Chapter 2

Chapter 2 of 2

الفصل الثاني: دماء الحقيقة وخضوع الجبروت

1.5k words

تغلغل البرد القارس في مفاصل القاعة الكبرى، حاملاً معه رائحة الخوف المنبعثة من أجساد الجواري المستسلمات اللواتي كن يرتجفن تحت نظرات الحراس القاسية. تحت الطاولة الخشبية الثقيلة، كانت يد الرجل تضغط على ركبة كيلي بقسوة مفرطة، محاولةً ترك علامات زرقاء على جلدها الناعم كنوع من فرض السيطرة والتعذيب النفسي. أدركت كيلي منذ اللحظة الأولى أن هذا الرجل ليس سيدها الحقيقي، رغم التطابق المذهل في الملامح والجسد الذي قد يخدع أي عين عادية. كانت رائحة الخمر الرخيصة المنبعثة من فمه تختلف تماماً عن عطر العود والصندل الفاخر الذي يميّز كاسيان الحقيقي، والذي كان دائماً يغمر حواسها بالأمان والجاذبية. بينما كانت الجواري يتراقصن في وسط القاعة تحت تهديد سياط الحراس، رأت كيلي نظرات الرجل وهي تلتهم أجسادهن بنهم مبتذل ورخيص. لم يكن كاسيان الحقيقي ليوجه نظرة واحدة لامرأة أخرى في وجودها، بل كان يغمض عينيه أو يغادر المكان كلياً إن اضطر للتواجد في محفل كهذا، غيرةً عليها وتقديساً لعلاقتهما. يقدس كاسيان وجودها بطريقة تجعله يرى جميع النساء مجرد دمى بلا روح، عداها هي التي تتربع على عرش قلبه المظلم وتتحكم في نبضات جوارحه العنيفة. «لماذا لا تأكلين يا حلوتي؟» سألها الرجل بنبرة ساخرة تحمل نبرة تهكم لم تعهدها من قبل، وهو يدفع بقطعة من اللحم المقدد نحو فمها بخشونة بالغة كادت تجرح شفتيها. حاولت التراجع برأسها إلى الخلف ببطء، لكن قبضته القوية التفت حول خصلات شعرها الذهبي فجأة، جابرة إياها على البقاء في مكانها ومواجهة عينيه الباردتين. «أنتِ لست كاسيان»، همست كيلي بنبرة باردة وواثقة، متحدية الألم الذي بدأ يشتعل في فروة رأسها بسبب قبضته العنيفة التي تزداد ضيقاً. توقفت حركته فجأة، وتجمدت الابتسامة الساخرة على شفتيه الغليظتين، بينما تراجعت حدقتا عينيه بذهول وصدمة لم يستطع إخفاءهما خلف قناعه الزائف. بسرعة، تدارك الرجل صدمته وحولها إلى ضحكة مكتومة مليئة بالشر، مقترباً بوجهه من أذنها حتى شعرت بأنفاسه الحارة المقززة تلامس بشرتها. «ذكية جداً يا عاهرة أخي»، قال بنبرة تفيض بالحقد الدفين والغل المتراكم عبر السنين. «لكن ذكاءكِ لن ينقذكِ مني الليلة، فقد حان الوقت لإنهاء هذه المهزلة التي تعيشينها.» عرفت كيلي في تلك اللحظة هوية الرجل الحقيقية؛ إنه شقيق كاسيان التوأم الذي نُفي منذ سنوات طويلة إلى أطراف المملكة الموحشة بسبب خيانته وجشعه. منذ رحيله، لم يتوقف هذا الشقيق الحاقد عن التآمر ضد كاسيان، مدفوعاً بهوسه الأعمى بامرأة تدعى ديلة، تلك المرأة التي رفضها كاسيان وطردها من حياته لعدم جدارتها. أراد الشقيق التوأم الانتقام لديلة وإرضاء كبريائه الجريح، معتقداً أن تدنيس كيلي وإذلالها سيكسر كبرياء كاسيان ويهيئ الطريق لديلة لتعود كملكة متوجة على عرشه. «ديلة لا تستحق حتى أن تكون خادمة تحت أقدام كاسيان»، قالت كيلي بنبرة هادئة حملت كل معاني الاحتقار، وهي تبتسم برغم قبضة يده التي تشتد على شعرها بغضب. اشتعلت عينا الشقيق بنيران الغضب الأعمى، وارتفعت يده الحرة في الهواء بسرعة، مستعدة لتوجيه صفعة قوية تدمي وجهها الرقيق وتكسر كبرياءها المستفز. في تلك اللحظة بالذات، دوت صرخة حارس عند المدخل الرئيسي للقاعة، تلتها جلبة عنيفة وصوت عظام تتكسر بوضوح مرعب تحت وطأة قوة غاشمة. انفجرت الأبواب الخشبية الضخمة إلى قطع صغيرة متناثرة بفعل قوة هائلة، مرسلة شظايا الخشب في كل اتجاه كأنها شظايا قنبلة موقوتة. وقف هناك، عند العتبة المظلمة، كاسيان الحقيقي بكل هيبته وجبروته الذي يرتعد له الموت نفسه وتخضع له الرقاب طائعة أو مجبرة. خطا إلى الداخل ببطء شديد، يحيط به هدوء مرعب وعيناه تشتعلان بنيران الغضب النقي، بينما كانت عباءته السوداء الطويلة تجر خلفه كأثر مخيف لضحاياه القادمين. تسمر الجميع في أماكنهم كأنهم تماثيل من شمع، وتوقفت الموسيقى الرخيصة فجأة، وحبس الحراس أنفاسهم خوفاً من الموت الذي سار على قدمين أمام أعينهم. لم ينظر كاسيان إلى أي من النساء العاريات اللواتي كن يرتجفن رعباً، بل كانت عيناه مثبتتين بالكامل على كيلي، وتحديداً على اليد التي كانت لا تزال تمسك بشعرها الذهبي. برزت عروق عنقه وجبينه بشكل مخيف كأنها أفاعٍ تتحرك تحت جلده، والتهب فكه المنحوت بغضب جامح كاد يفجر ملامحه المهيبة والخطيرة. «أفلتها»، قال كاسيان بصوت منخفض جداً، لكنه حمل وزناً ثقيلاً جعل جدران القاعة الصخرية تهتز رعباً وتعلن عن قدوم العاصفة المدمرة. شحب وجه الشقيق التوأم تماماً حتى صار بلون الموتى، وتراجعت الثقة من ملامحه ليحل محلها رعب قاتل جعل جسده القوي يرتعش بشكل ملحوظ أمام الجميع. «كاسيان... أخي... أنا فقط كنت أحاول تعليمهما الأدب...» تعثرت الكلمات في حلقه وهو يحاول التراجع إلى الخلف، ساحباً كيلي معه ليتخذها درعاً بشرياً يحميه. لم يمنحه كاسيان فرصة لإكمال جملته السخيفة أو حتى للتفكير في طريقة للنجاة من مصيره المحتوم الذي خطه بيديه القذرتين. تحرك بسرعة تفوق الخيال البشرى، متجاوزاً المسافة الكبيرة بينهما في جزء من الثانية، بطريقة عجزت الأعين عن ملاحقتها أو استيعابها. لمح الجميع بريق نصل فضي حاد يقطع الهواء البارد بحركة خاطفة وقاتلة لم تترك مجالاً لأي دفاع أو تراجع. قبل أن يتمكن الشقيق من الصراخ أو التوسل برباط الدم، اخترق النصل حنجرته بدقة متناهية وقوة مرعبة قطعت أنفاسه وكلماته إلى الأبد. تدفق الدم الساخن بغزارة من عنقه المقطوع، ليرش وجه كيلي وثوبها بقطرات حمراء دافئة، معلناً نهاية الخديعة وبداية فصل جديد من الولاء المطلق. سقط الجسد الهامد على الأرض الخشبية بصوت مكتوم، وعيناه متسعتان بذهول الموت المفاجئ الذي لم يحسب له حساباً في خطته الانتقامية الفاشلة. ساد صمت مطبق في القاعة الواسعة، صمت لم يقطعه سوى أنفاس كيلي المتسارعة وصوت قطرات الدماء التي تسقط من النصل الفضي لتصنع بقعاً حمراء داكنة. التفت كاسيان نحوها ببطء، وسقط النصل الملطخ بالدماء من يده ليرتطم بالأرض مصدراً رنيناً معدنياً حاداً تردد صداه في أركان القاعة الصامتة. في تلك اللحظة، اختفى كل الجبروت والقسوة من ملامح الطاغية المرعب، وحلت مكانهما نظرة انكسار ورجاء لم يجرؤ أحد على رؤيتها فيه من قبل. ركع كاسيان على ركبتيه أمامها مباشرة، غير مكترث بالدماء التي لوثت سرواله الفاخر أو بمظهره المهيب أمام حراسه ورجاله الذين يراقبون المشهد بذهول تام. أمسك بيديها المرتجفتين ببطء شديد ورقة بالغة، وكأنه يلمس زجاجاً قابلاً للكسر في أي لحظة، متوسلاً بعينيه اللتين امتلأتا بالدموع الحارقة والندم. «سامحيني»، همس بصوت متهدج يرتجف بالندم والأسى الشديد، وعيناه تفيضان بألم حقيقي وعميق زلزل كيانه القوي. «سامحيني يا ملكتي... لقد سمحت لهذا القذر بتدنيس وجودكِ العظيم والاقتراب منكِ باسمي، ولم أكن هنا لأحميكِ من حقده الدنيء.» انحنى برأسه حتى لامست جبهته ركبتيها، في حركة خضوع تام واعتذار عميق لم يكن لتصدر من رجل بقوته وجبروته لأي مخلوق على وجه الأرض. «علمتُ أنه ليس أنت»، قالت كيلي بصوت ناعم يحمل كل الدفء واليقين، وهي تمد يدها لتربت على شعره الأسود الكثيف برقة بالغة تحنو عليه. مدت ذراعيها لتبسطهما حول كتفيه العريضتين، جاذبة إياه إلى صدرها لتدفنه في حضنها الدافئ الذي يمثل ملجأه الوحيد في هذا العالم القاسي والموحش. استجاب لضمها فوراً، مستنشقاً رائحتها بعمق وكأنه يبحث عن الخلاص من ذنبه في حضنها، متشبثاً بها كغريق وجد طوق النجاة في بحر هائج. «أعلم أنك لا تؤذيني أبداً»، همست في أذنه وهي تمسح دمعة تسللت من عينيه الحادتين اللتين لم تبكيا يوماً أمام صديق أو عدو. «وأعلم أن عينيك لا تلتفتان لغيري، ولا تحب رؤية أجساد نساء غيري، لأنك تقدسني بطريقتك الخاصة وتغار عليّ من النسمة.» تنهد كاسيان بعمق، شاداً قبضته على خصرها برفق، مستمتعاً بوجودها الذي يعيد إليه إنسانيته المفقودة ويخفف من وطأة الوحش الكامن في صدره الجريح. «سأبيد كل من يجرؤ على النظر إليكِ بطريقة لا تليق»، قال وعيناه تشتعلان بالوعيد والتهديد المستقبلي لكل من يجرؤ على تخطي حدوده معها. مسحت كيلي قطرات الدماء عن وجهه بلطف، متجاهلة الجثة الهامدة الملقاة على بعد خطوات منهما، والتي كانت قبل قليل تهدد حياتها وكبرياءها. كانت هادئة تماماً، فالخوف الذي كان يتملكها قبل قليل قد تلاشى وحل محله شعور بالأمان المطلق في حضن هذا الوحش الذي لا يروضه أحد سواها. وقف كاسيان ببطء، حاملاً إياها بين ذراعيه العريضتين بسهولة فائقة، دون أن يرفع عينيه عن وجهها الجميل الذي يمثل له الجنة والنار معاً. أشار برأسه للحراس ببرود تام، آمراً إياهم بالتخلص من جثة شقيقه وتطهير المكان فوراً وإعدام كل من شهد هذه الإهانة لمليكته دون تردد. سار بها خارج القاعة المظلمة، متوجهاً نحو جناحه الخاص حيث يمكنه تطهير جسدها من دنس نظرات شقيقه الراحل وإعادتها إلى مكانتها الرفيعة. --- خطواته الهادئة والمنتظمة كانت ترن في الممرات الطويلة المؤدية إلى الجناح الملكي، محاطة بصمت مهيب يفرضه خوف الخدم والحراس من بطشه الشديد. فتح الباب الخشبي الضخم بكتفه، ودخل الحجرة الواسعة التي تفوح منها رائحة البخور النادر والزهور البرية التي يجمعها خصيصاً لكيلي كل صباح. برفق شديد، وضعها على السرير الوثير المغطى بالحرير الأسود الناعم الذي يعكس بريق جسدها الفاتن تحت ضوء الشموع الدافئ واللطيف. جلس بجانبها على حافة السرير، وعيناه لا تفارق تفاصيل وجهها، كأنه يحاول التأكد من أنها لا تزال حية ولم يمسسها سوء حقيقي بغيابه. أحضر وعاءً فضياً مليئاً بالماء الدافئ وقطعة قماش بيضاء ناعمة، وبدأ يمسح وجهها ورقبتها برقة متناهية لا تتناسب مع يديه الخشنتين. كانت حركاته دقيقة ومدروسة، يزيل كل قطرة دم صغيرة علقت بجلدها الناعم، وكأنه يمحو أثر الجريمة والإهانة من ذاكرتها وجسدها الرقيق. «أخي لم يكن يعمل بمفرده الليلة»، قال فجأة بصوت منخفض ومنذر بالخطر، وعيناه تظلمان بشكل مخيف يعيد للأذهان صورته كطاغية لا يرحم أعداءه. نظرت إليه كيلي بتساؤل، مستشعرة التوتر الجديد الذي خيم على الأجواء، والذي يبدو أنه يحمل في طياته عواصف جديدة ستهز أركان القصر قريباً. «ديلة ليست سوى واجهة لمؤامرة أكبر بكثير»، تابع كاسيان وهو يضغط على يدها بقوة طفيفة، كأنه يستمد منها القوة لمواجهة ما هو قادم. «هناك من دفع له ليدخل إلى هنا ويستبدلكِ بها، شخص يملك مفاتيح القصر بأكمله ويعرف كيف يتلاعب بالجميع، شخص وثقتُ به لسنوات طويلة.» قبل أن تتمكن من الرد أو استيعاب حجم الخطر، دوت طرقة خفيفة ومستعجلة على باب الجناح، تلاها صوت خادم متهدج بالرعب ينادي سيده بلهفة. «سيدي... لقد وجدنا رسالة مخبأة في ثياب شقيقك... رسالة تحمل الختم الملكي الخاص بوالدك الراحل، وتكشف عن خائن لا يتوقعه أحد.»

End of Chapter 2