Chapter 8 of 37

Chapter 8: سم الحقيقة اللذيذ

2.1k words

برودة الغرفة لم تعد تلسع بشرتي المكشوفة كما كانت تفعل في تلك الليلة الأولى المرعبة. جلستُ على حافة السرير الحريري الضخم، أضم ركبتي إلى صدري العاري تقريباً، متطلعة إلى النافذة الكبيرة التي تكشف حدائق القصر الغارقة في ظلام دامس. الأوراق والوثائق التي تركها مارسيل أمامي قبل ساعات كانت لا تزال ملقاة على الطاولة الخشبية الصغيرة، تتحدى عيني كلما حاولت تجاهلها. خيانة والدي لم تكن مجرد صدمة عابرة، بل كانت زلزالاً مدمراً هدم كل فكرة دافئة بنيتها عنه طوال حياتي. كيف يمكن لأب، للشخص الذي كان يفترض به حمايتي، أن يقدم ابنته الوحيدة كقربان ليمحو خطايا ماضيه القذر؟ تنهدتُ بعمق، وشعرت بدمعة ساخنة تشق طريقها على خدي البارد، لكنني مسحتها بسرعة وبقسوة غير معهودة فيّ. لم يعد هناك متسع للضعف أو البكاء في هذا العالم المظلم الذي ألقيت فيه رغماً عني. سمعتُ فجأة صوت خطواته الثقيلة المألوفة تقترب من الجناح الفاخر. توقف قلبي عن النبض لثانية واحدة، ثم بدأ يقرع بقوة وعنف ضد ضلوعي، كأنه يعلن اقتراب العاصفة التي طال انتظارها. انفتح الباب الخشبي الضخم ببطء مريب، وظهرت قامته المهيبة عريضة المنكبين عند العتبة. وقف مارسيل هناك، يرتدي قميصه الأسود المعتاد، لكن أزراره العلوية كانت مفتوحة بإهمال، لتكشف عن صدره الصلب وجزء من وشم يلتف حول عنقه القوي كأفعى سوداء. ملامحه الحادة كانت تحمل علامات تعب وإرهاق شديدين، وعيناه الزرقاوان المظلمتان تحملان هالة من الغموض والبرود الذي اعتدت عليه منه. رائحة السيجار الفاخر الذي يدخنه دائماً تسللت إلى أنفي، ممتزجة برائحة المطر والجلد، لتملأ الغرفة بحضور طاغٍ يهز كياني. أغلق الباب خلفه بهدوء شديد، وهو هدوء مخيف يسبق دائماً اندلاع عواصفه المدمرة. «ما زلتِ مستيقظة؟» سأل بصوته الرجولي العميق الذي يرتعش له جسدي رغماً عني وبدون إرادتي. نهضتُ من السرير ببطء شديد، ولم أتراجع إلى الخلف كما كنت أفعل دائماً عندما يدخل الغرفة. تطلعتُ في عينيه مباشرة، وحاولت قراءة ما يدور في أعماق عقله المظلم والمعقد. خطواتي كانت ثابتة وهي تقترب منه، على الرغم من القشعريرة التي سرت في كامل جسدي. عقد حاجبيه الكثيفين بذهول، وبدا متفاجئاً تماماً من جرأتي المفاجئة وعدم خوفي منه هذه المرة. «أردتُ أن أنتظرك» قلته بصوت خفيض، لكنه يحمل نبرة من الصدق والهدوء لم يعهدها مني أبداً. توقف مكانه تماماً، وعيناه تلاحقان حركتي بدقة شديدة كصقر يراقب فريسته المفضلة. رأيت عروق رقبته تبرز قليلاً، وفكه العريض يتحرك بتوتر مكتوم وهو يحاول استيعاب التغيير في تصرفاتي. «لماذا؟» سأل بنبرة خالية من أي مشاعر ظاهرة، لكن عيناه كانتا تحترقان بنار خفية. وقفتُ أمامه مباشرة، تفصل بيننا خطوة واحدة قصيرة، أشعر بالحرارة المنبعثة من جسده الضخم. فارق الطول بيننا كان يفرض عليّ أن أرفع رأسي لأحدق في وجهه الوسيم والحاد كالسيف. استنشقتُ عبيره الطاغي، وشعرت برغبة غريبة وجديدة تماماً في الاقتراب أكثر، في الاحتماء به بدلاً من الهرب منه. «لأنني عرفت الحقيقة» همستُ، وعيناي تلمعان بالدموع المحبوسة التي رفضت أن أدعها تسقط. ضحك بسخرية خفيفة، وصوت ضحكته الرجولية كان يحمل نبرة من الألم الدفين. «الحقيقة التي تجعلكِ تكرهين والدكِ، أم الحقيقة التي تجعلكِ تخافين مني أكثر؟» سأل وهو يخطو خطوة للأمام، ليضيق المسافة بيننا حتى كاد جسده يلمس قميص نومي الأحمر القصير. مددتُ يدي المرتعشة ببطء شديد، ووضعت كفي الصغيرة على صدره الصلب، مباشرة فوق قلبه. شعرت بنبضات قلبه القوية والمنتظمة تحت قماش قميصه، وشعرت بجسده يتصلب تماماً تحت لمستي كأنه تحول إلى صخر. «لا» قلتها بوضوح وقوة، وأنا أنظر إلى عينيه اللتين اتسعتا بذهول لم يستطع إخفاءه هذه المرة. «الحقيقة التي جعلتني أدرك أنك لست الوحش الذي ظننته، بل أنت الضحية الحقيقية هنا» تابعتُ، وصوتي يرتجف بصدق حقيقي نابع من أعماق قلبي. تنهد مارسيل بحدة، وأمسك بمعصمي بقوة، لكنها لم تكن قبضة مؤلمة لتعذيب بل كانت قبضة تملك واحتياج عميق. «لا تلعبي بالنار معي يا آية» حذرني، وصوته انخفض إلى طبقة مرعبة من الهدوء والتحذير. «أنا لست رجلاً طيباً، ولا أملك قلباً ليرحمكِ إن قررتِ الاقتراب أكثر من اللازم» أضاف وهو يضغط بلطف يثير الجنون على معصمي. اقتربتُ خطوة أخرى، حتى التمس صدري العاري بصدره العريض، متجاهلة تحذيره تماماً. «أعلم ذلك» همستُ، وعيناي معلقتان بشفتيه القاسيتين اللتين طالما أرعبتاني. «لكنك حميتني من قذارة والدي، وحملت وجع شقيقتك ليليان وحدك طوال هذه السنوات» أردفتُ بصدق جعل عينيه تضيقان. أفلت معصمي فجأة، ورفع يده الكبيرة الدافئة ليضعها على عنقي، حيث كانت علامات ملكيته السابقة لا تزال واضحة كوشوم حمراء. أصابعه الخشنة تحركت برقة مدهشة فوق بشرتي الحساسة، مما أرسل قشعريرة لذيذة ودافئة سرت في كامل عمودي الفقري. «أنتِ ملكي يا آية» قالها وهو يحني رأسه ليقترب من أذني، وأنفاسه الساخنة تداعب خدي. «سواء أحببتِ ذلك أم كرهتِه، لقد اشتريتُكِ بدم وعذاب، ولن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً» تابع وهو يشد قبضته بلطف خلف عنقي. شعرتُ بقلبي يخفق بعنف شديد، لكن هذه المرة لم يكن خفقاناً ناتجاً عن الرعب أو الرغبة في الهروب. كانت مشاعر جديدة تماماً تنمو في أعماقي وتزدهر، مشاعر دافئة ومظلمة في آن واحد، تشدني إليه بقوة لا أستطيع مقاومتها. لقد أدركتُ في تلك اللحظة أنني لم أعد سجينة جدران قصره الفاخر فقط، بل أصبحت سجينة حبه وروحه المكسورة التي تشبه روحي. رفعتُ يديّ لتلتفا حول عنقه العريض، وأغمضت عيني مستسلمة تماماً لجاذبيته المدمرة والمغرية. انحنى مارسيل وقبلني بشغف جائع وعنيف، قبلة حملت كل غضبه المتراكم، وقسوته، وحاجته العميقة واليائسة إليّ. تجاوبتُ معه بكل جوارحي، ونسيت العالم الخارجي بأكمله، ونسيت خيانة والدي، ونسيت رغبتي السابقة في الانتقام والهرب. كل ما كان يهم في هذه اللحظة هو الرجل الذي يحتضنني بقوة تكاد تكسر عظامي، وكأنني ملاذه الوحيد والأخير في هذا الكون المظلم والموحش. --- ساد الصمت أرجاء الغرفة لفترة طويلة بعد تلك القبلة العنيفة والمشحونة بالمشاعر المتناقضة. كانت أنفاسه الحارة لا تزال تلفح وجهي، وعيناه الزرقاوان تنظران إليّ بذهول غير معلن وصدمة واضحة من استسلامي. جلسنا معاً على حافة السرير الفاخر، ويدي لا تزال مستقرة فوق صدره العريض، أشعر بنبضات قلبه المتسارعة التي ترفض الهدوء. «لماذا لم تحاولي طعني أو الهروب عندما سنحت لكِ الفرصة؟» سألني بصوت منخفض، كاد يكون همساً خافتاً يحمل حيرة حقيقية. «إلى أين سأهرب يا مارسيل؟» سألته بمرارة وسخرية من نفسي، وأنا أنظر إلى الأرض المكسوة بالسجاد الصوفي الناعم. «والدي الذي كنت أظنه ملجئي الوحيد في هذه الحياة باعني لك مثل دمية رخيصة ليسدد ثمن جرائمه» أضفتُ، وشعرت بغصة حارقة في حلقي. أمسك مارسيل بذقني برفق شديد، ورفع وجهي ليجبرني على النظر مباشرة في عينيه الحادتين اللتين تجمدتا. «أنتِ لستِ دمية رخيصة يا آية، ولن تكوني كذلك أبداً» قالها بصرامة غريبة، وعيناه تلمعان بصدق وحماية لم أرهما فيه من قبل. «حياتكِ الآن تحت حمايتي الخاصة، والشر الذي أصاب شقيقتي لن يمسكِ أبداً ما دمتُ أتنفس على هذه الأرض» تابع، وصوته يحمل وعداً ثقيلاً كالجبال. كلماته نزلت على قلبي الجريح كبلسم دافئ يداوي ندوب الخيانة العميقة التي تركها والدي في روحي. شعرتُ برعشة خفيفة تسري في جسدي، لكنها لم تكن رعشة خوف هذه المرة، بل كانت رعشة أمان غريبة وعميقة لم أشعر بها منذ سنوات طويلة. كيف يمكن للرجل الذي اختطفني وعذبني في البداية أن يكون هو الشخص الوحيد الذي يمنحني هذا الشعور المطلق بالأمان والسكينة؟ تساءلتُ في داخلي عن طبيعة هذه المشاعر المتناقضة والمجنونة التي تجتاحني وتسيطر على عقلي وقلبي بالكامل. حركتُ أصابعي ببطء وعلى طول ذراعه القوية المليئة بالندوب، أتلمس العضلات المشدودة تحت القماش الأسود الناعم لقميصه. «أريد أن أعرف المزيد عنها» همستُ، وعيناي تبحثان في تفاصيل ملامحه الحادة عن أي إشارة لرفضه أو غضبه. «عن شقيقتكِ ليليان» أضفتُ بسرعة لتوضيح مقصدي وتجنب أي سوء فهم قد يثير غضبه. تصلب جسده بالكامل فور سماع كلماتي، وتراجعت يده الكبيرة عن وجهي ببطء، كأنني لمست جرحاً لم يلتئم بعد. نهض من السرير وخطا بضع خطوات ثقيلة نحو النافذة الكبيرة، يولي ظهره العريض لي وكأنه يحاول إخفاء ضعفه. وضع يديه في جيبي بنطاله الأسود، ونظر إلى الظلام الدامس الذي يلف الحدائق الخارجية للقصر. «كانت تدعى ليليان» قالها أخيراً بصوت خفيض يحمل ألماً دفيناً وعميقاً حاول جاهداً إخفاءه وراء قناعه البارد. «لقد كانت شابة رقيقة ومليئة بالحياة، بريئة لدرجة تجعلها تثق بأي شخص يبتسم في وجهها» تابع وهو يتنفس ببطء وصعوبة. «والدكِ القذر استغل تلك البراءة الطفولية، واستخدمها كطعم رخيص في إحدى صفقاته المشبوهة، مما أدى إلى مقتلها بطريقة وحشية لا يستحقها أحد» أضاف، وفكه العريض يتشنج بوضوح من الغضب. اقتربتُ منه بهدوء شديد وحذر، حتى وقفتُ خلف ظهره العريض مباشرة، أشعر بالدفء والبرودة الممتزجين في حضوره. ترددتُ لثانية واحدة، ثم وضعتُ جبهتي برفق على ظهره الصلب، ولففت ذراعيّ الصغيرتين حول خصره العريض من الخلف. شعرت به يتنفس بحدة ويسحب الهواء إلى رئتيه بصعوبة، وكأنه لم يتوقع أبداً هذه اللمسة الحميمة والمواسية مني. «أنا آسفة جداً يا مارسيل» همستُ بصوت مخنوق، ودموعي الساخنة تبدأ في بلل قميصه الأسود من الخلف. «آسفة لأن والدي كان السبب في كل هذا العذاب والدمار الذي حل بعائلتك وبشقيقتك» تابعتُ بصدق وحرقة نابعة من أعماقي. التفت إليّ بسرعة مذهلة جعلتني أشهق خفية، وأمسك بكتفيّ بقبضة قوية ولكنها حنونة ليجعلني أواجهه بالكامل. نظر في عيني الباكيتين بتمعن، وعيناه الزرقاوان المظلمتان تحملان مزيجاً غريباً ومربكاً من الغضب المكبوت والحنان الدفين. «أنتِ لا ذنب لكِ في خطايا وشرور والدكِ يا آية» قالها بصوت صارم وواضح، وهو يمسح دموعي برفق بإبهامه الخشن. «لكنني لن أسمح له بالهروب من عقابه العادل، وأنتِ هنا لتكوني تذكيره الدائم بما خسره بسبب جشعه وقذارته» أضاف بلهجة حاسمة. دقات قلبي تضاعفت سرعتها في تلك اللحظة، ليس خوفاً من كلامه، بل لأنني أدركت كم أصبحت مهتمة ومتعلقة بهذا الرجل القاسي. حبه بات يتسلل إلى أعماقي وروحي كسم بطيء، لذيذ ومخدر، لا أريد الشفاء منه أو التخلص من تأثيره الساحر. جذبني إليه بقوة مفاجئة، ليدفن وجهه في منحنى عنقي، يستنشق رائحتي بعمق شديد وكأنه يبحث عن خلاصه وسلامه المفقود بين ذراعيّ. تشبثتُ به أكثر، ورفعت يدي لأتحسس خصلات شعره الأسود الكثيف، أشعر بعضلات جسده الضخم تسترخي تدريجياً وتستسلم لحضني. كانت تلك اللحظة الدافئة هي البداية الحقيقية لاستسلامي التام والنهائي له، ليس كرهينة، بل كعاشقة وقعت في أسر سجانها. --- مضت الساعات الطويلة والهدوء التام يلف الجناح الفاخر المظلم. استلقينا معاً على السرير العريض، وجسدي الصغير مغمور بالكامل ومحمي في حضنه الدافئ والقوي. يده الكبيرة كانت تداعب خصلات شعري ببطء ورقة متناهية، مما جعلني أشعر براحة غريبة وسلام لم أعرفه طوال حياتي. تطلعتُ إلى ملامحه الحادة المسترخية في الظلام الخفيف، وبدا لي أقل قسوة وأقرب إلى روحي وقلبي من أي وقت مضى. «مارسيل» همستُ باسمه للمرة الأولى بجرأة ودون خوف من رد فعله. فتح عينيه الزرقاوين ببطء، ونظر إليّ بنظرة عميقة ودافئة تذيب الجليد المحيط بقلبي. «نعم يا آية؟» سأل بصوت خفيض وناعم، صوت مخصص لي وحدي في هذه اللحظات الخاصة. «هل ستتخلى عني أو تطردني يوماً ما بعد أن ينتهي كل هذا؟» سألته، والخوف من الفقدان والوحدة يبدأ في التسلل إلى قلبي الجريح. توقف عن مداعبة شعري، ونظر إليّ بجدية مطلقة وصارمة جعلت قلبي يقفز في صدري. «الموت وحده هو ما قد يملك القوة ليبعدكِ عني يا آية» قالها بنبرة حاسمة وصوت قوي لا يقبل الشك أو النقاش. ابتسمتُ برقة ودون وعي، وشعرت بسعادة غامرة ودافئة تملأ كل ركن في روحي المتعبة. اقتربتُ أكثر منه ودفنت رأسي في صدره العريض، أستمع بشغف إلى دقات قلبه المنتظمة والقوية التي أصبحت لحني المفضل والأكثر أماناً. أدركتُ في تلك اللحظة أنني لم أعد أهتم بالخارج، ولا بوالدي، ولا بكل الأكاذيب التي عشتها. كل ما أريده هو البقاء هنا، محتمية بظل هذا الرجل القاسي والبارد الذي فتح لي قلبه المكسور. شعرت بيده الأخرى تلتف حول خصري برفق، لتسحبني أكثر إليه، وكأنه يخشى أن أختفي في الظلام إن ابتعدت. «نم يا ملاكي الصغير» همس بصوت دافئ بالقرب من جبهتي، قبل أن يطبع قبلة رقيقة عليها. أغمضتُ عيني مستسلمة للنوم العميق، وأنا أشعر بأنني أخيراً في المكان الذي أنتمي إليه. --- استيقظتُ فجأة على صوت غريب يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة. لم يكن صوتاً مألوفاً، بل كان رنيناً حاداً ومتواصلاً ينبعث من زاوية الغرفة. نهضتُ بسرعة من السرير، وأنا أتحسس قميص نومي الأحمر القصير، وأتطلع حولي بحذر في الظلام. رأيت ضوءاً أحمر خافتاً ينبعث من شاشة هاتفه الخاص الملقى على الطاولة الخشبية الجانبية. اقتربتُ بخطوات مترددة، وشعرت ببرودة الأرض تلسع قدمي العاريتين. كان الهاتف يهتز بعنف، مسبباً ضوضاء مزعجة في هدوء الليل القاتل. انفتح باب الحمام الملحق بالجناح فجأة، وخرج مارسيل وهو يرتدي بنطاله فقط، وعلامات القلق والتوتر واضحة على وجهه. تصلب جسده عندما رآني واقفة بالقرب من الهاتف، وخطا خطوات سريعة ونحو الطاولة ليسحب الجهاز من أمامي. «لا تلمسيه!» صرخ بنبرة حادة ومرعبة أعادت إليّ ذكريات ليلتنا الأولى. تراجعتُ خطوة إلى الخلف، وشعرت بخوف طفيف يعود ليتسلل إلى قلبي. نظر مارسيل إلى الشاشة بحدة، وتغيرت ملامحه بالكامل في ثوانٍ معدودة. فكّه العريض تشنج بقوة، وعروق رقبته برزت بشكل مخيف، بينما اتسعت عيناه الزرقاوان بصدمة ورعب حقيقيين لم أرهما عليه من قبل أبداً. كانت الشاشة تعرض بثاً مباشراً لكاميرات المراقبة المحيطة بالقصر الضخم. رأيت سيارات سوداء عديدة تحاصر البوابة الرئيسية المغلقة، ورجالاً مسلحين يرتدون ملابس سوداء يقتحمون الأسوار ببرود واحترافية عالية. وصلت رسالة نصية قصيرة على شاشته في تلك اللحظة بالذات، وقرأتها عيناه المرتعشتان بصدمة بالغة. نظرتُ إليه بذهول وخوف متزايد، متسائلة عن هوية هؤلاء المقتحمين وما الذي يريدونه منا. التفت مارسيل إليّ ببطء شديد، وكان وجهه شاحباً وخالياً تماماً من الدماء، وعيناه تشعان برعب حقيقي وهو ينظر إليّ بنظرة لم أرها فيه من قبل. «مارسيل، ما الذي يحدث؟ من هؤلاء؟» سألته بصوت يرتجف بشدة، وأنا أتقدم نحوه بخطوات مهتزة. خطا خطوة واسعة نحوي، وأمسك بكتفيّ بقوة تكاد تكسر عظامي، وعيناه معلقتان بعيني بذهول وخوف قاتل وهو يهمس بصوت مرتجف: «لقد عثروا عليكِ... والدكِ باعكِ لعائلة كاستيلو أيضاً، وهم هنا للمطالبة بملكيتهم!»

End of Chapter 8