Chapter 8 of 8

Chapter 8: رماد البراءة

1.5k words

ساد صمت قاتل أرجاء القصر الفاخر بعد رحيلها، صمت مطبق لم يعهده هذا المكان منذ دخول تلك الفتاة المشاكسة إليه. وقف كايل في منتصف مكتبه الواسع، محاطاً بالجدران الخشبية الداكنة التي بدت الآن كجدران زنزانة باردة وموحشة. عيناه الحمراوان، اللتان طالما أرعبتا أعتى رجال المافيا في العالم السفلي، كانت تنظران بجمود غريب إلى الطاولة الخشبية الفاخرة. وامتزج الحبر الأسود المنسكب بعصير البرتقال الذي أحضرته له قبل ساعات، ليشكل بقعة مشوهة على وثائق سرية للغاية. كانت هذه الوثائق تحمل تفاصيل صفقات بملايين الدولارات، لكنه لم يعد يرى فيها سوى الفوضى التي تسببت فيها طفلته الصغيرة. مسح بيده على وجهه المتعب، محاولاً طرد صورة وجهها الباكي والمليء بالخوف عندما صرخ في وجهها وطردها دون رحمة. "أخرجي من هنا! لا أريد رؤية وجهكِ مجدداً في هذا القصر!" رددت جدران عقله تلك الكلمات القاسية التي تلفظ بها بدم بارد. شعر بوخزة حادة في صدره، ألم حقيقي لم يسبق له أن شعر بمثله قط، كأن خنجراً مسموماً قد انغرس في قلبه البارد. وهو، الرجل الذي يخشاه الجميع ويقتل بدم بارد دون أن يرف له جفن، كان يشعر الآن برعب حقيقي يتسلل إلى أعماقه. كان الرعب نابعاً من غياب تلك الكتلة الصغيرة من البراءة والنشاط التي غيرت مجرى حياته المظلمة. تذكر كيف كانت تتحرك في هذا القصر الكئيب، تضفي عليه لوناً وحياة لم يعرفهما قط طوال سنوات عمره القاسية. كانت تنام مثل القطة، تلتف حول نفسها في زاوية الأريكة الفاخرة، وتصدر أصواتاً هادئة تدل على راحتها وأمانها بجانبه. وعندما تستيقظ، تقفز مثل الأرنب الصغير، بملامحها الطفولية وشعرها الأبيض الناصع الذي يتمايل مع كل حركة تقوم بها ببهجة وعفوية. تأكل طعامها مثل الهامستر، تخبئ قطع الحلوى في فمها الصغير وتنظر إليه بعينيها الزرقاوين السماويتين بطلب للمزيد من الدلال. تجري خلفه مثل الكتكوت الصغير، تقع وتتعثر في مشيتها الطفولية غير المتزنة، لكنها تنهض بسرعة لتواصل الركض خلفه غير آبهة بالألم. كل هذه التفاصيل البريئة، التي كان يتذمر منها ويدعي أنها تزعجه وتخرب نظامه الصارم ووسواسه القاتل، بدت له الآن أثمن ما يملك. وتصلبت ملامحه فجأة عندما تذكر الكلمات الأخيرة التي قالها لها قبل أن يدفعها حراسه خارج البوابة الحديدية الكبيرة. كانت السماء في الخارج غائمة بغيوم سوداء، تنذر بعاصفة قوية، والمدينة في الليل ليست مكاناً آمناً لفتاة بريئة وعاجزة كآريا. خطا خطوات واسعة وسريعة نحو الباب، وفتح بوابته بعنف جعل الحارس الشخصي الواقف في الممر يقفز فزعاً من هول المفاجأة. "سيدي كايل! هل هناك خطب ما؟" سأل الحارس بصوت مرتعش، وهو يرى ملامح زعيمه المشوهة بالقلق والجنون لأول مرة. "أين آريا؟" سأل كايل، وكان صوته منخفضاً ومرعباً، كهدير رعد يسبق العاصفة المدمرة التي ستمحو كل شيء في طريقها. تلعثم الحارس وتراجع خطوة إلى الوراء، شاعراً بالخطر المحدق الذي يهدد حياته: "لقد... لقد غادرت القصر يا سيدي، بناءً على أمرك المباشر." قبض كايل على ياقة قميص الحارس بقوة جعلت الرجل يرتفع عن الأرض، وعيناه تشتعلان بغضب أحمر قاتل: "هل تركتها تذهب وحيدة؟ دون حماية؟" "لقد أمرتنا بعدم تتبعها أو التدخل في شؤونها مجدداً..." همس الحارس برعب، وعيناه متسعتان من الخوف والهلع من بطش الزعيم. ألقى به كايل جانباً بعنف، ليرتطم الحارس بالجدار بقوة ويسقط أرضاً، بينما صرخ الزعيم بجنون وهستيرية: "أيها الأغبياء! ألا تملكون عقولاً تفكرون بها؟" اندفع كايل نحو المخرج، وجسده يرتجف من مزيج غريب من الغضب العارم والخوف الشديد الذي بدأ يستعمر كيانه بالكامل ويطرد بروده المعتاد. --- خيم الظلام الدامس على شوارع المدينة، بينما كانت خيوط المطر الغزير تتساقط كجلدات سوط على زجاج سيارته الفارهة. قاد كايل سيارته بسرعة جنونية، يتجاوز الإشارات الحمراء والسيارات الأخرى دون أي اهتمام بالخطر أو بحياته التي لم يعد يرى لها قيمة. يداه، اللتان كانتا دائماً نظيفتين وخاليتين من أي شائبة بسبب وسواسه المفرط وقرفه من الأوساخ، قبضتا على عجلة القيادة بعنف مفرط. لم يكن يفكر في الجراثيم، ولا في الأوراق المبللة، ولا في ملابسه الثمينة التي بدأت تتسخ ببعض قطرات المطر المتسللة من النافذة. كل تفكيره كان منصباً على تلك الفتاة الصغيرة ذات الشعر الأبيض اللامع والرموش البيضاء الثلجية التي تشبه الملاك الصغير. "أين يمكن أن تكون قد ذهبت في هذا الوقت المتأخر؟" سأل نفسه بصوت يملؤه اليأس، وعيناه الحمراوان تجوبان الشوارع المظلمة بلهفة وقلق. تصور كيف كان المشهد المؤلم يتبلور في مخيلته، يراها وهي تسير في الشوارع الباردة، ترتجف من البرد والخوف، ولا تجد مكاناً تأوي إليه. وتخيل أعداءه، أولئك الذين يتربصون به في كل زاوية، وهم يرونها وحيدة وضعيفة، فريسة سهلة للانتقام منه وكسر كبريائه الطاغي. تسارعت دقات قلبه بشكل جنوني، وشعر بضيق شديد في تنفسه وكأن الأكسجين قد نفد من الغلاف الجوي بأكمله في تلك اللحظة. أخرج هاتفه واتصل بمساعده الأيمن، وصاح فيه بمجرد أن فتح الخط بصوت هز أرجاء السيارة: "اجمع كل الرجال! أريد تمشيط المدينة بالكامل!" "سيدي؟ ما الأمر؟" سأل المساعد بذهول حقيقي من نبرة زعيمه التي لم يسمعها قط طوال سنوات خدمته الطويلة والمليئة بالمخاطر. "آريا في الخارج بمفردها! ابحثوا عنها في كل شارع، في كل زقاق، في كل زاوية! إن حدث لها مكروه، سأبيدكم جميعاً بيدي هاتين!" ألقى الهاتف على المقعد المجاور بعنف، وعاد ليركز بنظره المشتت على الطرقات المظلمة والموحشة التي بدت كأنها تبتلع كل شيء. بدت المدينة له في تلك اللحظة كوحش كاسر جائع، يستعد لابتلاع طفلته البريئة ببطء وقسوة لا ترحم ضعفها وطفولتها. وبدأت الأفكار السوداء تراوده وتهاجم عقله، يرى صوراً مشوهة لآريا وهي تصرخ وتستنجد به، بينما هو جالس في مكتبه الفخم يعاني من كبريائه. أوقف السيارة فجأة في منتصف طريق جانبي ضيق ومظلم، ونزل منها بسرعة جنونية دون أن يغلق الباب خلفه أو يطفئ المحرك. انهمر المطر الغزير على وجهه وشعره الأسود الطويل، لكنه لم يشعر ببرودته، فحرارة الخوف التي كانت تحرق صدره كانت أشد وأقسى بكثير. بدأ يركض في الأزقة الضيقة والمظلمة، يلتفت يميناً ويساراً، وينادي باسمها بأعلى صوته الذي بدأ يبح ويتلاشى من شدة الخوف والصراخ. "آريا! آريا! اسمعيني، أنا هنا!" نادى بيأس، لكن لم يجبه سوى صدى صوته الموحش وهدير المطر المستمر الذي يغسل شوارع المدينة. تعثر في حجر صغير وسقط على ركبتيه في الطين المتسخ، هو الذي كان يشمئز من مجرد لمس الغبار أو الاقتراب من الأماكن القذرة. نهض بسرعة فائقة غير آبه بالطين والملابس المتسخة، وواصل الركض والبحث والجنون يسيطر على كل خلية في عقله وقلبه المتألم. وكان الندم ينهش قلبه كوحش كاسر، يذكره بكل لحظة قسا فيها عليها، وبكل كلمة جارحة قالها لها دون مراعاة لبراءتها الطفولية. كانت تحتاج إلى الأمان والدفء واللطف، وهو لم يقدم لها سوى البرود والقسوة والترهيب الذي لا يتناسب مع طبيعتها الرقيقة. وبدا له الآن أن الأوان قد فات لإصلاح ما دمره بكبريائه الأحمق، وأن الموت يسبقه بخطوات نحو طفلته الصغيرة البريئة والمحبوبة. --- قادته خطواته المتعثرة وحواسه المشتعلة بالخوف نحو زقاق ضيق للغاية ومظلم، لا تصله أضواء الشوارع الرئيسية أو أصوات المارة المعتادة. وبدت رائحة المطر الممتزجة بالتراب والحديد هنا أكثر كثافة ومرارة، تثير في النفس شعوراً بالانقباض والرعب مما قد يختبئ في الداخل. سار ببطء حذر، وعيناه الحمراوان تحاولان اختراق الظلام الدامس الذي يلف المكان كغطاء ثقيل يمنع الرؤية ويحبس الأنفاس القلقة والمضطربة. فجأة، تيبس جسده بالكامل وتوقفت دقات قلبه لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل من العذاب والانتظار المرير والقاتل لروحه المتعبة بالذنوب. على بعد خطوات قليلة منه، تحت ضوء مصباح متهالك يرتجف نوره بضعف شديد، لمح بقعة بيضاء ناصعة ملقاة على الأرض الإسمنتية الباردة. شعر ببرودة قاتلة تسري في عروقه بدلاً من الدماء، وشلل تام أصاب أطرافه، مما منعه من التقدم لمسافة أطول لثوانٍ معدودة. كانت هناك، مستلقية على الأرض المتسخة والمليئة بالقاذورات، كدمية مكسورة ومتروكة في مهب الريح الباردة دون رحمة أو شفقة لحالها. شعرها الأبيض الجميل، الذي كان يلمع كالثلج النقي في قصرها، كان غارقاً ومبللاً ببركة ضخمة من الدماء القانية التي صبغت الأرض من حولها. بشرتها البيضاء الناصعة تحولت إلى شحوب جليدي مخيف، خالٍ تماماً من أي أثر للحياة والحرارة التي طالما ميزت جسدها الدافئ الصغير. ولمعان عينيها الزرقاوين السماويتين، اللتين طالما امتلأتا بالبريق والفضول الطفولي البريء، قد انطفأ تماماً، لتظلا مفتوحتين بنظرة زجاجية هامدة. أما صدرها الصغير، الذي كان يتحرك بنشاط وحيوية كصدر عصفور صغير يبحث عن الأمان والدفء، فقد اخترقته عدة رصاصات غادرة مزقت جسدها. سقط كايل على ركبتيه في الطين والدماء، غير آبه بالاتساخ أو بالجراثيم، متناسياً تماماً وسواسه القهري الذي طالما تحكم في تفاصيل حياته اليومية. امتدت يده المرتجفة ببطء شديد نحو وجهها الشاحب، كأنه يخشى أن تتبخر صورتها إن لمسها، ووضع أصابعه المرتعشة على خدها البارد كالثلج. "آريا... آريا الصغيرة... استيقظي... أرجوكِ لا تفعلي هذا بي..." همس بصوت مكسور ومبحوح، نبرته تحمل ألماً لم يعهده قلبه القاسي قط. حرك وجهها بلطف ورفق شديدين، محاولاً العثور على أي إشارة للحياة، أو نبض ضئيل في عنقها، أو نفس دافئ يخرج من شفتيها الشاحبتين. لم يكن هناك شيء سوى البرود التام والموت الذي خيم على جسدها الصغير منذ وقت طويل، حارماً إياه من فرصة الاعتذار والتكفير عن ذنبه. رفع جسدها الهامدي من الأرض وضمه إلى صدره بقوة وعنف، يحيطها بذراعيه القويتين وكأنه يحاول حمايتها وإعادة الحياة إليها بأنفاسه الخاصة. دفن وجهه في شعرها المبلل بالدماء والتراب، وبدأ يبكي بحرقة وجنون وهستيرية، والدموع الساخنة تنهمر من عينيه الحمراوين لتغسل وجهها الشاحب. "أنا آسف... أنا السبب في كل هذا... عودي إلي يا آريا، أرجوكِ لا تتركيني وحيداً في هذا العالم المظلم والمليء بالوحوش!" تذكر كيف كانت تقفز كالأرنب، وتنام كالقطة، وتأكل كالهامستر، وتجري كالكتكوت الصغير... كل تلك الصور الجميلة تلاشت وتحولت إلى جثة هامدة بين يديه. ماتت طفلته البريئة، ماتت آريا الصغيرة وهي وحيدة وخائفة في عتمة الليل البارد، تبحث عن ملجأ يحميها من رصاص الغدر والظلام الذي يحيط به. أدرك في تلك اللحظة، والندم يعتصر روحه المظلمة ويقطع نياط قلبه، أنها فارقت الحياة منذ ساعات طويلة، وأن بكاءه وتوسلاته لن يعيداها إليه. بينما كان غارقاً في حزنه ونحيبه، يحتضن جثتها الباردة ويقبل جبينها الشاحب بدموع حارقة، ساد صمت مفاجئ وغريب في أرجاء الزقاق الضيق. تردد صدى صوت خطوات هادئة وواثقة تقترب منه من خلف الظلال الكثيفة، متبوعاً بصوت سحب أقسام سلاح ناري ببرود قاتل أثار الرعب في المكان.

End of Chapter 8