Chapter 2 of 37

Chapter 2: خيانة وقيود جديدة

1.8k words

تسللت خيوط الفجر الباردة عبر النوافذ الزجاجية العملاقة، لتكشف عن تفاصيل الجناح الفاخر الذي أصبح سجناً مظلماً لروحها المحطمة. استيقظت آية ببطء، لتشعر بآلام تنهش كل إنش من جسدها المتعب، وكأن قواها قد تلاشت بالكامل خلال الليلة الماضية التي تمنت لو أنها كانت مجرد كابوس عابر. تحركت بحذر، لكن ألم جسدها جعلها تطلق آهة خافتة، مشوبة بدموع ساخنة تجمعت في عينيها اللتين لم تعرفا طعم النوم إلا لساعات قليلة من الإرهاق الشديد. أحاط خصرها ذراع ثقيل كالقيد الحديدي، يمنعها من الحركة أو التنفس بحرية، مشدداً القبضة عليها بطريقة مرعبة تعكس تملكه الكامل لها ولحياتها. استنشقت رائحة الغرفة الممتزجة بالتبغ الفاخر وعطر مارسيل الرجولي الحاد، الذي أصبح يمثل لها رمزاً للخوف والقهر اللذين يحيطان بها من كل جانب. نظرت إلى السقف المزخرف ببطء، متذكرة تفاصيل الليلة المظلمة، وكيف اقتحم هذا الوحش حياتها الهادئة وحولها إلى رماد، واضعاً علامات ملكيته القاسية على عنقها وجسدها. شعرت ببرودة الهواء تلامس بشرتها العارية أسفل قميص النوم الأحمر الجديد، الذي ألبسها إياه بعد أن نكل بجسدها الضعيف بطريقته السادية الباردة. حاولت إزاحة ذراعه الضخمة ببطء شديد، متجنبة إصدار أي صوت قد يستدعي غضبه أو يعيد فتح جروح الليلة الماضية التي ما زالت تنزف في أعماقها. انقبض قلبها عندما شعرت بقبضته تشتد فجأة حول خصرها، ليعيد سحبها بقوة نحو صدره العريض العاري المليء بالحرارة والندوب التي تشهد على ماضيه الدموي. "هل تظنين أنكِ قادرة على الهروب من حضني بهذه السهولة يا حلوتي؟" همس صوت مارسيل الأجش والعميق في أذنها، مسبباً قشعريرة باردة سرت في عمودها الفقري. تجمدت في مكانها، عاجزة عن الرد أو الحركة، بينما تلاقت عيناها بعينيه الرماديتين اللتين تحدقان بها ببرود مرعب وقاسٍ لا يعرف الرحمة. "أرجوك... دعني أذهب..." همست بصوت مرتجف، والدموع تنهمر مجدداً على وجنتيها الشاحبتين، متوسلة بريق أمل ضائع في قلب هذا الشيطان. ابتسم مارسيل ابتسامة باردة غامضة، ممرراً أصابعه الطويلة الخشنة على طول فكها المرتعش، ضاغطاً برفق تحول سريعاً إلى سيطرة تامة جعلتها تتأوه خفية. "لقد أخبرتكِ سابقاً يا صغيرتي، أنتِ ملكي الآن، ولن تخرجي من هذا القصر إلا كجثة هامدة،" قالها بنبرة واثقة وهادئة تحمل يقيناً مرعباً. نهض من السرير فجأة بحركة رشيقة وسريعة، كشفت عن طوله الفارع وبنيته الجسدية القوية وعضلات صدره المتناسقة التي تحمل ندوباً قديمة تحكي قصص صراعات مميتة. وقف أمامها عريض المنكبين، يتأملها بنظرات صقرية متفحصة، جعلتها تشعر بالضعف والمهانة والعرى الكامل أمام جبروته الذي لا يرحم. تناول رداءً حريرياً أسوداً طويلاً من فوق الكرسي القريب، ورماه فوق السرير بجانبها بنبرة آمرة لا تقبل النقاش أو التردد. "ارتدي هذا وانزلي إلى قاعة الطعام، لا أحب الانتظار،" قالها ببرود قبل أن يتجه نحو الحمام بخطوات ثابتة وواثقة تعكس سلطته المطلقة. جلست آية على حافة السرير، تضم جسدها المرتعش بيديها، تشعر بمرارة الخذلان والخوف الذي يعتصر قلبها الصغير الذي لم يعتد على مثل هذه القسوة. وقفت بصعوبة، متألمة من جروحها الجسدية والنفسية، وارتدت الرداء الأسود بسرعة وهي تستمع إلى صوت المياه المتدفقة في الحمام الملحق بالجناح. فكرت في الهروب، فكرت في عائلتها التي ربما تبحث عنها الآن في كل مكان، شاعرة بمسؤولية كبيرة تحتم عليها الصمود والالبحث عن طريق للخلاص. مشت نحو الباب الخشبي الضخم ببطء شديد، تضع قدميها العاريتين على الأرض الرخامية الباردة دون إصدار أي صوت يذكر قد يوقظ شكوكه. أدارت مقبض الباب بحذر، لتجده مفتوحاً، مما جعل نبضات قلبها تتسارع بلهفة وأمل كاذب في النجاة من هذا السجن الذهبي الموحش. خرجت إلى الرواق الطويل المزين باللوحات الزيتية الكلاسيكية والثريات الكريستالية الضخمة التي تتدلى من السقف العالي لتعكس ثراءً فاحشاً مبنياً على الدماء. سارت بمحاذاة الجدار، تتلفت حولها بذعر، مستمعة لصدى خطواتها الخفيفة وصوت الرياح الخارجية التي تعصف بنوافذ القصر كأنها تحذرها من عواقب فعلتها. نزلت الدرج الرخامي العريض المؤدي إلى البهو الرئيسي، لتلمح من بعيد رجلين ضخمي البنية يرتديان بدلات سوداء ويقفان بحراسة مشددة عند الباب الرئيسي. تراجعت بسرعة إلى الخلف، تختبئ خلف أحد الأعمدة الرخامية الكبيرة، محاولة التقاط أنفاسها اللاهثة التي كادت تفضح مكانها وتنهي محاولتها قبل أن تبدأ. "يبدو أنكِ تائهة يا جميلة،" جاء صوت خشن ومفاجئ من ورائها، لتلتفت برعب وتجد خادمة متقدمة في السن تنظر إليها بملامح جامدة خالية من الحياة. "أرجوكِ... ساعديني على الخروج من هنا، عائلتي ستعطيكِ أي مبلغ مالي تطلبينه، فقط دعيني أهرب!" توسلت آية بنبرة يائسة وعيون دامعة تترجى الشفقة. نظرت إليها الخادمة ببرود خالٍ من أي تعاطف، وقالت بجفاف: "لا أحد يدخل قصر السيد مارسيل ويخرج منه دون إذنه، عودي لغرفتكِ قبل أن يراكِ السيد غاضباً." سمعت خطى ثقيلة تقترب من الدرج، لتلتفت وتجد مارسيل يهبط بخطوات واثقة، مرتدياً قميصاً أسوداً ضيقاً يبرز عضلات صدره المتناسقة وبنطالاً داكناً يزيد من هيبته. "ماريا، عودي إلى المطبخ فوراً،" قال مارسيل بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة أمر قاطعة جعلت الخادمة تنحني بسرعة وتغادر الصالة دون كلمة واحدة. تقدم نحو آية التي تراجعت حتى التصق ظهرها بالعمود الرخامي البارد، تشعر بجسده الضخم يقترب منها حتى انعدمت المسافة بينهما وشعرت بأنفاسه الحارة. وضع يده على العمود بجانب رأسها، محاصراً إياها بالكامل، بينما انخفض بنظراته الرمادية الحادة ليتطلع في عينيها المليئتين بالدموع والخوف الشديد. "هل ظننتِ حقاً أنكِ تستطيعين الهرب من هذا المكان بهذه السهولة يا حلوتي؟" سألها بابتسامة خبيثة، ممرراً إصبعاً دافئاً على طول وجنتها الشاحبة المرتجفة. "أنا أكرهك... أكرهك أكثر من أي شيء في هذا العالم البائس!" صرخت في وجهه بضعف، محاولة دفعه بعيداً عنها بكل ما تملك من قوة ضائعة. قبض على معصميها بيد واحدة، رافعاً إياهما فوق رأسها وضغطهما على العمود بقوة جعلتها تطلق آهة ألم مكتومة كشفت عن ضعفها الشديد أمامه. "كرهكِ هذا هو ما يغذيني يا آية، أحب رؤية هذه الشعلة المتمردة في عينيكِ، لكنني سأعلمكِ كيف تنطفئ عاجلاً أم آجلاً تحت سيطرتي،" همس بقسوة شديدة. أفلت معصميها فجأة، ثم أمسك بطلب يدها وسحبها خلفه بقوة متجهاً نحو قاعة الطعام الواسعة التي تفوح منها روائح الأطعمة الشهية والفاخرة. دفعها لتجلس على الكرسي الجلدي الفاخر، بينما جلس هو على رأس الطاولة الطويلة، يراقب حركاتها بنظرات صامتة ومرعبة كصياد يراقب فريسته المحاصرة. "تناولي طعامكِ، لا أريد أن أرى هذا الضعف على جسدكِ عندما أعود الليلة، فلدينا الكثير لنفعله،" قالها بلهجة آمرة وهو يسكب لنفسه كوباً من القهوة السوداء. حاولت آية تجاهل الطعام، ناظرة إلى النافذة الكبيرة التي تطل على حديقة القصر الشاسعة المحاطة بأسوار حديدية عالية وحراس مسلحين يراقبون كل شبر. رن هاتف مارسيل فجأة بنغمة غريبة ومزعجة، ليتغير تعبير وجهه الهادئ فوراً إلى ملامح قاسية وحادة كالشفرة، تعكس طبيعته الإجرامية الخطيرة. "ماذا هناك يا ماركو؟... هل تجرأ الروس على دخول منطقتنا وتخريب صفقاتنا؟" سأل مارسيل بصوت منخفض يحمل تهديداً صريحاً بالموت والدمار. استمع إلى الطرف الآخر لثوانٍ، بينما كانت عيناه تشتعلان بغضب مكتوم، وعضلات فكه تتوتر بشكل ملحوظ يعكس مدى خطورة الموقف القادم في الخارج. "جهّز الرجال والأسلحة، سأكون في المرفأ خلال نصف ساعة، لن يخرج أحد منهم حياً اليوم من هذه المواجهة،" قالها قبل أن يغلق الهاتف بعنف شديد. وقف مارسيل بسرعة، مصلحاً سترته السوداء الفاخرة، ثم التفت نحو آية بنظرات حادة جعلتها تشعر ببرودة تجري في عروقها وتجمد الدماء فيها. "عندي عمل عاجل يتطلب حضوري الشخصي لتسوية بعض الحسابات، ستبقين هنا في القصر، وحذارِ أن تفكري في مغادرة هذا المبنى بأي شكل،" حذرها بنبرة مرعبة. "حراسي في الخارج لديهم أوامر بإطلاق النار على أي شيء يتحرك خارج الحدود دون إذن مسبق مني، تذكري هذا جيداً يا صغيرتي،" أضاف بابتسامة باردة غادر بعدها القاعة. استمعت آية إلى صوت محركات السيارات الفاخرة وهي تنطلق بسرعة البرق خارج أسوار القصر، لتتنفس الصعداء أخيراً بعد رحيله وتشعر ببعض الحرية المؤقتة. وقفت بسرعة من مكانها، متجاهلة آلام جسدها المتعب، عازمة على استغلال غيابه للبحث عن أي شيء قد يساعدها على فهم وضعها أو إيجاد مخرج من هذا الجحيم. صعدت السلالم الرخامية مجدداً بخطوات متسارعة تملؤها الحيرة والخوف، متجهة مباشرة نحو الجناح الغربي للقصر حيث يقع مكتب مارسيل الخاص والمحظور على الجميع. وضعت يدها المرتعشة على المقبض الذهبي للمكتب، لتدفعه ببطء وتتفاجأ بأنه لم يكن مغلقاً بالمفتاح، مما جعل الأمل يشتعل مجدداً في صدرها الضيق. دخلت الغرفة الفاخرة المليئة برائحة الجلد والتبغ والكتب القديمة، متجهة مباشرة نحو المكتب الخشبي الضخم المصنوع من خشب الماهوجني الداكن الذي يتوسط المكان. بدأت تفتح الأدراج بسرعة وتفتش في الأوراق والملفات المبعثرة، باحثة عن أي مستند أو دليل قد يفيدها في فهم سر اختطافها أو العثور على وسيلة اتصال. عثرت في الدرج السفلي للمكتب على صندوق معدني صغير، سحبته ببطء وفتحته لتجد داخله ملفاً جلدياً أسوداً سميكاً يحمل شعاراً عائلياً مألوفاً جداً لقلبها. فتحت الملف بيدين ترتجفان من شدة القلق، لتتسع عيناها بذهول ورعب حقيقي وهي ترى صوراً شخصية لها مبعثرة على أولى صفحات الملف السري. احتوت الصفحة الأولى على صور لها وهي تمشي في جامعتها، وصور أخرى وهي جالس في المقهى مع صديقاتها، وصور التقطت لها وهي نائمة في غرفتها الخاصة ببيت والدها! شعرت بغثيان شديد يعتصر معدتها وهي تدرك أن هذا الرجل لم يختطفها عشوائياً، بل كان يراقبها ويتتبع أدق تفاصيل حياتها الخاصة منذ سنوات طويلة مضت. قلبت الصفحات لتجد تقارير مفصلة عن عائلتها، وديون والدها الضخمة لشركات مارسيل الوهمية، وتفاصيل صفقات تجارية مشبوهة ورط والديها فيها دون علمها. عثرت في نهاية الملف على ورقة مطوية بعناية فائقة، تحمل ختماً رسمياً وتوقيعاً مألوفاً جداً جعل الدموع تتجمد في عينيها من فرط الصدمة والخذلان المرير. "عقد تنازل وبيع شرعي..." قرأت الكلمات المكتوبة بخط يد والدها، والتي تفيد بتنازله الكامل عن ابنته آية لصالح مارسيل مقابل تسوية كافة ديونه البالغة ملايين الدولارات. سقطت الورقة من يدها المرتعشة على المكتب الخشبي البارد، وشعرت بانهيار عالمها الصغير بالكامل، مدركة أن عائلتها التي أحبتها قد باعتها للوحش بإرادتها للتخلص من ديونها. انهمرت الدموع الغزيرة من عينيها لتغطي وجهها الشاحب، بينما كانت تحاول استغلال أي قوة متبقية في جسدها لتفادي السقوط على الأرض من شدة الصدمة. تراجعت خطوات إلى الخلف، عاجزة عن التنفس أو التفكير السليم، والملف الأسود ملقى أمامها على المكتب يكشف عن حقيقة مؤلمة لا يمكن الهروب منها أبداً. "هل أعجبكِ العرض السخي الذي قدمه والدكِ العزيز للتخلص منكِ يا صغيرتي؟" جاء صوت مارسيل البارد والعميق فجأة من خلفها، مسبباً لها صدمة مرعبة. التفتت بذعر قاتل لتجده واقفاً عند مدخل المكتب، يسند ظهره العريض على إطار الباب ببرود شديد، وعيناه الرماديتان تلمعان ببريق مظلم وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه. تراجعت حتى اصطدمت بحافة المكتب الخشبي البارد، والملف الأسود بين يديها المرتجفتين، تنظر إليه برعب خالص لا حدود له وكأنها تواجه حتفها المحتوم. "كيف... متى عدت إلى هنا؟" سألته بصوت مبحوح يكاد لا يخرج من حنجرتها الجافة، بينما كانت تحاول إخفاء الورقة خلف ظهرها دون جدوى أمام نظراته الصقرية. تقدم نحوها ببطء شديد، خطواته الهادئة والمنتظمة كانت تدق في مسمعها كطبول حرب مميتة تقترب من نهايتها المحتومة لتسحق ما تبقى من مقاومتها. "لقد قلتِ لي سابقاً إن عائلتكِ ستموت قلقاً عليكِ، أردتُ فقط أن أريكِ الحقيقة كاملة حتى لا تعيشي في الوهم والانتظار بعد الآن،" قالها بنبرة هادئة مرعبة. وقف أمامها مباشرة، ماداً يده الطويلة الخشنة ليمسك بفكها المرتعش بقوة مفرطة، رافعاً وجهها الشاحب والباكي ليلتقي بنظراته الصخرية القاسية التي لا ترحم الضعفاء. "أنتِ ملكي بموجب القانون وبموجب الدم، ولا أحد يستطيع إنقاذكِ مني في هذا العالم، حتى عائلتكِ التي وثقتِ بها يوماً ما وباعتكِ بأرخص الأثمان،" همس ببرود تملأه النبرة المظلمة. حاولت التملص من قبضته القوية، لكنه ضغط بقوة أكبر جعلتها تطلق آهة ألم حادة، بينما تلاقت أعينهما في صراع صامت يعكس مدى ضعفها وقوته الطاغية التي تحاصرها. حان الوقت لتسوية الحساب لخرقكِ أوامري الصريحة ودخولكِ إلى مكتبي الخاص والتفتيش في أسراري دون إذن مسبق مني،" قالها بابتسامة مظلمة تتوعد بالكثير من العقاب. سحبها من خصرها بقوة ليلتصق جسدها المرتعش بجسده الصلب والحار، واضعاً يده الأخرى على ظهر السرير القريب، هامساً بكلمات نزلت عليها كالصاعقة: "سأعلمكِ كيف تطيعين سيدكِ من الآن فصاعداً."

End of Chapter 2