Chapter 1

Chapter 1 of 2

Chapter 1: تحت ستارٍ من القسوة

1.3k words

أرخى الظلام أجنحته الثقيلة على القاعة الفسيحة. لم تكن ظلمةً مطبقة، بل خافتةً، كأنها تحاول إخفاء ما يدور خلف ستارٍ سميكٍ من اللامبالاة. ارتفعت رائحةٌ ممزوجةٌ بالبخور الفاخر والعرق القديم، حكايةٌ صامتةٌ لكل ليلةٍ مضت. انبعث صوتُ أنينٍ مكتومٍ، بالكاد يُسمع، يختلط بهمهمةٍ خافتةٍ من زوايا الغرفة. كانت الجدران العالية مزينةً بنقوشٍ ذهبيةٍ، تتلألأ بخفوتٍ تحت ضوء الشموع القليلة الموزعة بعناية. أرضيةٌ رخاميةٌ باردةٌ عكست الأضواء الضئيلة، مضفيةً على المكان شعوراً بالفخامة الباردة. في منتصف القاعة، نصبت طاولةٌ خشبيةٌ ضخمةٌ، تبدو وكأنها قطعةٌ أثريةٌ من زمنٍ مضى، صقيلةٌ وداكنةٌ، تعلوها أجسادٌ بشريةٌ. استلقت أربعُ نساءٍ فوق سطحها المصقول، كلٌ على حدةٍ، تحت أنظار الحراس الواقفين كتماثيل من الرصاص. بدت ملامحهن باهتةً، كأن أرواحهن غادرت أجسادهن منذ زمنٍ طويل. عيونهن شاخصةٌ نحو السقف، بلا تعبير، بلا دمعة. كانت أطرافهن ممددةً بتكاسلٍ، لكن أجسادهن كانت مشدودةً، تستقبل أفعالاً متكررةً. كشفت أجسادهن عن تفاصيلٍ محرجةٍ. بوضوحٍ تامٍ، تراءت أعضاؤهن التناسلية مكشوفةً، عاريةً تماماً أمام عيونٍ لا ترف. وضع الحراس أيديهم بانتظامٍ، يحملون آلاتٍ غريبةً، لامعةً، مصممةً لغرضٍ واحدٍ قاسٍ. بدأوا بإدخال تلك الأجهزة المخصصة في ما بين فخذيهن، بحركةٍ آليةٍ متكررةٍ، بلا هوادةٍ، كأنهم يؤدون طقساً يومياً. تصاعدت أصواتٌ خافتةٌ من الأجهزة، تشبه طنيناً خفيفاً، يختلط بالصمت المطبق للقاعة. تمايلت أجسادُ النساء بشكلٍ لا إراديٍ مع كل إدخالٍ، كأغصانٍ ضعيفةٍ تهزها ريحٌ عاتيةٌ. لم تكن هناك مقاومةٌ ظاهرةٌ، فقط استسلامٌ مريرٌ، منقوشٌ على وجوههن المتجمدة. جلست كيلي على كرسيٍ فاخرٍ، بعيداً قليلاً عن بؤرة المشهد، لكنها لم تكن بمنأى عن قسوته. كانت ترتدي ثياباً كاملةً، فستاناً داكناً ينسدل فوق ركبتيها، يحيط بها هالةٌ من الاختلاف. بدت هي الوحيدة التي لم تتعرَّ، الوحيدة التي حافظت على قشرةٍ خارجيةٍ من الكرامة. عضت شفتها السفلى بقوةٍ، حتى شعرت بطعم الدم المعدني. كانت عيناها تتجولان في الأرجاء، لا تثبتان على شيءٍ واحدٍ، محاولةً تجنب مشاهدة ما يجري أمامها، لكن المشهد كان يفرض نفسه بقوةٍ لا تُقهر. ارتجف جسدها النحيل بلا توقفٍ، رغم ثباتها الظاهري. كانت يداها متشابكتين بإحكامٍ في حجرها، مفاصل أصابعها بيضاءَ من شدة الضغط. حاولت أن تتنفس بعمقٍ، لكن الهواء بدا ثقيلاً، مشبعاً باليأس. كل دقيقةٍ تمر، كانت تشعر بها كأنها دهرٌ، تضاف إلى عمرٍ من العذاب. نظر إليها كاسيان بنظرةٍ باردةٍ، وهو يجلس قبالتها على الجانب الآخر من الطاولة، يستمتع بقهوته الداكنة. كان رجلاً ذا حضورٍ طاغٍ، عريضَ المنكبين، عضلاتُه تبرز تحت قميصه الحريري الأسود. غطى شعره الأسود الغزير جبهته قليلاً، لكن عينيه كانتا حادتين، تتوهجان بلونٍ أخضرَ داكنٍ، كعينَي ضبعٍ جائعٍ. ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفةٌ، بالكاد مرئيةٌ، لكنها كانت تحمل في طياتها وعيداً خفياً، وعداً بالمزيد من الألم. امتدت يده الكبيرة، ثم أمسك بقطعةٍ من اللحم المقدد كانت ملقاةً على طبقٍ فضيٍ بجانبه. كانت الشرائح ورديةً، رقيقةً، دهنيةً، تفوح منها رائحةٌ مالحةٌ شهيةٌ. لم يترك لها وقتاً للتفكير أو للمقاومة. انحنى كاسيان فجأةً تحت الطاولة، بحركةٍ سلسةٍ وقويةٍ. غاب جسده العلوي للحظاتٍ، تاركاً فقط صوتاً خافتاً لأصابعٍ تتحرك. شعرت كيلي ببرودةٍ مفاجئةٍ بين فخذيها. توسعت عيناها فزعاً، واجتاحها شعورٌ بالغثيان. لم تستطع أن تتحرك، كانت كأنها مسمرةٌ في مكانها، محبوسةً داخل جسدها المرتجف. تحسست قطعة اللحم المقدد وهي تدخل برفقٍ، ثم بقوةٍ أكبر، إلى فرجها العاري. كان هذا فعلٌ متكررٌ، روتينيٌ بالنسبة له، لكنه كان يمزقها إرباً في كل مرةٍ. تيبست عضلاتُها الداخلية، حاولت الانكماش، الرفض، لكن لا سبيل للمقاومة. عادت يدُ كاسيان لتظهر من تحت الطاولة، تحمل قطعة اللحم المقدد المبللة، المتسخة. رفعها ببطءٍ نحو فمه، لم يزل نظره مثبتاً على كيلي، يراقب ردة فعلها بكل تفصيلٍ. أكل اللحم ببطءٍ، بتلذذٍ واضحٍ، كأنه يتناول أشهى الأطباق. سالت قطراتٌ دهنيةٌ من زوايا فمه، بينما كانت عيناه تستمتعان برؤية كيلي وهي تتجرع مرارة الموقف. تكررت هذه الحركة بلا مللٍ. كل دقيقةٍ تمر، كان كاسيان ينحني مجدداً. كان يدخل اللحم المقدد، يخرجه، ثم يأكله، كل ذلك مع الحفاظ على صمته المطبق ونظرته الثاقبة. شعرت كيلي بانسحابٍ كاملٍ من ذاتها، كأن روحها قد غادرت جسدها بالفعل. لم تعد تشعر بالخجل، ولا حتى بالألم الجسدي الحاد. فقط فراغٌ هائلٌ، وصدمةٌ عميقةٌ، ورغبةٌ جامحةٌ في أن تختفي من الوجود. تزايدت دقاتُ قلبها لتصبح طبولاً صاخبةً في أذنيها. أغمضت عينيها للحظةٍ، محاولةً أن تتخيل نفسها في مكانٍ آخر، بعيداً عن هذا الكابوس، لكن الصور كانت تلتصق بجفونها، لا تفارقها. فتحت عينيها من جديدٍ، لترى كاسيان ينحني مرةً أخرى، وابتسامته الباردة تزين وجهه. كانت الأنفاس تخرج منها بصعوبةٍ، كأنها تحاول الهروب من فخٍ محكمٍ. لاحظت بقعةً صغيرةً من الدم على الفستان الداكن، أدركت أنها قد عضت شفتها بقوةٍ مفرطةٍ. لم تعد تشعر بالوجع، فقط بهذا الإحساس الغريب بالانفصال عن جسدها. استمر الحراس في عملهم الرتيب، لا مبالين بأي شيءٍ آخر. كانت أصوات الأجهزة تزداد حدةً أحياناً، ثم تخفت، كأنها تتنفس ببطءٍ وثباتٍ. كانت أجساد النساء ترتجف بشكلٍ خفيفٍ مع كل حركةٍ، لكن صمت القاعة لم ينكسر إلا بصوتِ الأنين المكتوم. تمنت كيلي لو أنها تستطيع الصراخ، أو البكاء، أو حتى أن تنهار تماماً، لكنها لم تستطع. كانت محاصرةً في قفصٍ غير مرئيٍ، مصنوعٍ من الخوف واليأس. كانت كل خليةٍ في جسدها تتوق إلى الهروب، لكن قدميها رفضتا أن تتحركا. رفع كاسيان رأسه مجدداً، قطعةٌ أخرى من اللحم المقدد بين أصابعه. تتبعها بنظره، يمعن النظر في كيلي، وكأنها وجبةٌ لا تُشبع. لم يعد اللحم مجرد طعامٍ، بل كان وسيلةً للتحكم، أداةً للتعذيب النفسي. أحست بدمعةٍ ساخنةٍ تتدحرج على خدها، حارقةً، علامةً على أنها لم تفقد كل شيءٍ بعد. حاولت أن تمسحها سريعاً، لكنها كانت قد تركت أثراً واضحاً على بشرتها الشاحبة. كان كاسيان يراقبها، تزداد ابتسامته اتساعاً، وكأن تلك الدمعة كانت هي الجائزة التي ينتظرها. أصبحت الدموع تتساقط بصمتٍ، غزيرةً، بلا صوتٍ. كانت تنحدر على وجهها، تختلط بملوحةٍ غريبةٍ. أدركت أن هذا ليس بكاءً عادياً، بل هو فيضانٌ لروحٍ محطمةٍ، تحاول إيجاد مخرجٍ لنفسها. أصبحت تفاصيل الغرفة تتلاشى حولها، كأنها تغوص في بحرٍ من الضباب. لم تعد ترى سوى وجه كاسيان، المتلذذ، واللحم المقدد الذي يتناوله. بدا وكأنه يمتص حياتها، يوماً بعد يومٍ، قطعةً بعد قطعةٍ. شعرت بأنها تتقلص، تذبل، تتحول إلى مجرد ظلٍ لكيانها السابق. بدأ كاسيان يتكلم أخيراً، صوته كان هادئاً، خافتاً، لكنه يحمل قوةً لا تُقاوم. كان يتكلم ببطءٍ، يتوقف بين الكلمات، وكأنه يريد أن يغرز كل حرفٍ في أعماق روحها. كانت كلماته كخناجر باردةٍ، تنهال على قلبها المنهك. "كيلي..." نطق اسمها ببطءٍ، كأنه يتذوقه على لسانه. "أنتِ مختلفةٌ. هذا هو سبب بقائكِ هنا، في هذا المكان الذي يخصني أنا وحدي." اختلطت أصوات الأجهزة الحادة بأنين النساء، ثم توقف كل شيءٍ فجأةً. خيم صمتٌ رهيبٌ على القاعة، لم يقطعه سوى أنفاس كيلي المضطربة وكلمات كاسيان الثقيلة. نظرت الحارسان إليها، كانت عيونهما جامدتين، خاويتين من أي تعبير. لم تكن هناك رحمةٌ في نظراتهما، ولا أي بصيص أمل. كانتا مجرد أدواتٍ، تنفذ الأوامر دون سؤال. توقف كاسيان عن الأكل. وضع ما تبقى من اللحم المقدد على الطبق الفضي. رفع رأسه، وتلاقت عيناه مع عيني كيلي مباشرةً. كانت نظراته تخترقها، تبحث عن أي شرارةٍ للمقاومة، عن أي بصيصٍ للحياة. كان يريد أن يرى انهيارها الكامل، أن يمتلك روحها قبل جسدها. أشار بإصبعه نحو النساء على الطاولة، ثم نحو كيلي. "بالنسبة لهن..." قال بصوتٍ خفيضٍ، "القذارة هي كل ما يملكن. لكن بالنسبة لكِ، يا كيلي، القذارة هي البداية فقط. أنتِ لم تري بعد أين يمكن للقذارة أن تقودكِ." أحسَّت كيلي ببرودةٍ قارسةٍ تتسلل إلى عظامها، أشد من برودة الرخام. كانت كلماته كالوعد المروع، الوعد الذي تعرف أنه سيتحقق. لم يكن ذلك تهديداً، بل كان إعلاناً، حكماً لا رجعة فيه. رفعت رأسها قليلاً، على الرغم من أن كل خليةٍ في جسدها كانت تصرخ بالخضوع. أرادت أن تراهن، أن تظهر له أنها لم تكسر بعد تماماً، لكنها لم تجد القوة الكافية حتى لإظهار نظرة تحدٍ. كانت عيناها فارغتين، تعكسان الرعب الصامت. لم تفهم المعنى الكامل لكلماته، لكنها أدركت أن ما ينتظرها يتجاوز كل ما تخيلته. كان كاسيان يبتسم ابتسامةً عريضةً الآن، مكشوفةً، خاليةً من أي قناعٍ، ابتسامةً انتصارٍ مرعبةٍ. "لأنكِ يا كيلي..." نطقها، ويده امتدت لتمسك بخصلةٍ من شعرها الأسود، يلفها حول إصبعه ببطءٍ، "أنتِ عاهرتي المفضلة، وسأعلمكِ معنى الطاعة الحقيقية، حتى في أحلامكِ." ---

End of Chapter 1

Previous
Next Chapter