قعدة المراجعة عند أستاذ أشرف كانت دايمًا هي أصعب وقت في الأسبوع، مش عشان الرياضة نفسها، لا. دي كانت عشان حمزة جنبي. كل مرة بييجي ويقعد الكرسي اللي لازق في كرسيي، بحس بحاجة غريبة بتكهربني من راسي لحد رجلي. كنا في تانية إعدادي، والمفروض نفكر في الامتحانات، بس أنا كل تفكيري كان فيه هو.
النهاردة كان لابس تيشيرت أزرق غامق، والقلم الرصاص اللي ورا ودنه كان بيلمع. شعره الكيرلي متظبط، بس فيه خصلة صغيرة قدام نازلة على جبينه، نفسي أمد إيدي وأرجعها ورا. أستاذ أشرف كان بيرغي عن نظرية فيثاغورس، وصوته كان عامل زي وش المروحة القديمة في الصيف، موجود بس مش مركزة معاه.
عبدالله كان قاعد الناحية التانية من حمزة، وبيحاول يشاغله. "يا حمزة يا حبيبي، أستاذ أشرف بيشرح أهم حتة، وركز عشان متسقطش." عبدالله ده طول عمره روش، بيحب الهزار، بس في نفس الوقت بيحب يزن على الواحد.
حمزة مردش عليه، بس ابتسامته الخفيفة اللي معرفش يشيلها من على وشه كانت بتطمني. بصلي من طرف عينه، وقبل ما أقدر أرد البصة، نزل عينه على كتاب الرياضة المفتوح قدامه. إيدي كانت على رجلي تحت الترابيزة، وإيده كانت هناك برضه. حسيته قرب إيده بالراحة، حركة بطيئة جدًا، كأنه بيختبرني.
قلبي كان بيدق لدرجة حسيت إن عبدالله ممكن يسمعه. إيدي فضلت ثابتة، مستنية إيه اللي هيحصل. صوابعه لمست طرف صباعي الصغير، لمسة خفيفة باردة. حسيت بكهربا أقوى من الأول. رفعت عيني وبصيت لأستاذ أشرف، كان باصص في السبورة، ومكمل شرحه اللي محدش فاهمه غيره.
بصيت لحمزة تاني، كان باصص في الكتاب بجدية مصطنعة، وشفته بيضغط على شفايفه عشان ميبتسمش. لمسة صوابعه اتحولت لقبضة خفيفة، ماسك صباعي الصغير كله. عايزة أضحك، عايزة أصرخ، عايزة أقوله يعمل فيا إيه بالظبط.
مريم كانت قاعدة قدامي، لفت وشها وسألتني بصوت واطي: "أية، فهمتي الحتة دي؟" حاولت أجمع نفسي وأمثل إني مركزة. "آه آه، تقريبًا." كذبت عليها، أنا مكنتش فاهمة أي حاجة خالص من اللي قاله الأستاذ.
حمزة ضغط على صباعي تاني، كأنه بيقولي متتكلميش، أو كأنه بيقولي أنا هنا. حاولت أركز مع أستاذ أشرف عشان مريم متشكش، بس كل خلية في جسمي كانت مركزة على إيد حمزة. كان نفسي أشبك صوابعي في صوابعه، بس مكنتش أقدر. مش دلوقتي.
لما أستاذ أشرف خلص الحتة دي، رفع راسه وبص علينا كلنا. نظرة سريعة، كأنه بيراجع مين اللي سرحان. حمزة ساب إيدي بسرعة، وكأنها لسعة كهربا. بصيت في كتابي بجدية، وعملت نفسي بكتب ملاحظات.
الحصة عدت ببطء، وكل دقيقة كانت بتمر كانت بتسيب وراها أثر. قبل ما نخلص، أستاذ أشرف قال: "الواجب بتاعكم لغاية صفحة خمسة وتلاتين، يتسلم الحصة الجاية." الكل طلع تليفوناته عشان يصور الواجب أو يكتبه. حمزة استغل اللحظة، قرب مني وقال بصوت يكاد يكون مسموع: "هنستنى بعض بره، صح؟"
قلبي عمل حركات بهلوانية. هزيت راسي بالإيجاب، من غير ما أبص له. قمت لميت شنطتي بسرعة، وطلعت من أوضة الدرس، وأنا حاسة إن كل العيون علينا. بس ده إحساسي أنا، محدش كان باصص علينا أصلًا.
---
طلعت بره المبنى، والجو كان حر شوية، شمس العصر كانت بتلسع الوش. وقفت تحت الشجرة اللي قدام المبنى، المكان اللي بنتجمع فيه دايمًا بعد الدرس. مريم ولجين ونور كانوا جايين ورايا، بيضحكوا على حاجة قالها يوسف، اللي كان ماشي معاهم.
"أية، مش هتستني حد؟" سألتني مريم وهي بتعدي من جنبي. ابتسامتها كانت صافية، مفيش فيها أي شك. "لا هستنى حمزة وعبدالله، معاهم حاجة في كتابي." كذبت كذبة سريعة تاني، معرفش ليه بطلع الكدب بالسهولة دي دلوقتي. يمكن عشان أداري الحقيقة اللي جوايا.
بعد ما مشيوا، فضلت واقفة لوحدي. التوتر بدأ يزيد. كل مرة بنتفق نتمشى لوحدنا، بحس إنها المغامرة الأكبر في حياتي. شوية ولقيت حمزة طالع من باب الدرس، باصص حواليه، كأنه بيتأكد إن مفيش حد. أول ما شافني، ابتسامته انورت وشه. ابتسامة بتطمني، وبتخوفني في نفس الوقت.
"يلا بينا؟" قالها بصوت هادي، وهو بيقرب مني. عبدالله ويوسف كانوا وراه، وبيتكلموا بصوت عالي عن ماتش الكورة اللي هيتفرجوا عليه بليل. "يلا يا حمزة، منتأخرش، أمي هتقتلني." قال عبدالله وهو بيحاول يشد حمزة.
حمزة بصلي، وعينيه كانت بتوعد بحاجات كتير. "أية، مروحة؟" سألني يوسف، يمكن حس بحاجة غريبة في نظرتنا لبعض. "آه، بس مستنية حمزة يخلص كلام مع عبدالله." جاوبت بسرعة. حمزة سحب إيده من عبدالله، وقال: "أنا هوصل أية، وانتوا روحوا." نظرة عبدالله ليوسف كانت فيها شك بسيط، بس يوسف كان مشغول بالتليفون بتاعه، مردش. مشيوا هما الاتنين، وسابونا لوحدنا.
المشي في الشوارع الجانبية، كانت هي دي اللحظة اللي بنستناها طول الأسبوع. الشوارع الضيقة اللي مفيهاش ناس كتير، البيوت القديمة اللي لونها باهت، والريحة الخفيفة لتراب الصيف. حمزة حط إيده في جيبه، وقرب مني لدرجة كتفي لمس كتفه. حسيت بدفا جسمه جنبي. "خفت إنهم ميمشوش." قال بصوت واطي، كأنه لسه بيتكلم في الدرس.
"أنا كمان." جاوبته، وقلبي لسه بيدق نفس الدقات المجنونة. إيده طلعت من جيبه، ومسكت طرف صباعي تاني. اللمسة دي، دي بقت بتاعتنا. الرمز السري بتاعنا. مشينا شوية، والسكوت كان مريح، مليان بكلام كتير مش محتاج يتقال. بعدين، لقيته شدني ناحية حيطة بيت قديم، لونها أزرق مقشر.
بص حواليه بسرعة، ومسك وشي بإيديه الاتنين. عينيه كانت بتقولي كلام كتير، كلام أكبر من سننا. "وحشتيني." قالها بصوت مبحوح. قبل ما أقدر أرد، لقيته قرب شفايفه مني. أول بوسة، كانت زي شرارة كهربا. خفيفة، سريعة، بس حرقتني من جوه. رجعت لورا بسرعة، قلبي كان هيطلع من مكانه. "حمزة، ممكن حد يشوفنا!" همست بخوف.
ضحك ضحكة خفيفة، بس عينيه كانت لسه فيها نفس الشرارة. "محدش هيشوفنا. احنا أبطال في الاختفاء." سحبني تاني، وقربني منه. جسمي كان بيترعش من القرب ده. إيده نزلت على وسطي، وبشدة خفيفة، ضميت دراعاتي حوالين رقبته. الريحة بتاعته، خليط من عطر رجالي خفيف وريحة الشمس على جلده، كانت بتدوخني. البوسة التانية كانت أطول، أعمق. حسيت إن روحي بتطير.
---
يوم المدرسة كان دايماً أصعب في السيطرة على مشاعرنا. مفيش ترابيزة تحتها نخبّي إيدينا، ومفيش شوارع جانبية هادية. كل عينينا مكشوفة. كنا في الفسحة، قاعدين على الدكة اللي جنب شجرة التوت الكبيرة في حوش المدرسة. الشلة كلها كانت موجودة: عبدالله، يوسف، عمر، عمار، ومريم، وأروى، ولجين، ونور.
حمزة كان بيحاول يغيظني. كان بيحكي عن امتحان العلوم اللي الأستاذ قاله إنه هيجيبه صعب، وهو عارف إني بكره العلوم. "أية، يا أية، شكلك هتسقطي في العلوم." قالها بضحك، وهو بيشاور عليا. كنت قاعدة جنبه، وبعمل نفسي متضايقة، بس من جوه كنت مبسوطة إن اهتمامه كله عليا.
"بس يا حمزة!" قلتله بصوت عالي شوية، عشان أبان إني متضايقة بجد. مريم لقت الفرصة تتدخل: "سيبها يا حمزة، أية شاطرة وهتنجح." دافعت عني بحسن نية، وهي متعرفش إن دفاعها ده بيخليني أحس بالذنب أكتر.
نور كانت ماسكة تليفونها بتصور، وواخدة كام صورة لينا كلنا، وبتضحك. "لحظات تاريخية!" قالت وهي بتورينا الصور. حمزة مد إيده ناحية تليفونها، عشان يشوف الصور. كان فيه صورة لينا أنا وهو، قاعدين جنب بعض، حمزة كان باصصلي، وأنا كنت باصة في الأرض بابتسامة خفيفة.
عمر قال بصوت عالي: "أية وحمزة، عاملين زي إخوات، طول الوقت بيتخانقوا ويتصالحوا." الكلمة دي وجعتني، مع إنها كانت بتخبي سرنا. إخوات؟ ياريتها كانت إخوات بس. كنت بتمنى أكتر بكتير من الأخوة.
حمزة بصلي بسرعة، نظرة خفيفة فهمت معناها: "محدش شك في حاجة." حاولت أطمن نفسي. بس كان في حاجة مريبتني. نظرة أروى، كانت سارحة فينا شوية، كأنها بتحاول تفهم حاجة. كنت بتمنى أكون بتخيل، بس عين أروى كانت لسه بتراقبنا، حتى بعد ما رجعت تتكلم مع لجين.
الفصل كان زحمة، وكنت بتمنى إن اليوم يخلص. في حصة الرسم، المستر سابنا نرسم أي حاجة عايزينها، وكنت برسم وردة حمرا، بس كل فكرة كانت بتيجي في بالي هي حمزة. حسيت حد خبطني في كتفي. كانت أروى، قاعدة الكرسي اللي ورايا.
"أية، ممكن أقولك حاجة؟" صوتها كان هادي لدرجة إني مسمعتوش كويس. لفتلها، وبصيت في عينيها. كانت ملامحها جدية، وده مش طبعها. "إيه يا أروى؟" سألتها، وقلبي بدأ يخفق بقوة.
"حمزة ده، إيه حكايته معاكي بالظبط؟" السؤال نزل عليا زي الصاعقة. كنت عايزة أقولها مفيش حاجة، كنا إخوات زي ما عمر قال. بس الحقيقة كانت أكبر بكتير من الكدبة دي. عين أروى كانت بتستني إجابة، وملامحها مكانتش بتطمن خالص. الحبر اللي في قلمي وقع على ورقة الرسم، وساب بقعة كبيرة على الوردة الحمرا، كأنها نقطة دم.
---
رجعت البيت وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر. كلمة أروى كانت بتتردد في وداني زي الجرس. "حمزة ده، إيه حكايته معاكي بالظبط؟" هل هي شافت حاجة؟ هل هي شكت فينا؟ قفلت باب أوضتي بسرعة، ورميت شنطتي على الأرض. بصيت في المراية، وشي كان أحمر، وعيني واسعة من الخوف.
طلعت تليفوني بسرعة، وفتحت الشات بتاع حمزة. كنت عايزة أقوله على طول، عايزة أحذره. بس إيدي كانت بتترعش، ومش عارفة أكتب إيه. "أروى سألتني." بس كده؟ هيفهم إيه؟ ممكن يتهور ويعمل أي حركة تكشفنا أكتر.
مسكت التليفون وقربته من ودني، مترددة أتصل بيه ولا لأ. في الآخر، قررت أبعتله رسالة صوتية. "حمزة، أنا خايفة أوي. أروى سألتني عنك في المدرسة. أنا مش عارفة هي شافت إيه بالظبط، بس كلامها كان غريب." صوتي كان بيترعش، وحاولت أخليه واطي عشان أمي متسمعش أي حاجة من الصالة.
كنت مستنية رده على نار. كل دقيقة بتمر كانت بتحسسني إن الوقت بيطول أكتر. أروى ممكن تقول لأي حد. ممكن تقول لمريم، أو لنور، أو للولاد. لو السر ده اتكشف، مش عارفة إيه ممكن يحصل. أهلنا ممكن يعرفوا. ده ممكن يوصل لأستاذ أشرف أو إدارة المدرسة.
بعد حوالي خمس دقايق، التليفون عمل فايبريشن. رسالة من حمزة. فتحتها بسرعة، قلبي كان بيجري سباق. "إيه اللي حصل بالظبط يا أية؟" كان صوته قلقان، وده قلل من خوفي شوية. على الأقل، أنا مش لوحدي في الموضوع ده.
رديت عليه برسالة كتابية: "مش عارفة. سألتني إيه حكايتك معايا بالظبط. مكانتش بتهزر يا حمزة، كانت جد أوي." بعت الرسالة، وبعدها بثواني جالي اتصال منه. رديت على طول، ومسكت التليفون بإيد بترتعش. "أية، اهدي بس. هي شافت حاجة؟ أنا عملت أي حاجة قدامها؟" صوته كان بيحاول يكون هادي، بس القلق كان باين فيه.
"مش عارفة يا حمزة، بس نظراتها كانت غريبة طول اليوم. أنا حاسة إن في حاجة. إيه هنعمل إيه دلوقتي؟" الدموع بدأت تتجمع في عيني. كنت حاسة إن كل حاجة بنيناها هتقع في لحظة واحدة. كل اللمسات، كل البوسات، كل الكلمات السرية، كل ده كان ممكن ينتهي.
حمزة سكت لحظة. السكوت ده كان أصعب من أي كلام. بعدين قال: "لازم نعرف هي شافت إيه بالظبط. متقلقيش، هنلاقي حل." كلامه كان بيحاول يطمني، بس في نفس الوقت مكنش عندي أي ثقة في اللي جاي. فجأة، سمعت صوت خبط خفيف على باب أوضتي. قلبي وقع في رجلي.
"أية، افتحي الباب يا حبيبتي، عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم." ده كان صوت أمي. بصيت للتليفون، وقلت لحمزة بصوت واطي ومترعش: "أمي على الباب." قبل ما أقدر أسمع رده، سمعت صوت أمي بتفتح باب الأوضة وهي بتقول: "أية، ممكن أعرف إيه ده؟"