Chapter 6 of 37
Chapter 6: The Blood-Stained Truth
1.1k words
سائل لزج ودافئ ينساب بين أصابعها المخدرة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، لكن جسده الهائل انهار بالكامل عليها، دافعًا إياها نحو الأرض الباردة.
"مارسيل!"
انطلقت الصرخة من أعماق صدرها، ممزقة الصمت المطبق الذي خيّم على الممر المدمر.
لم يجبها.
كان الرجل الذي يرتعد الجميع لمجرد ذكر اسمه يرقد الآن مستسلمًا، رأسه يستقر على حجرها، وعيناه القاسيتان مغمضتان تمامًا.
ذعر حقيقي تغلغل في عظامها وهي ترى بقعة الدماء تتسع بسرعة مرعبة على قميصه الأسود الممزق.
ضغطت بكلتا يديها على صدره العريض، محاولة سد الفجوة التي ينزف منها بغزارة.
"استيقظ، أرجوك لا تفعل هذا بي!"
توسلاتها ضاعت في الفراغ، بينما تلوثت بشرتها البيضاء بدمائه القانية.
ضربات قلبها كانت تقرع في أذنيها كطبول حرب مرعبة.
فجأة، دوت أصوات خطوات ثقيلة ومهرولة تقترب من نهاية الرواق المظلم.
ظهر فيكتور، ذراعه اليمنى لرجال مارسيل، ممسكًا بسلاحه، لكن ملامحه المتصلبة تشنجت عندما رأى زعيمه ممددًا في بركة من الدماء.
"زعيم!"
هتف فيكتور بصوت خشن، ساقطًا على ركبتيه بجانبهما، يتفحص النبض على عنق مارسيل بلهفة وقلق ظاهرين.
أشار بيده لثلاثة من الحراس الذين كانوا يقفون خلفه بنظرات متوترة.
"احملوه إلى الجناح الطبي فورًا، واستدعوا الدكتور أندريو الآن!"
صرخ فيكتور بالأوامر، ليرتفع جسد مارسيل الضخم بسرعة وكأنه ريشة رغم ضخامته، بينما بقيت آية جالسة على الأرض الباردة، تنظر إلى كفيها الملطختين باللون الأحمر.
نهضت بصعوبة، جسدها يرتجف بعنف، وعيناها معلقتان بالأثر الذي تركه جسد مارسيل على الأرض.
تبعتهم بخطوات متعثرة، متجاهلة نظرات الحراس المستغربة والمشفقة.
حاول فيكتور منعها عند مدخل الجناح الطبي المجهز بأحدث الأجهزة داخل القصر.
"ابقِ في غرفتكِ يا آنسة، المكان ليس مناسبًا لكِ الآن."
قالها بنبرة حازمة لكنها خالية من العدائية المعتادة.
"لن أذهب إلى أي مكان!"
أجابت بنبرة لم تعهدها في نفسها، نبرة قوية، متحدية، نابعة من خوف دفين من مواجهة العالم الخارجي بدونه.
نظر إليها فيكتور لثوانٍ، ثم تنهد وفتح لها الباب لتجلس في زاوية الغرفة البعيدة.
رائحة المعقمات الكيميائية القوية ملأت المكان، ممتزجة برائحة الدماء المعدنية التي تزكم الأنوف.
دخل الدكتور أندريو، رجل خمسيني ذو ملامح صارمة ونظارات طبية سميكة، وبدأ على الفور بتمزيق ما تبقى من قميص مارسيل.
ظهر صدره العريض المليء بالندوب القديمة، وندبة جديدة غائرة تنزف بغزارة قرب كتفه الأيسر.
رصاصة لعينة استقرت بالقرب من الشريان الرئيسي، مهددة بإنهاء حياة هذا الطاغية في أي لحظة.
تمتم الطبيب وهو يجهز أدواته الجراحية المعدنية التي لمعت تحت الأضواء الساطعة.
تشنجت عضلات آية وهي تستمع إلى رنين الأدوات الفولاذية.
أغمضت عينيها بقوة عندما بدأ الطبيب بشق الجلد لاستخراج الرصاصة، لكنها لم تستطع منع نفسها من سماع تأوهات مارسيل الخافتة والمكتومة رغم تخديره.
مرّ الوقت ببطء شديد، كأن العقارب تجمدت في مكانها.
كل ثانية كانت بمثابة عذاب ينهش في عقلها الصغير.
سألت نفسها مرارًا وتكرارًا: لماذا تهتم لأمره؟
هو الذي اختطفها، واحتجزها، وعاملها بقسوة وتملك وحشي.
لكن صورتها وهو يقف أمامها لحمايتها من رصاص القتلة كانت تأبى المغادرة من مخيلتها.
شجاعته، وقوفه كدرع حصين يمنع الموت عنها، غيرا شيئًا ما في أعماق قلبها المضطرب.
"تم استخراج الرصاصة بسلام."
ألقى الطبيب بقطعة المعدن الدامية في وعاء معدني، لتصدر رنينًا حادًا أراح صدر آية قليلاً.
تنهد فيكتور بوضوح، ومسح العرق عن جبينه بيده المرتعشة.
"هل سيكون بخير حقًا؟"
سألت آية بصوت مرتعش وهي تتقدم خطوة نحو السرير.
التفت إليها الطبيب، متفحصًا مظهرها الفوضوي وثيابها الملطخة بالدماء.
"بنيته الجسدية قوية كالفولاذ، لكنه سيعاني من حمى شديدة في الساعات القادمة."
أجاب الطبيب وهو يغسل يديه ببرود.
طلب فيكتور منها بلطف أن تذهب لتغيير ملابسها وتنظيف نفسها.
غادرت الغرفة بخطوات ثقيلة، متجهة إلى الحمام الملحق بغرفتها الكبيرة.
وقفت تحت الماء الدافئ، تراقب اللون الأحمر وهو ينساب على جسدها ويتلاشى في فتحة التصريف.
ارتدت قميصًا قطنيًا بسيطًا باللون الأبيض، طويلًا ومريحًا، ورفضت ارتداء أي من ملابس الحرير الفاضحة.
عادت إلى جناحه الطبي دون أن يطلب منها أحد ذلك، مدفوعة بقلق غريب.
وجدته وحيدًا الآن، بعد أن غادر الجميع وبقي حارس واحد عند الباب الخارجي.
دنت من السرير ببطء شديد، وكأنها تخشى إيقاظ وحش كاسر قد يفتك بها.
جلست بجانبه على كرسي خشبي صغير، مراقبة صعود وهبوط صدره بانتظام ضعيف.
ملامحه الحادة تبدو أكثر هدوءًا في النوم، لكن جبهته كانت تتصبب عرقًا غليظًا.
وضعت يدها المرتعشة على جبينه لتجده يحترق كالجمر المشتعل.
أحضرت وعاءً به ماء بارد وقطعة قماش نظيفة بسرعة.
بللت القماش وعصرته برفق، ثم وضعته على جبهته العريضة.
أصدر همهمة خافتة غاضبة، وكأن البرودة خففت من لهيب جسده لكنها أزعجت كبرياءه.
استمرت في تكرار هذه العملية لساعات متواصلة دون كلل أو ملل.
مسحت رقبته، وعنقه، وكتفيه العريضين اللذين كانا يحملان ندوبًا تحكي قصصًا عن ماضٍ مظلم وعنيف.
شعرت برغبة غريبة في البقاء بجانبه، حمايته في لحظة ضعفه النادرة هذه، مثلما حماها بقوته المفرطة.
تأملت شفتيه الغليظتين اللتين اعتادتا إلقاء الأوامر الصارمة والباردة.
اقتربت منه أكثر، مدفوعة بفضول وعاطفة غامضة بدأت تنمو في صدرها وتتحدى عقلها الرافض له.
فجأة، تحركت يده بسرعة البرق.
انقبضت أصابعه القوية حول معصمها كقيد فولاذي لا يمكن الفكاك منه.
شهقت بذعر محاولة التراجع، لكن قبضته كانت محكمة وعنيفة رغم مرضه وحمّاه.
فتح عينيه ببطء شديد.
عيناه كانتا حمراوين بفعل الحمى والألم، لكن نظرتهما كانت حادة كخنجر مسموم صُوب نحو روحها مباشرة.
"ماذا تفعلين هنا؟"
سأل بنبرة متحشرجة وباردة، خالية من أي ضعف رغم أنفاسه اللاهثة.
"كنت... كنت أحاول مساعدتك، حرارتك مرتفعة جدًا."
قالت بصوت متلعثم، محاولة سحب يدها دون جدوى.
شدها بقوة أكبر، ليجبر جسدها على الانحناء فوقه، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهها.
"لا أحتاج لمساعدة من أحد، خاصة منكِ."
تكلم بنبرة خفيضة، وعيناه تلتهمان ملامحها المذعورة بنوع من التملك المظلم الشديد.
"أنت تنزف، وحياتك كانت في خطر!"
صاحت بنبرة تجمع بين الغضب والخوف عليه وعليها.
ارتسمت ابتسامة ساخرة وباردة على شفتيه الشاحبتين.
"هل تخافين عليّ يا آية؟ أم تخافين مما سيفعله رجالي بكِ إن مت؟"
هذا السؤال سقط عليها كالصاعقة، جعلها تلتزم الصمت، عاجزة عن العثور على إجابة صادقة حتى لنفسها.
حدق في عينيها طويلاً، وكأنه يقرأ الأفكار المتصارعة في عقلها الصغير.
أرخى قبضته قليلاً عن معصمها لكنه لم يتركها تمامًا، ممررًا إبهامه الخشن على جلدها الرقيق بنعومة متناقضة مع وحشيته المعتادة.
"أنتِ ملكي..."
همس بنبرة عميقة سكنت عظامها.
"حتى لو ذهبتُ إلى الجحيم، سآخذكِ معي."
ابتلعت ريقها بصعوبة، حائرة بين الرعب الذي يبثه كلامه والدفء الغامض الذي يسري في جسدها من لمسته.
"لماذا تفعل هذا؟"
سألته والدموع تترقرق في عينيها الباكتين.
"ما الذي تريده مني حقًا؟"
تحولت نظرته الدافئة قليلاً إلى برود صلب كالصخر، وتلاشت ملامح الاسترخاء من وجهه ليحل محلها غضب كامن ومخيف.
سحبها أقرب حتى لامس أنفها أنفه، وعيناه تشعان ببريق انتقامي مرعب.
"هل ظننتِ حقًا أن والدكِ خسر في القمار وباعكِ لي لتسديد ديونه؟"
سأل بنبرة منخفضة مرعبة جعلت فرائصها ترتعد.
توسعت عيناها بذهول وهي تنظر إليه، عاجزة عن الكلام.
"هو من عرضكِ عليّ... ليغطي على جريمته البشعة ضد شقيقتي الصغرى التي ماتت بسبب طمعه."