بالشكل ده، بس هو مش مجرد جني. هو رياض، حبيبها، روحها. بتسحب إيدها وبتشبك صوابعها بصوابعه. إيده ساقعة. قلبها بيتقبض. بتقرب راسها من صدره، بتسمع نبضات قلبه الهادية. عايزة تسمعها أقوى، أسرع، زي ما كانت بتسمعها لما بيكون قريب منها أوي. دموعها بتتجمع في عينيها.
آية واقفة في نص أوضة رياض المقلوبة، ريحة الورق القديم والمكتوم مالية المكان. المزيكا الهادية بتاعة الفالس لسه بتلعب، بتلف حواليها زي ضباب تقيل، حزينة أوي بس فيها حاجة غريبة بتشدها. إيديها بتلمس مكتب رياض الخشب الغامق، عليه طبقة خفيفة من التراب كأن محدش قرب منه من سنين. رياض كان بيقفل الأوضة دي بالمفتاح، وده لوحده كان بيخليها مكان غامض وممنوع. دلوقتي، بعد ما العلامة اللي على كتفه اختفت وغاب عن الوعي، كل حاجة بقت مختلفة. قلبتها واجعها عليه. عايزة تفهم إيه اللي حصل، إيه السر ورا كل ده. إيه العلامة دي اللي اختفت بالمنظر الغريب ده؟ وإيه اللي جابها من الأول؟ كل الأسئلة دي كانت بتدور في دماغها، من غير أي إجابة. عينيها بتلمع، محاولة تستوعب كل التفاصيل اللي حواليها. بتركز على لوحة قديمة على الحيطة، مرسوم عليها سماء ليلية مليانة نجوم غريبة، مش زي النجوم اللي بنشوفها في سمانا. بترجع للكلمات اللي سمعتها منه، عن عالمه، عن القارئ. كل ده بيعمل جو من الغموض حواليها، بيخليها عايزة تعرف أكتر. عايزة تخترق حواجز عالمها وتوصل لعالمه عشان تفهم وتقدر تساعده. لازم تكون قوية. هو محتاجها قوية. مش هتسيبه يواجه ده لوحده. هتكون جنبه، زي ما هو كان دايماً جنبها. بتحس بقوة غريبة جواها، قوة الحب اللي بيجمعها بيه، قوة الإصرار على إنها تحميه، حتى لو كان ده معناه إنها تخوض حرب مع عالم كامل مجهول بالنسبة لها.بتمشي ناحية رفوف الكتب العالية، اللي مليانة مجلدات متراصة جنب بعضها، ألوانها باهتة من كتر السنين. بتشد كتاب قديم، غلافه من الجلد البني ومكتوب عليه كلام بلغة غريبة ميعادش حد بيستعملها. بتفتحه ببطء، الورق مصفر وملمسه خشن. مفيش صور، بس رسومات غريبة، رموز معقدة وشخبطات شبه الخرائط. عينيها بتجري على الصفحات، محاولة تفهم أي كلمة، أي إشارة. دماغها مش مستوعبة، بس قلبها بيقولها إن الإجابات كلها هنا. بترجع للكلمات اللي رياض قالهولها قبل ما يغمى عليه، عن عالمه القديم، عن القارئ. عنهم جايين ياخدوه. الكلمة دي، 'القارئ'، كانت بتتردد في ودانها زي صدى بعيد. إيه هما بالظبط؟ وإيه علاقة كل ده بالأوضة دي؟ بتسحب كرسي قديم عليه غطا قماش تقيل، وتسحب الدرج بتاع المكتب. درج مقفول. بتفتكره وهو بيحط المفتاح تحت لوح الأرضية، وهي بتندهش من سهولة وصولها للأسرار بتاعته دلوقتي. بتمد إيدها تحت لوح الأرضية، وبتلاقي المفتاح، نفس المفتاح اللي فتحت بيه الباب. بتفتح الدرج، وبتلاقي جواه أكتر من مجرد أوراق.جواه علبة خشب صغيرة، منحوت عليها نفس الرموز الغريبة اللي على الكتب. قلبها بينبض بسرعة. بتفتح العلبة بحذر، كأنها خايفة تكسر حاجة. جواه خصلة شعر أسود لامع، ملفوفة في قطعة قماش حرير غامقة. وجمبها، رسالة مطوية بعناية. الرسالة دي مختلفة عن كل الأوراق اللي شافتها. مكتوبة بخط إيد رياض، بس مش الخط اللي هي متعودة عليه. خط قديم، كأنه بيتكلم بلغة تانية. بتفردها، وبتلاقي أول سطر محفور في دماغها زي وشم. السطر بيقول: 'البداية حيث النهاية، حيث ظل القمر يرقص فوق الماء الساكن.' الجملة دي، لوحدها، كانت لغز كبير. إيه معنى النهاية دي؟ وإيه علاقة القمر والماء؟ بتحس إنها دخلت في متاهة. بتحاول تربط أي حاجة، أي كلمة. بتتذكر مرة رياض قالها إنهم بيسموا عالمه 'أرض الظلال'. هل ده ليه علاقة بالظل بتاع القمر؟ بتحس بحماس غريب، ممزوج بخوف أعمق. حماس لأنها ممكن تفهم رياض أكتر، وخوف من اللي ممكن تلاقيه. هي مش لوحدها في اللغز ده، رياض هناك، مستنيها. لازم تفهم.---بتسيب كل حاجة مكانها في الأوضة، وبترجع لغرفة النوم. رياض لسه نايم على السرير، ملامحه هادية أوي، كأنه طفل. بس فيه شحوب غريب على وشه، كأنه استنزف كل طاقته. بتقرب منه ببطء، وبتمد إيدها تلمس جبينه. سخن. مش حُمى، بس حرارة غريبة، كأن جسمه فيه نار من جوه. بتفتكر اللحظة اللي العلامة الحمرا ولعت فيها على كتفه، صوت الصرخة اللي طلعها، وبعدين الصمت الرهيب اللي جه بعدها. الإغماء ده غريب، كأنه جزء من عملية تحول كبيرة. العلامة اختفت، وده معناه إن فيه حاجة اتغيرت، حاجة مش عادية. بتحاول تفتكر كل كلمة قالها، كل إشارة. مكنش بيحب يتكلم عن عالمه القديم ده، كان دايماً بيفضل الحاضر معاها. بس دلوقتي، عالمه القديم ده هو اللي بيطاردهم، بيطارده هو. وده بيخليها هي كمان جزء من المطاردة دي.بتسحب كرسي من جنب السرير، وبتقعد جنبه. بتفضل تبص عليه، على تفاصيل وشه اللي بتحفظها عن ظهر قلب. رموشه الطويلة، أنفه المستقيم، الشفايف اللي كانت بتهمس بأجمل الكلمات ليها. قد إيه بتحبه، وقد إيه حياتها بقت مرتبطة بيه. من ساعة ما دخل حياتها، كل حاجة اتغيرت. اللون دخل حياتها من تاني. مكنتش تتخيل يوم إنها ممكن تحب الجني ده بالشكل ده، بس هو مش مجرد جني. هو رياض، حبيبها، روحها. بتسحب إيدها وبتشبك صوابعها بصوابعه. إيده ساقعة. قلبها بيتقبض. بتقرب راسها من صدره، بتسمع نبضات قلبه الهادية. عايزة تسمعها أقوى، أسرع، زي ما كانت بتسمعها لما بيكون قريب منها أوي. دموعها بتتجمع في عينيها.بتصمم آية إنها مش هتسيب رياض لوحده. بتقوم بالراحة، بتطبع بوسة خفيفة على جبينه، وتسيب الرسالة القديمة في درج المكتب تاني، لكن مش قبل ما تصورها بكاميرا تليفونها. ملامحها بتتبدل من الحزن للتركيز. لازم تتحرك. بتخرج من الأوضة الهادية دي وبتروح للمطبخ بتاعها. الأضواء الفاتحة، ريحة القهوة اللي لسه معملتهاش، كل ده بيعمل تناقض رهيب مع اللي كانت فيه من شوية. بتسحب كرسي سفره وبتقعد عليه. بتفتح تليفونها، وبتبص على الصورة اللي خدتها للرسالة. بتثبت عينيها على أول سطر: 'البداية حيث النهاية، حيث ظل القمر يرقص فوق الماء الساكن.' بتقراها بصوت واطي لنفسها. كأن نطق الكلمات ممكن يفتح لها باب. بتمد إيدها تجيب ورقة وقلم من درج المطبخ، وبتبدأ ترسم، تحاول تتخيل. ظل القمر بيرقص فوق ماء ساكن. ده انعكاس. بس انعكاس لإيه بالظبط؟ هل ده مكان؟ بركة؟ بحيرة؟ بتقرب التليفون منها أكتر، بتمرر صباعها على الحروف الغريبة. الكلمات دي مكتوبة بخط رياض، خط تعرفه كويس أوي، بس الحبر باهت، كأنه من زمن تاني. بتفتكر كلام رياض عن 'أرض الظلال'، وعن حدود عوالمهم اللي ممكن تتداخل. هل ظل القمر ده هو رمز للحدود دي؟ بتشرب كوباية مية، بتحس إن ريقها ناشف. دماغها بتلف من كتر التفكير. بتقفل عينيها لحظة، بتحاول تجمع أفكارها. البداية حيث النهاية. يعني نهاية حاجة هي بداية لحاجة تانية؟ أو مكان بداية ومكان نهاية في نفس النقطة؟ ممكن يكون مكان دائري؟ أو مكان بيجمع الأضداد؟ بتقوم تتمشى في المطبخ، ذهاباً وإياباً. بتوصل للمغسلة، بتبص على المية اللي بتنزل من الحنفية ببطء. بتتذكر مرة رياض قالها إن المية ليها ذاكرة. هل المية الساكنة ليها معنى خاص؟ هل هي مكان للسكون والتأمل، أو مكان بتختفي فيه الحقيقة؟ بتحاول تسترجع أي حوار دار بينها وبين رياض عن القمر، عن المية، عن الظلال. مفيش حاجة واضحة. بس كان في مرة، وهو بيتكلم عن أبحاثه، قال إن الوعي ممكن يتمدد، ويتخطى الحواجز المادية. بتتنفس بعمق. ده مش لغز عادي. دي خريطة، خريطة لعالم تاني، أو لطريقة تفكير مختلفة. بتفتح تليفونها تاني. بتكتب في خانة البحث: 'القمر والماء في الأساطير القديمة'. 'أساطير الظلال'. 'أماكن القمر الساكن'. مفيش أي نتيجة مباشرة. بتحس بالإحباط. بتسند راسها على رخامة المطبخ الباردة. إيه أول حاجة بتيجي في بالك لما تسمع كلمة 'ظل القمر على ماء ساكن'؟ صورة انعكاس. مكان هادي. مكان ممكن يكون بعيد عن الأنظار. بتقوم تاني، بتفتح تلاجة المطبخ، بتسحب تفاحة. بتبدأ تاكلها ببطء، محاولة تركز على المذاق عشان تهدي أعصابها. فجأة، بتيجي في بالها فكرة. رياض كان عنده مكان بيحبه أوي. مكان هادي، بعيد عن زحمة المدينة، فيه بركة صغيرة، كان بيقعد جنبها بالساعات. كان بيسميه 'ملاذه السري'. بتتسمر مكانها. ملاذه السري. هل ده هو المكان؟ هل ده هو 'الماء الساكن'؟ فيه هناك شجر عالي بيحجب الشمس، وليلًا القمر بيرمي ظله على المية. إحساس بالخوف بيملأ قلبها. مش متأكدة إنها عايزة تلاقي الإجابة. لكنها لازم. بتقفل تليفونها، بتبص على ساعتها. لازم تخرج.---بتسحب آية مفتاح عربيتها من على الترابيزة وبتحط تليفونها في شنطتها. بتبص على رياض مرة أخيرة قبل ما تخرج من البيت، بتحاول تطمئن على هدوء ملامحه. قلبها لسه مقبوض، بس في نفس الوقت، فيه إصرار أكبر من أي خوف. بتركب عربيتها، مرسيدس قديمة لونها أسود، لكنها لسه بتحتفظ بلمعتها. بتدور العربية، صوت الموتور بيملى سكون الصباح. بتسوق في شوارع المدينة اللي لسه بتصحى. الشمس لسه بترمي خيوطها الأولى على المباني العالية. بتعدي على ناس رايحة شغلها، على محلات بتفتح أبوابها. كل حاجة عادية، طبيعية. لكن عالمها مش عادي أبداً. كل حاجة حواليها اتغيرت من لحظة ما رياض أغمى عليه. بتوصل لشارع جانبي هادي، كله أشجار عالية بترمي ظلالها على الأرصفة. بتشم ريحة القهوة من بعيد. 'ذا ديلي برو'. الكافيه بتاع رياض. المكان اللي بناه بحبه وشغفه. كان بيقضي فيه أغلب وقته، بيحكي معاها عن أحلامه، عن الكتب اللي بيقراها، عن خططه للمستقبل. بتلاقي مكان لركن العربية وبتركنها. بتقفل الموتور، وبتقعد لحظة تسمع صوت هدير المدينة الهادي. بتنزل من العربية، ريحة البن المحمص والخبز الطازج بتلف حواليها زي حضن دافي. ريحة بتفكرها برياض، بضحكته، بنظراته العميقة. ريحة بتريحها وبتكسر قلبها في نفس الوقت. الكافيه لسه هادي. كم ترابيزه بس اللي عليها زباين. بتدخل الكافيه، صوت جرس صغير بيعلن عن دخولها. عينها بتلف على المكان. نفس الديكور الخشبي الداكن، نفس الصور القديمة على الحيطة لقهوجية من عصور تانية. نفس الكراسي المريحة اللي رياض كان دايماً بيختارها بعناية. بتتنفس بعمق. المكان ده ليه روح رياض. روحه اللي لسه بتحس بيها، كأنها بتلف حواليها. بتشوف الباريستا اللي بيعرفها كويس أوي، بيبتسم لها بحزن وهو بيجهز طلبية. بتمشي ناحية ترابيزة في الركن، ترابيزة كانت رياض بيحب يقعد عليها لما يكون عايز يقرا أو يفكر. بتحط شنطتها جنبها وبتقعد. بتطلب قهوتها المفضلة، لاتيه بزيادة فوم. بتمد إيدها في شنطتها، بتطلع تليفونها، وبتبص على صورة الرسالة تاني. بتحاول تربط أي حاجة بالكافيه. هل كان في أي إشارة هنا لـ 'ظل القمر'؟ لا. المكان ده دايماً كان مريح، بعيد عن الألغاز. يمكن ده كان مقصود. يمكن رياض كان عايز مكان ليه ولعالمها، بعيد عن عالمه المظلم. بتغمض عينيها، بتسند راسها على إيديها. بتحس إن كل حاجة بتحصل بسرعة أوي، أسرع مما تستوعب. بس هي مش هتستسلم. هي قوية، عشان رياض. بتفتح عينيها. بتشوف انعكاسها في الشباك. ملامحها شاحبة، لكن عينيها فيها إصرار مش بيطفي. بتعرف إنها لازم تستغل كل لحظة. كل معلومة ممكن توصلها لإنقاذ رياض.---وهي بتفكر في كل ده، بتسمع صوت حد بينادي عليها. 'آية؟' بتلف راسها بسرعة. قدامها واقفة واحدة عمرها في أواخر العشرينات، شعرها بني فاتح مربوط على هيئة ذيل حصان. وشها دائري، عينيها عسلية وبتلمع بذكاء. لابسة بلوزة بيضاء بسيطة وبنطلون قماش غامق. دي إيلارا. مساعد رياض البحثية السابقة. بتفتكرها آية كويس أوي، من المرات القليلة اللي كانت بتشوفها في الكافيه أو في المكتبة. كانت دايماً هادية ومنظمة، وبتتعامل مع رياض باحترام كبير ممزوج بتقدير واضح لذكائه. آية كانت بتحس بنوع من الغيرة الخفيفة زمان، الغيرة اللي بتيجي من إعجاب شخص بشريكها، لكنها كانت عارفة إن رياض بيحبها هي بس. دلوقتي، كل المشاعر دي متلخبطة. الغيرة اختفت، وحل محلها القلق والرغبة في أي معلومة. إيلارا بتقرب منها بابتسامة خجولة، لكن فيها حزن باين في عينيها. 'أنا آسفة إني أزعجتك، بس مكنتش متوقعة أشوفك هنا.' بتقول إيلارا بصوت واطي، كأنها خايفة تكسر هدوء المكان. آية بتبتسم لها ابتسامة مهزوزة. 'أهلاً إيلارا. أنا كمان مكنتش متوقعة أشوفك. أنا بس... كنت محتاجة أجي هنا.' بتقول آية، بتحاول تسيطر على نبرة صوتها عشان متظهرش أي ضعف. إيلارا بتقعد على الكرسي اللي قصادها، من غير ما تسألها أو تستأذن، كأنها حاسة بالتوتر اللي بينهما. 'أنا عارفة. المكان ده كان ليه ذكرى خاصة عند الأستاذ رياض.' بتقول إيلارا، وبتتنفس بعمق. كلمة 'الأستاذ رياض' بتوجع قلب آية. هي عارفة إن إيلارا متعرفش الحقيقة، متعرفش إن رياض لسه عايش، بس غايب عن الوعي. بالنسبة لإيلارا، رياض مات. آية لازم تحافظ على الواجهة دي. 'فعلاً. كان بيحبه أوي.' بتقول آية، بتبص على صورتها في الكافيه اللي رياض معلقها بنفسه. صورة قديمة ليهم وهما بيضحكوا. عينيها بتدمع من تاني، بس بتحاول تمسح الدموع بسرعة قبل ما إيلارا تلاحظ. إيلارا بتبص لآية بعينين مليانين تعاطف. 'أنا آسفة تاني على خسارتك. الأستاذ رياض كان شخصية فريدة. صعب يتكرر.' بتصمت إيلارا لحظة، كأنها بتجمع الكلمات. 'مكنتش متخيلة إني هشوفك قوية كده بعد كل اللي حصل. ده بيوريني قد إيه كنتي بتحبيه.' آية بتبص لإيلارا. الكلمات دي، رغم بساطتها، بتديها قوة. هي مش قوية عشان بس بتحبه، هي قوية عشان لازم تنقذه. 'شكراً يا إيلارا. كلنا بنمر بصعوبات.' بتقول آية، بتبص في كوباية القهوة اللي لسه مجتش. بتغير الموضوع بسرعة. 'إنتي لسه بتشتغلي في الأبحاث؟' إيلارا بتهز راسها. 'أه. بس مش زي زمان. مفيش حد بيوصل لمستوى الأستاذ رياض. الشغل من غيره بقى... باهت.' بتلاحظ آية إن إيلارا ماسكة كوباية قهوة معاها، كأنها كانت قاعدة بالفعل قبل ما تشوف آية. بتسأل آية، بتحاول توصل لأي معلومة ممكن تفيدها في لغز الرسالة. 'كنتي بتشتغلوا على إيه آخر فترة؟'---إيلارا بتهز راسها، بتبص على سطح الترابيزة وكأنها بتحاول تجمع أفكارها. 'آخر فترة، الأستاذ رياض كان مهووس بموضوع واحد. كان بيسميه... التواصل المتسامي.' بتقول إيلارا، وبترفع عينيها لآية. كلمة 'التواصل المتسامي' بتضرب في دماغ آية زي جرس إنذار. ده ممكن يكون المفتاح. 'تواصل متسامي؟ إيه ده بالظبط؟' بتسأل آية بلهفة، بتحاول تخفي التوتر في صوتها. إيلارا بتشرب رشفة من قهوتها. 'كان بيتكلم عن قدرة الوعي البشري على التواصل مع عوالم تانية، أو مستويات وجود مختلفة. كان مؤمن إن في طريقة نقدر بيها نكسر حواجز الواقع اللي إحنا عارفينه ونتصل بكائنات أو كيانات موجودة في أبعاد تانية.' آية بتبلع ريقها بصعوبة. عوالم تانية. كيانات. ده بالظبط اللي كان رياض بيتكلم عنه قبل ما يغمى عليه. 'القارئ.' 'أرض الظلال.' كل حاجة بدأت تتضح. 'كان بيحاول يعمل إيه بالظبط؟' بتسأل آية، صوتها بيطلع بصعوبة. إيلارا بتبص حواليها، كأنها بتشوف لو حد بيسمعهم. 'كان بيركز على رموز قديمة، ولغات مجهولة. كان بيقضي ساعات وساعات في المكتبة، بيجمع مخطوطات قديمة. كان بيقول إن فيه مفتاح للتواصل ده موجود في المعارف القديمة، حاجات نسيناها أو تناسيناها كبشر.' آية بتفتكر الكتب اللي شافتها في أوضة رياض، الرموز الغريبة. كل ده ليه علاقة. 'هل اكتشف حاجة؟' بتسأل آية، بتحس إن قلبها بينبض بعنف. إيلارا بتهز راسها ببطء. 'مكانش بيقول بالتحديد. بس كان دايماً بيقول إنه على وشك اكتشاف عظيم. كان بيقضي ليالي كتير مش بينام. كان دايماً بيقول إن العالم الحقيقي أكتر تعقيداً مما نتصور، وإن فيه رسائل مستمرة بتوصلنا من أماكن بعيدة، بس إحنا مش بنعرف نقراها.' رسائل. زي الرسالة اللي في إيد آية دلوقتي. 'هل قال إيه اللي ممكن يحصل لو حد قدر يتواصل؟' إيلارا بتفكر لحظة. 'كان بيقول إن فيه مخاطر. إن العوالم دي مش دايماً ودودة. وإن فيه كيانات ممكن تحاول تستغل التواصل ده عشان تدخل لعالمنا.' ده بالظبط اللي قاله رياض. 'هُمّ جايين ياخدوه.' بتغمض آية عينيها للحظة، بتحاول تستوعب حجم الخطر. إيلارا بتمد إيدها، بتلمس إيد آية على الترابيزة. 'أنا عارفة إن ده ممكن يكون غريب عليكي، بس الأستاذ رياض كان عبقري. وأنا متأكدة إنه كان هيوصل لحاجة تفيد البشرية كلها.' آية بتبص لإيلارا. 'هو لسه هيوصل.' بتقول آية بصوت خافت، كأنها بتتكلم مع نفسها. إيلارا بتفهم إن آية بتتأثر بذكرى رياض، وبتسكت. آية بتحس إنها عايزة تسأل أكتر، عايزة تعرف كل تفصيلة. بس متقدرش. إيلارا متعرفش الحقيقة. 'هل في أي مكان معين كان بيركز عليه في أبحاثه؟' بتسأل آية، محاولة تربطها باللغز. إيلارا بتفكر. 'مش مكان واحد بالظبط، لكن كان مهتم أوي بأي حاجة ليها علاقة بالظلال والانعكاسات. كان بيقول إنها بوابات خفية بين العوالم.' ظلال. انعكاسات. 'ظل القمر يرقص فوق الماء الساكن.' اللغز بيربط نفسه. آية بتحس إنها أقرب للحل من أي وقت فات.---آية بتشكر إيلارا على المعلومات، وبتقوم عشان تروح للحمام، محتاجة لحظة لنفسها عشان تستوعب كل اللي سمعته. دماغها بتلف من كتر الأفكار. التواصل المتسامي. عوالم الظلال. الانعكاسات كبوابات. كل كلمة بتيجي من إيلارا كانت بتأكد اللي رياض حاول يقوله. هي على الطريق الصح. لازم ترجع للبيت وتجمع كل خيوط اللغز. وهي ماشية ناحية حمام الكافيه، بتحس بإحساس غريب. إحساس ببرودة خفيفة بتتسرب على رقبتها، كأن حد بيراقبها. الإحساس ده مألوف. إحساس بالخطر. بتسند إيدها على الحيطة لثواني، بتحاول تثبت نفسها. بتبص حواليها بسرعة، كأنها بتدور على مصدر الإحساس ده. الكافيه لسه هادي. الترابيزات عليها زباين قليلين، كلهم مشغولين بقهوتهم أو بتليفوناتهم. مفيش حاجة غريبة. بتكمل طريقها، بس الإحساس ده مش بيسيبها. كأنه ضل خفي ماشي وراها. بتوصل عند باب الحمام، وقبل ما تفتحه، بتلف راسها تاني، غريزتها بتقولها إن فيه حاجة. نظرتها بتسرح لحد أقصى ركن في الكافيه، ركن ضلمه شوية بسبب انعكاس الشمس على الشباك. فيه ترابيزة صغيرة فاضية، ووراها... فيه رجل قاعد. رجل لابس معطف غامق، أسود تقيل، رغم إن الجو مش برد أوي. قبعته السودا منزوعة على وشه، بتخفي معظم ملامحه. إيديه متشبكة ببعضها على الترابيزة. مفيش أي كوباية قهوة قدامه، ولا تليفون. قاعد وبس. عينه مش باينه أوي، لكن آية بتحس إنها موجهة ناحيتها. نبضات قلبها بتزيد. مين ده؟ إيه اللي جابه هنا؟ هل هو جزء من 'القراء' اللي رياض كان بيتكلم عنهم؟ إحساس بالخوف بيشتد. بتحاول متظهرش أي رد فعل. بتاخد نفس عميق، وبتفتح باب الحمام، وبتبص على الراجل مرة أخيرة قبل ما تختفي ورا الباب. الراجل ده متحركش. ولا حتى رمش. كأنه تمثال أسود بيراقبها. بتقفل الباب وراها، وبتحس إن الهوا اتحبس في صدرها. هي مش متخيلة. هي مراقبة فعلاً. وده مش مجرد صدفة. قلبها بيرفرف زي العصفور اللي محبوس. هي مش لوحدها في اللعبة دي. ده أكتر من مجرد لغز. وده معناه إنها بتتعقب. هل هو كان بيراقبها من ساعة ما دخلت الكافيه؟ هل هو كان بيراقبها من قبل كده؟ إحساس بالبرد بيتسرب لقلبها، إحساس إنها هدف، مش بس باحثة عن الحقيقة. بتبص في المرايا، ملامحها متغيرة. إيلارا قالت 'التواصل المتسامي' بيكسر حواجز الواقع. الراجل ده مش عادي. إيه اللي بيحصل؟ آية بتتنفس بصعوبة. لازم تخرج من هنا، ولازم تفهم ليه الراجل ده هنا، وايه علاقته برياض. وبتعرف، في أعماق روحها، إن مجرد اكتشاف هو مين مش هيكون نهاية الأمر، بل هو بداية لمواجهة أشرس بكثير مما تخيلت.