Chapter 1 of 16
Chapter 1: نظرة من بعيد وبداية الحكاية
966 words
وقفت آية قدام المراية الكبيرة اللي في أوضتها في حي المنهل. كانت بتظبط الطرحة الكشمير للمرة العشرون تقريباً. مريم كانت قاعدة على طرف السرير، بتلعب في موبايلها بملل واضح وتنفخ بضيق.
"يا بنتي ارحمينا بقا!" مريم قالت وهي بتبص في الساعة. "المستر قال اللي هيتأخر دقيقة مش هيدخل، وإحنا لسه هنركب للعاشر. الشارع تحت واقف خالص النهاردة."
آية ماردتش عليها علطول. كانت بتبص لملامحها، لعيونها الواسعة، وبتفكر لو شكلها كده كويس. "ثانية واحدة بس يا مريم، الشنطة تقيلة أوي والكتب مش راضية تتظبط جوه. تفتكري الطقم ده شكله حلو؟"
مريم ضحكت ضحكة عالية ورمت الموبايل على السرير. "آه يا سيدي، الطقم يجنن. بس قوليلي بصراحة، الشياكة دي كلها عشان درس الرياضة الصعب، ولا عشان حد تاني ساكن في مكرم عبيد وهييجي الدرس النهاردة؟"
وش آية احمر بسرعة، وحاولت تداري كسوفها وهي بتلم الكشاكيل. "بطلي رخامة يا مريم. أنا مالي ومال مكرم عبيد دلوقتي؟ يلا بينا عشان ملوجين وأروى مستنيين تحت عند أول الشارع."
نزلوا السلم بسرعة. الهوا البارد بتاع العصر ضرب وش آية أول ما خرجت من مدخل العمارة. لقت لوجين وأروى واقفين جمب محل العصير، بيتكلموا وبيضحكوا. أول ما شافوا آية، لوجين غمزت لأروى.
"أهلاً باللي سهرانا طول الليل بتفكر في الواجب!" لوجين قالت وهي بتبتسم بمكر.
آية مشيت وسطهم وهي بتحاول تظهر طبيعية. "بجد يا جماعة، بلاش الكلام ده عشان متوترش. إحنا رايحين نركز في الدرس وبس."
أروى قربت منها وهمست في ودنها: "ماشي يا عم الملتزم. بس خلي بالك، مريم روضة قالتلي إن صحاب حمزة كانوا بيسألوها عليه وعليكي الحصة اللي فاتت. يعني الموضوع مش من طرف واحد خالص يا جميل."
قلب آية دق بسرعة رهيبة. حست بإن رجليها مش شايلاها وهي ماشية في شوارع المنهل المزدحمة. الكلمة دي كانت كافية تخلي يومها كله يتغير، بس الخوف والكسوف كانوا دايماً بيمنعوها تصدق بالكامل.
---
على الناحية التانية، في شارع مكرم عبيد الواسع والمشجر، كان حمزة واقف تحت عمارته. لابس تيشيرت أسود وكوتشي أبيض، وعمال يعدل السلسلة الفضة اللي في رقبته كل دقيقة. موبايله في إيده، بيفتحه ويقفله من غير هدف.
"إيه يا عم المقاتل؟ واقف مستني الحرب؟" صوت عبدالله جه من وراه وهو بيخبطه على كتفه بقوة.
حمزة اتنهد ولف ليه. "اتأخرتوا ليه يا عبدالله؟ يوسف فين؟"
"يوسف لسه بيسرح شعره يا عم، إنت عارفه بياخد وقت أكتر من البنات." عبدالله قال وهو بيضحك ويسحب حمزة من دراعه عشان يمشوا.
وصل يوسف بعد دقايق، وكان معاه خالد وعبدالرحمن. الشلة كده كملت. مشيوا كلهم في اتجاه محطة الميكروباص عشان يروحوا الحي العاشر حيث السنتر الشهير اللي بياخدوا فيه دروسهم.
جوه الميكروباص، حمزة قعد جمب الشباك. الهوا كان بيخبط في وشه، وصوت الكاسيت شغال بأغنية شعبية هادية. عينه كانت بتراقب الطريق، بس عقله كان في مكان تاني خالص. كان بيفكر في الحصة اللي فاتت، لما آية وقعت القلم بتاعها وهو جري عشان يجيبهولها. يفتكر لمعة عينها وهي بتقوله "شكراً" بصوت واطي جداً.
"حمزة! يا ابني أنا بكلمك!" يوسف كان بيهزه من كتفه.
"إيه؟ في إيه يا يوسف؟" حمزة فاق من سرحانه.
"بقولك، تفتكر المستر هيعمل امتحان النهاردة؟ لو عمل أنا هضيع خالص." يوسف قال بقلق.
عبدالرحمن ضحك وقال: "سيبك من الامتحان يا يوسف، حمزة مش معانا أصلاً. حمزة عقله طار في المنهل من زمان."
الشباب كلهم ضحكوا، وحمزة وشها سخن وحاول يبص بره الشباك عشان يداري توتره. "بطلوا هبل بقا، أنا بذاكر ومركز في مستقبلي."
---
السنتر في العاشر كان عبارة عن قاعة ضخمة جداً، زحمة لدرجة تخنق. أصوات المساعدين بتوع المستر وهما بينادوا على الأسامي وياخدوا الكارنيهات كانت مالية الممر الضيق والمقاعد الخشبية كلها مليانة طلاب من كل مدارس نصر.
دخلت آية ومعاها مريم ولوجين وأروى. عيون آية تاهت وسط الوشوش الكثيرة. كانت بتدور على طول قامته المألوف، على شعره الأسود الكثيف. وأخيراً، شافته.
كان واقف جمب كشك السجاير الصغير اللي في مدخل السنتر مع صحابه، بيضحك على نكتة قالها عبدالله. في اللحظة دي، حمزة لف راسه كأنه حس بوجودها.
عينهم جت في عين بعض. الزمن وقف لثواني بالنسبة لآية. حست إن كل الدوشة اللي حواليها اختفت، ومفيش غير نظرة عينيه الدافية اللي بتراقبها. حمزة اتصلب في مكانه، وابتسامته خفت وبقت نظرة مركزة مليانة كلام مش قادر يقوله.
آية نزلت عيونها بسرعة للأرض، ووشها بقى أحمر دم، وشدت إيد مريم عشان يدخلوا القاعة بسرعة قبل ما حد يلاحظ.
"شفتك على فكرة!" مريم همست لآية وهي بتضحك وهما بيدوروا على مكان يقعدوا فيه في الصفوف الأولى للبنات.
"اسكتي خالص يا مريم، حد هيلاحظ." آية قالت بصوت مرتعش وهي بتفتح كشكولها وتحاول تبان مشغولة بالكتابة.
حمزة دخل القاعة بعدهم بدقايق. قعد في الصف الرابع، الناحية التانية المخصصة للبنين. مكانه كان بيسمحله يشوف ضهرها، وحركة راسها وهي بتكتب ورا المستر. طول الحصة، حمزة مكنش سامع ربع الشرح. عينه كانت بتتحرك مع كل حركة بتعملها، يدعي في سره إنها تلتفت وراها ولو غلطة.
---
انتهت الحصة بعد ساعتين من التعب والشرح المستمر. القاعة بدأت تفضي والكل بيتحرك في زحمة رهيبة للوصول للباب الخارجي.
آية كانت بتلم حاجتها ببطء متعمد. مريم ولوجين كانوا واقفين جمبها مستنيينها تخلص.
"يلا يا آية، المستر الجديد بتاع ثانوي داخل والسنتر هيتقلب زحمة أكتر." لوجين قالت وهي بتبص للباب.
"حاضر، ثواني بس السوستة بتاعة المقلمة علقت." آية قالت وعينها كانت بتراقب حمزة اللي كان بيقرب من الممر اللي هي واقفة فيه، وصحابه حواليه بيتكلموا بصوت عالي عن كورة القدم.
فجأة، ولد طويل من بتوع المرحلة الثانوية، معروف في السنتر إنه بتاع مشاكل وبيحب يستعرض نفسه، وقف قدام آية مباشرة وسد طريق الخروج.
الولد ده اسمه مازن. بص لآية بجرأة وقال بصوت مسموع: "أنا بشوفك هنا كل أسبوع وكنت عايز أقولك إنك بجد مختلفة عن كل البنات هنا. ممكن آخد رقمك عشان نسأل بعض على الدروس؟"
آية اتجمدت في مكانها. الشنطة كادت تقع من إيدها، ووشها بقى أبيض تماماً من الصدمة والخوف. مريم ولوجين رجعوا خطوة لورا بقلق وهما بيبصوا حواليهم.
حمزة، اللي كان على بعد خطوات قليلة، سمع الكلمة وشاف وقفة مازن المستفزة قدام آية. الدم غلي في عروقه في ثانية واحدة. ملامح وشه هديت وبقت حادة وعنيفة بشكل مرعب.
رمى شنطته على الدكة اللي جمبه من غير ما يبص، وتحرك بخطوات واسعة وسريعة مباشرة ناحية مازن، وإيده اليمين اتقفلت وبقت صلبة زي الحديد.